الثلاثاء، 22 أغسطس 2023

إسلام .. ميشال فلسان وروني قونون

إسلام .. ميشال فلسان وروني قونون

     كثيرة هي الشواهد والحقائق التي تتجدد وتتكرر بين الحين والآخر، لتثبت صحة هذا الدين وخلوده، وعظمته وتكامله، واستمراره في دوره الخالد في هداية الآخرين وإخراجهم من الظلمات إلى النور. وفي طليعة ذلك، قدرة الإسلام المستمرة على اجتذاب أناس يؤمنون به، ويمنحونه ولاءهم، من شتى البلدان والشعوب.

     وفي حياة الرجل الصالح مصطفى فلسان رحمه الله نموذج يؤكد هذا الذي نقول. ولِد الحاج مصطفى عبد العزيز الذي كان يحمل اسم "ميشال فلسان" قبل إسلامه، في مدينة بوخارست عام 1907م، وهو عالم جليل وموظف كبير في السلك الدبلوماسي لبلاده، وقد وصل به البحث عن الحقيقة إلى اشمئزازه من الحضارة المادية لذويه، واستنكاره ما عليه قومه وحضارته من انحرافات وأخطاء، وما زال يستمر في البحث عن النور، وتقترب خطاه من الحقيقة، وتشرق على عقله وقلبه أنوار الهداية، حتى اعتنق الدين الإسلامي، واستقر نهائياً في باريس حتى وافاه الأجل عام 1394هـ= 1974م.

     قضى المرحوم "مصطفى عبد العزيز فلسان" فترة من الزمن في تونس يدرس الإسلام واللغة العربية، وتأثر في تلك الفترة بباحث آخر عن الحقيقة هو الفرنسي المسلم "روني قونون"، إلى درجة أنه صار تلميذاً له ومُريداً، ومواصلاً لمنهجه من بعده.

     وكان يعيش حياة روحية غنية، ويؤثِر الوحدة والعزلة، لكنه كان يأتي بانتظام إلى مسجد باريس الكبير ليؤدي صلاة الجمعة، وصلاة التراويح في رمضان من كل عام.

     وكان يحب الشبان، لذلك كان يزورهم في منازلهم ليحدثهم عن أهمية الحياة الروحية محاولاً جهده أن يأخذ بأيديهم إلى الطريق المستقيم، طريق الإسلام الخالد العظيم، وكان رحمه الله يصدر جريدة فصلية تخرج كل ثلاثة أشهر، وكان لها تأثير محمود ملاحظ، فقد اجتذبت مقالاته عدداً كبيراً من غير المسلمين إلى الإسلام، فكوّن بهم جمعية مؤمنة متحابة، تذكُرُ الله تعالى وتمجّده، وتؤدي فرائض الشريعة الإسلامية كالصوم في رمضان، وأداء الصلوات الخمس يومياً، وأداء الحج على قدر الاستطاعة، وكانت للمرحوم فلسان لحية جميلة يطلقها بذوق وأناقة، وكان لعدد من أصحابه مثل ذلك.

     وتزوج المرحوم مصطفى عبد العزيز فلسان مرتين، وخلّف عائلة كبيرة، والشيء الذي يبعث على الإعجاب والتقدير أن نرى عائلة هذا الأوربي المهتدي، شديدة التمسك بتعاليم الإسلام، وأبناؤه الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين ست وسبع سنوات يرتلون القرآن الكريم باللغة العربية، وفي كثير من الأحيان يفهمون معانيه. وقد زار الجزيرة العربية وعدداً كبيراً من البلدان الإسلامية، وقد فازت إسطنبول بإعجابه ومحبته.

     حقاً إنّ في سيرة هذا الأوروبي المسلم عبراً ودروساً تنتزع الإعجاب وتفرض نفسها على المرء فرضاً. لم يكن فلسان رجلاً جاهلاً أو نكرة بين الناس، بل كان رجلاً ذا أهمية بالغة ومنزلة محترمة، ذلك أنه كان عالماً كبيراً وموظفاً مهماً في السلك الدبلوماسي لبلاده، وكان ذا نزعة روحية قوية لبلاده، ونظر نافذ، وفِكْرٍ حيٍّ متوقّد، لذلك لم يكن غريباً أنْ شعر الرجل بإفلاس حضارة قومه المُغرِقة في المادية، وبحاجته إلى اكتشاف الحقيقة، وأتبَعَ شعوره هذا بالسعي الحثيث بحثاً عن الهداية والنور حتى أكرمه الله تعالى بالإسلام، فألقى إليه قياده سعيداً هانئاً مطمئناً، وعاش في رحابه الطاهرة حتى وافاه الأجل.

     ولقد أدرك فلسان رحمه الله أنّ الإسلام يوجِب على أبنائه أن ينشروا هذا الدين ويبذلوا جهودهم من أجل ذلك، وأنه ليس في الإسلام دعاة رسميون هم الذين يتحملون وحدهم مسؤولية تبليغ الدعوة، بل كلُّ مسلم مُطالبٌ بذلك وإن اختلفت مسؤولية المسلمين في ذلك بحسب منازلهم وإمكاناتهم. لذلك شهدناه رحمه الله، يسعى إلى الشبان في منازلهم ليحدّثهم عن هذا الدين ويأخذ بأيديهم إلى الطريق المستقيم، ولذلك شهدناه أيضاً ينشئ مجلة فصلية، كان لمقالاته فيها تأثير حميد إذ اهتدى بها عدد غير قليل إلى الإسلام، سارع فلسان ليشكل منهم جمعية مؤمنة تحاول تحقيق الحياة الإسلامية فيما بينها بقدر ما تستطيع، وتفكر في أمر الدعوة، وتتواصى بالحق، وتتواصى بالصبر.

     ومن أهمّ النقاط التي تفرض على الإنسان احترام هذا الأوربي المسلم، أنه خلّف عائلة كبيرة وعُنِيَ بها عناية فائقة وبذل لها الكثير من جهده ووقته، وماله وأعصابه، ليكون أفرادها نماذج مؤمنة صالحة، شديدة التمسك بتعاليم الإسلام، وثيقة الصلة بكتاب الله عز وجل وهذا الذين كان. رحم الله مصطفى عبد العزيز فلسان، وأنزله منازل الأطهار الأبرار.

     وانتقل إلى رحمة الله عز وجل ليلة الاثنين 9 ذي القعدة 1394هـ= 24 نوفمبر 1974م، ودُفِنَ في مقبرة المسلمين بإحدى ضواحي باريس بالقرب من مطار أورلي الدولي.

     رحم الله الفقيد رحمة واسعة وأجزل له المثوبة، ورزق أهله وذويه الصبر، وهيّأ لهم من يُعنى بهم بعد فقدان عائلهم، عناية مادية، وعناية إيمانية على السواء.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة