الخميس، 7 سبتمبر 2023

أيتها القدس! (1)

أيتها القدس! (1)

     أيتها القدس الغالية!..

     أود أن أهمس في أذنك ألا تيأسي، فاليأس في الإسلام حرام، ثم إني أود أن أبشركِ أن الأمة المسلمة اليوم على الرغم من كل عيوبها وعجزها وتقصيرها، لا يزال فيها خير كثير، وستكون بإذن الله خير خلف لخير سلف، وها هي اليوم تصحو بعد نوم، تنهض بعد غفلة، تستقيم بعد اعوجاج، تمتد بعد انحسار لتكون قدراً من قدر الله، يُعْلي في الأرض كلمة الإيمان.

     أبشري يا قدس، فلن نخشى اشتداد الظلام، ولن تزل بنا الأقدام إلى وهدة الانحدار وهاوية الضياع. لن يخيفنا اجتماع قوى الشر من هنا وهناك، فلقد عزمنا أن نكون صادقين، أن نضع أيدينا في يد خالقنا، أن نستمسك بحبله المتين، وإذا جاءنا من يخوفنا بجموع الأعداء قلنا له: حسبنا الله ونعم الوكيل.

     مواكب فتية مؤمنة، آمنت بربها فزادها هدى، ستنطلق بإذن الله ملء السهل والجبل، تقتحم الصعاب وتجتاح العقبات، مواكب فتية لن يجد اليأس منفذاً إلى عزائمهم. أخذوا بالحزم وتواصوا بالعزم، واستعانوا بالله، واستهانوا بالحياة. موصولٌ كلال ليلهم بكلال نهارهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، فرسان في النهار، عبّاد في الليل:

الله يعـــــرفــهم عُبَّـــــــــاد مسجده     والحرب تعرفهم في الروع فرسانا

     تواصوا بالحق، وتعاهدوا على الموت، وأقسموا على الجهاد، وحنّوا إلى الجنة. هم بسمة الأمل، موئل الخير، ومضة الرجاء، بارقة النصر، بشرى الإنقاذ. على أيدي هؤلاء سيكون الخلاص يا قدس، إذ يمضي أحدهم وهو يردد قول خبيب بن عدي حين صلبه أعداء الله من مشركي مكة في التنعيم:

ولسـتُ أبــــالي حينَ أُقتَـــلُ مســلماً     على أي جنبٍ كان في الله مصرعي
وذلك في ذاتِ الإلــــــه وإنْ يشـــــأْ     يباركْ على أوصـــــالِ شلوٍ مُمـزعِ

     لست أدري يا قدس!.. إنْ كان الواحد من جيلنا سيشهد فيك الصلاة والأقصى حر طليق، لكنني أدري أن النصر قادم وإن تأخر، قادم وإن غلت التضحيات، قادم وإن حاول بعض الانهزاميين الاستسلاميين بيعك للعدو، وصلُّوا في أقصاك وهم يعلمون أنه أسير، لكنهم يتوهمون أنهم أحرار، وغاب عنهم أنهم في ذل نفسي أشد من الأسر المادي، وهزيمة نفسية أشد من الهزيمة العسكرية.

     النصر قام بإذن الله يا قدس!.. بالرغم من كل الصعاب، وبالرغم من كل أشباه الرجال الذين تخلوا عنك للعدو. فذلك هو أمر الله، وأمر الله أصدق من كل الجبناء والمرجفين.. أصدق من اليهود، ومن تلامذة اليهود.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة