الخميس، 7 سبتمبر 2023

مأساة القدس

مأساة القدس

     من أعماق المصيبة والنكبة، ومن فداحة الجراحات، ومن الأمل المضيء جاءت هذه النجوی من ذلك الذي كان بعيداً من مكان الكارثة حين سمع بسقوط بيت المقدس في حزيران، حزن الرجل أشد الحزن، واتصلت آلامه ليل نهار، فهو مرهق متعب مكدود، وأخذت الأسئلة الكثيرة الحيرى تنداح في فؤاده، وحين تمثل إجابتها في خلده، كان بين ألم وأمل، حزن ورجاء، مرة يقسو على الأمة الإسلامية، ومرة يلتمس لها المعاذير.

     ويلتفت صوب القدس ليرى فيها صورة المأساة الكبرى التي حلت بالمسلمين، وينظر صوب المسجد الأقصى فيكاد يبكي لولا بقية من حياء. وكان عظيم اليقين، ثابت القناعة أن المأساة إنما كانت من صنع الطغاة والكذابين، والخونة والمجرمين، وأن الإسلام بريء من هذا الضياع، ذلك أنه لم تتح له الفرصة للقتال في تلك الحرب لذا كانت الهزيمة وكان العار.

     أخذ ينظر الى المسجد الأيسر ويردد في خلده، والله ما أضاعك الإسلام الذي ثبت منك العماد، ولا القرآن الذي بناك بالهدى والرشاد. ما أضاعك المؤمنون، وما فرط فيك الصادقون. لقد كنت من قبل للدين قبلته الأولى، ومسجده الشريف. في رحابك الطاهرة أَمَّ رسول الله ﷺ الأنبياء الكرام جميعاً في صلاة صادقة طهور.

     وعلى أرضك الشريفة سجدت جباه الخاشعين، وفي صدی تاریخك العميق أصوات المجاهدين، وهتاف الفاتحین، وصليل السيوف، وقتال الزحوف، وهجوم الصفوف.

     كأن عمر بن الخطاب ما قطع الفيافي والقفار، في رحلة طويلة شاقة ليدخل القدس خافق الطرف، خاشع القلب، ذاکر اللسان، شاكراً لله فضله العظيم. وكأن صلاح الدين ما خاض الغمار، وما جمع الجيوش من كل ناحية ليخوض المعارك هنا وهناك، ويتوّج جهاده المبارك بمعركة حطين، لينفي عنك الأحزان والأشجان، ويبعد عنك الخبث والأدران، ويرفع من جديد في المآذن العالية نداء الأذان.

     كأن المنائر التي صدحت بالنداء الخالد: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" حزينة والهة ثكلى، كأن أيام الجُمع الزاكية الوضاء لم تقم على مدى أزمان وأزمان.

مررت بالمسجد المحزون أســــــأله     هل في المصلى أو المحراب مروان
تغيـــر المسجد المحزون واختـــلفت     على المنــــابر أحرار وعبـــــــــدان
فــــــــلا الأذان أذان في منـــــــارته     إذا تـعــــــــــــــــالى ولا الآذان آذان

     كأن قروناً من النسيان طويلة ممتدة، قامت بين الجهاد الصادق والمأساة الدامية، كأن أمجاد التاريخ ومفاخر المسلمين حلم عابر ما أشرق حتى غاب، وما أسفر حتى رحل.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة