الثلاثاء، 2 أغسطس 2022

محمد إقبال .. رائد الفكر الذي لم يكذب أهله


الفصل الأول: محمد إقبال وقفات مع مكانته وأدبه وأندلسياته

محمد إقبال .. رائد الفكر الذي لم يكذب أهله

     من رحمة الله تعالى بالأمة المسلمة أن يظهرَ من أبنائها رجالٌ شجعانٌ روّاد يكونون حُداةً لها، هُداةً لمسيرتها، أدلّاء أوفياء يحمونها من عثارِ الطريق، وصحراء التيه، وبيداء الضلالات، ومهالكِ السفاهةِ والطيش والرعونة.

     وهؤلاء الرجال تتنوع مواقفهم بتنوعِ استعداداتهم وقابلياتهم، وتتباينُ باختلافِ طبيعة المرحلة التي تجتازها أمتُهم؛ إذ تكون حاجتها لنوعٍ من المواقف أعظمَ من حاجتها لنوعٍ آخر. وإنه لَمِن النقص في الفهم، والقصور في التصور أن يتوقف بنا الحديث عند أبطال المعارك، ومواقف الجود والحلم والإباء، وننسى مواقفَ أخرى هي أعظمُ خطراً، وأكبر أثراً حين تأتي في زمنها المناسب ألَا وهي المواقفُ الفكرية.

     فكما أن الأمة بحاجة إلى رجال ذوي شجاعة جسدية يحمون ذمارها، هي بحاجة كذلك إلى رجالٍ ذوي شجاعة فكرية عالية يستطيع أصحابُها بما يتخذونه من مواقفَ أصيلةٍ شجاعة أن يقودوا قافلة أمتهم صَوْبَ الحق، ويستشرفوا بها آفاق الصدق والفضيلة، ويُبيِّنوا لها خطورة الفكر الضال، ووخامة المبدأ العقيم، وهشاشة الآراء الفاسدة المنحرفة.

     وقد يحسبُ المرء أن الشجاعةَ الفكرية أمرٌ هيِّن بالقياس إلى الشجاعة الجسدية، لكن هذا خطأٌ بالغ. فالشجاعةُ الفكرية تحتاج ثقةً أكبر، وصموداً أعظم، وبُعداً في النظر وثباتاً في المُعتقد، وقدرةً على تجاوز الآخرين من مضلِّلين ومضلَّلين، ثم هي بحاجةٍ كذلك إلى مواجهةِ الكثرة بخطأ ما هي عليه، والإصرار على ذلك، والصبرِ على ما يُوَجَّهُ إلى أصحابها من تُهَمٍ وأكاذيبَ وإشاعات، وحربٍ نفسيةٍ وفكريةٍ وجسدية.

     من رحمة الله عز وجل بالأمة المسلمة أن يظهرَ فيها رجالٌ ذوو مواقفَ فكريةٍ شجاعةٍ صادقةٍ معاً، كلَّما اشتدت الخطوب، وعظمت المصائب، وازدادت الفتن، واحلولكت الليالي، وفشا الفساد، وذاع اليأس والعجز، وتلفَّت الناس حيارى محزونين يبحثون عن يدٍ أمينة تقود سفينتَهم في بحرهم الهائج المضطرب لترسو بها في شاطئ الأمان، ومَأْرِزٍ يلجؤون إليه عند الشدائد.

     ومن غير ريبٍ كان الدكتور محمد إقبال، الفيلسوف الشاعر المؤمن واحداً من هذه القلة النادرة الممتازة التي تظهر بينَ الحين والحين، ليكونَ الواحدُ منها حادياً صادقاً، ودليلاً أميناً، ورائداً لا يَكْذِبُ أهلَه.

     لقد أوقدَ قلبُه الشجاع المؤمن، وعقلُه الذكيُّ الحصيف في نفوس المسلمين شعوراً قوياً بخلودِ رسالة الإسلام، وأصالة الشخصية المسلمة، وتميزِها واستقلالها وإبداعها، كما ركَّز في أذهان المسلمين بشعره المؤمن العميق، ونثره الأصيل الدقيق أن الإسلام دينٌ خالد يقوم على مبادئَ ثابتةٍ خالدة، وأنَّه من المستحيل أن يطرأَ عليه القِدَمُ والبِلى في أي حين، وأن أنظمتَه تصلحُ لكل زمانٍ ومكان، وأنه المنهجُ الوحيد القادر على إنهاضِ المسلمين مما هم فيه، وأنه السبيلُ الوحيد لإنقاذِ المسلمين، ولإنقاذِ البشرية كلِّها مما هي فيه من مآسٍ وأحزانٍ، وإنقاذ الحضارةِ مما تتردَّى فيه من تخبطٍ وجهلٍ وضياع.

     ومن الإنصاف أن نقرر أن غَيْرَ إقبال كان يقوم بمثل هذا الدور، ويؤدي حقَّ الشهادة بكمالِ الإسلام، وخلودِ رسالته، واستمرارِها وصلاحها لكل زمانٍ ومكان. لكن إقبالاً حين وقف يشهد بصدق الدين الإسلامي وخلودِه، وعظمتِه وكماله، كان أعمقَ تأثيراً في قلوب الناس، بسبب ما عرفوه عنه من ثقافةٍ غربيةٍ واسعة، بالإضافة إلى ثقافته الإسلامية، مما يؤكدُ اطلاعَه على الثقافتين، واستيعابَه لهما على وجهٍ قلَّ أن يكونَ له نظير.

     وقد شهد لإقبال بهذا الدورِ الرائدِ الأستاذُ العلامةُ أبو الأعلى المودودي، فقرر -وهو خيرُ مّنْ يتحدث في هذا المضمار- أن الشاعرَ الفيلسوف المؤمن قد استطاع إنقاذَ الجيل المسلم الذي كانت تتلقفه فِتَنٌ جديدة، ونظرياتٌ مختلفة في ذلك العصر.

     استطاع إقبال -وهو الرجل الذي تربَّى في أحضان الغرب، وعاش في أجوائِه وبين فلسفته وحضارته، وتثقَّفَ بثقافته- ما لم يستطعْه الرجال الكبار والعلماء الأجلّاء. ولا شك أنه حين أدى شهادتَه تلك في ثقةٍ كبيرة، واعتزازٍ بالغ، ويقينٍ واستعلاء أيقظَ في الجيل المسلم الجديد شعوراً إسلامياً يمتاز بكثيرٍ من عناصرِ اليقظةِ والوعي والإحاطة.

     ومن جلائل الأعمال التي أدّاها إقبال هجومُه على توثينِ القوم والجنس والوطن والأرض، والعِرْق واللغةِ، واللونِ والسحنة، والجاهليات التي واكبتها على الرغم من كل ما أحاط بها من ضجيجٍ وبُهْرج، وزخرفة وبريق.

     ما أروع الدورَ الكبير الذي أداه الشاعر الكبير! إنه لَدَوْرٌ طليعيٌّ ريادي، استطاع به أن يتجه إلى المسلمين بنداءٍ حار ملتهب، عميقِ الغور، كَأَنْ يقول لهم محذِّراً من نتائج التقليد:

كـــلُّ مَنْ أنــــــــــكـرَ ذاتِيَّـــتَه     فَهْــوَ أولى الناس طُرَّاً بالفنــاءْ
لن يرى في الأرضِ شخصيتَه     كلُّ مَنْ قـــلَّدَ عيشَ الغربـــــاءْ

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة