الخميس، 7 سبتمبر 2023

الإيمان في صراعنا مع اليهود

الإيمان في صراعنا مع اليهود

     حين نمضي في البحث عن الإيمان وآثاره النافعة؛ سنلتقي بالطيب المبارك من هذه الآثار حيث نمضي ونتوجه، فلا نخطئ أن نلمس عطاياها الهادية الكريمة تقدم لنا النفع حيث نكون، وعلى جميع الأصعدة والمستويات. ومما يحسن بالمرء أن يتوقف عنده، ويحاول استجلاء دور الإيمان فيه، قضية صراعنا المصيري مع اليهود في فلسطين، فما يليق بقلم شريف، ولا عمل جاد، أن تغيب عنه حقائق هذا الصراع وأبعاده، وأن يبين موقع الإيمان من هذا كله، ودوره المأمول أن يصنعه، والأماني الكبيرة التي تنعقد عليه.

     إن الأمة المسلمة اليوم، تحارب عدواً شريراً، مَرَدَ على الخسة والغدر، ونَقْض العهود، والظلم والبطش والعدوان، وهو الآن يجثم على صدرها، ويحتل قطعة عزيزة من ديارها، ويهدد وجودها بالتفتيت والتمزيق، ذلك هو كيان العدو الإسرائيلي في فلسطين المحتلة حيث العصبة الغادرة تتلقى العون من أعدائنا في شرق العالم وغربه، وتأسر المسجد الأقصى منذ سنين شداد، وتمارس شتى أنواع القتل والإبادة، والتصفية الجسدية والمعنوية لإخواننا الذين يحيون تحت حكمها الظالم الغشوم.

     والحقيقة أن الصراع بيننا وبين اليهود هو أوسعُ مما يظن أكثر الناس، إنه صراعُ وجودٍ ومصيرٍ وحضارة، ولن ينتهيَ إلا بالقضاء على أحد الفريقين، ومن المعروف أن اليهود يمتلكون مرونةً واسعة في نشاطاتهم، وخططاً مرحليةً في توسُّعِهم، وهم لذلك يمارسون الإقدام والإحجام، حسبَ قوتهم، وحسبَ قوتنا، وحسبَ موازين السياسة العالمية، وقوةِ الدعم الذي يتلقونه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى.. فإن لليهود طمعاً لا يشبع، وطموحاً لا يتوقف، ومخطئٌ خطأً شديداً كلُّ مَنْ يظن أنهم سيقفون عن أطماعهم، ويكتفون بالموقع الذي هم فيه، بسبب مفاوضات أو معاهدات، أو صلح دائم أو غير دائم. إن أطماعهم لا تتوقف قط، بل هي تنمو وتزداد، كلما حققوا منها شيئاً، تماماً كالنار التي تزداد اتقاداً كلما ألقيت فيه الحطب؛ وكأنها تقول: هل من مزيد!؟

     وإذن فالأمر خطير، وخطير جداً، إنه صراع لا يتوقف إلا بنهاية أحد الفريقين، ولذلك فمن الجدير بنا، أن نجمعَ له كلَّ أسلحتنا، ونُعِدَّ له كلَّ قوةٍ يمكنُ لنا أن نتوصل إليها، وفي مقدمة هذه الأسلحة والقوى يقف "الإيمان"، ذلك أننا لن نجد في حربنا مع هذا العدو سلاحاً قط أمضى من الإيمان الذي يحتلُّ فيما نُعِدُّ المرتبةَ الأولى، فمن الجدير بنا أن نستعمل هذا السلاح، ونستفيد من طاقاتِه الجبارة، وإمكاناتِه العظيمة.

     على أنه من الجدير بنا أن نقرر بأن علينا أن نحرصَ على الإيمان حرصاً دينياً ربانياً، بمعنى أن نتمسكَ به لأنه حقٌّ في مَحْضِ ذاته بقطعِ النظرِ عن كل اعتبار آخر، ليكونَ إيمانُنا الراسخ بذلك نقياً وصادقاً وخالصاً، نريد به وجهَ الله تعالى وحدَه، دون أن تشوبَ صفاءَ نيتِنا أيُّ شائبة قط، ولا علينا بعد ذلك أن نستفيد من الإيمان في شيء.

     هذه ملاحظة وددتُ أن أقدمَها، لنكسبَ الصدقَ مع الله تعالى ابتداءً، ولننجوَ من أن نقع ضحايا الغفلةِ عندَ ذوي الإيمانِ النفعي إذا صحَّت العبارة، أولئك الذي لا تهمهم قضايا الإيمان إلا بمقدار ما تحقق أهدافهم، ولقد شهدنا كثيراً فيما عُرِف بحركات التحرر الوطني ومكافحة المستعمرين؛ مَنْ يظهر مِنْ بين الزعماء الوطنيين رافعاً شعارَ الإيمان، ليستنفر بذلك طاقات الأمة ضد العدو، حتى إذا تم النصر، ترك الإيمان والدعوة له، بل ربما انقلب على أهله بالقتل والتعذيب.

     وقد رأيت صورة لقائد عسكري في أعقاب الحرب العالمية الأولى؛ يتظاهر فيها بالصلاح، ويمسك بيده المسبحة، والعلماء عن يمينه وشماله، مما جعل الناس تقاتل معه بصدق وإخلاص، حتى إذا جلا العدو، وكان النصر، انقلب على المؤمنين قتلاً وإبادة، وأجبر النسوة على السفور، وجعل الكتابة بالحرف اللاتيني بدل العربي، وما إلى ذلك، وأفسد البلاد والعباد، مما جعل كثيراً من العلماء المخلصين يشكُّون فيه، ويبحثون عن أصله فإذا به واحد من يهود "الدونمة"؛ الذين هاجروا من إسبانيا عقب سقوط الحكم الإسلامي فيها.

     فعلينا إذْ نشحذُ سلاحَ الإيمان، ونستعمله ضد عدونا اليهودي الغادر أن نكون صادقين وأذكياء معاً، وأن نحرص الحرص العميق على الإيمان بادئ ذي بدء، وقبل كل شيء، باعتباره الحقَّ النقي الصُّراح، الذي تكمن قيمته فيه لهذا السبب دون غيره، ونريد بهذا الحرص وجه الله الكريم وحده، ثم فَلْنَسْتَعْمِلْهُ ضد اليهود وغير اليهود، ليكون لنا النصرُ المظفَّر بإذن الله.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة