الأربعاء، 6 يوليو 2022

صلاح الدين الأيوبي.. الوجه الآخر

صلاح الدين الأيوبي.. الوجه الآخر

     كلما ألمّت بالمسلمين نكبة، من النكبات العسكرية خاصة، فزعوا إلى تاريخهم يتذكرون أبطاله العظام الذين صنعوا لهم انتصارات رائعة ومذهلة، كخالد والمثنى، وسعد وأبي عبيدة، وعقبة وطارق، وقطز والظاهر، ونور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم.

     ولعل أكثر شخصية من هؤلاء تقفز إلى دائرة الاهتمام في الحس الإسلامي إبّان الظروف القاسية، هي شخصية القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، ذلك أن الرجل ظهر في ظروف قاسية كانت تحيط بالمسلمين وتفتك بهم، داخلياً وخارجياً. أما العدو الصليبي فقد كان في عزّ قوته وغلبته وغطرسته ولم تلبث حال المسلمين أن انتقلت على يد صلاح الدين إلى الأفضل فالأفضل باستمرار، حتى كان مسك الختام أن حرر القدس من يد الصليبيين بعد أن امتدت سيطرتهم عليه قرابة قرن من الزمان.

     وإذن فإنه من البدهي أن تحتل شخصية صلاح الدين في نفوس المسلمين طوال عصورهم، وإبّان الفترات القاسية منها خاصة، مساحة كبيرة من الاهتمام والتعلق والتشبث لا تحتلها شخصية أخرى، وإنه من البدهي أيضاً أن يكون اهتمام مسلمي اليوم، وتعلقهم وتشبثهم بصلاح الدين، يحتل مساحة كبيرة، ويأخذ حجماً واسعاً، ذلك أن القدس التي حررها صلاح الدين، قد وقعت أسيرة بيد اليهود، وهي تنتظر بطلاً كصلاح الدين، يحررها من بغي اليهود ودنسهم ويعيدها إلى الراية المسلمة.

     أمّا بطولة صلاح الدين العسكرية، وأمّا جوده ونُبْله، وأمّا إيثاره وعلوّ نفسه؛ فهي أمور مشهورة جداً، ذائعة في الشرق والغرب على السواء، لكنّ غير الذائع هو وجهه الآخر الذي لا يكاد يعرفه الناس وهو ما نحاول جلاءه الآن.

     يقول القاضي بهاء الدين بن شداد عن صلاح الدين، وقد كان قاضي عسكره، وملازمه في حله وارتحاله، وكاتب سيرته:

     كان شديد المواظبة على الصلاة بالجماعة، حتى ذكر يوماً أن له سنين ما صلى إلّا جماعة، وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده، ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة. وكان يواظب على السنن الرواتب، وكانت له ركعات يصليها إذا استيقظ بوقت في الليل، وإلّا أتى بها قبل صلاة الصبح، ولقد رأيته يصلي في مرضه الذي مات فيه، وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى. وأما صدقة النفل فإنها استنفدت جميع ما ملكه من الأموال، فإنه ملك ما ملك، ومات ولم يخلّف في خزانته إلّا سبعة وأربعين درهماً، وديناراً ذهبياً واحداً، ولم يترك داراً ولا عقاراً، فجُهِّزَ وأُخْرِجَتْ جنازته بالدَّيْن وهو ما يؤكده القاضي ابن شداد ويُقسم عليه.

     وكان يجلس للعدل كل اثنين وخميس، وكان يستقرئ من يحضره في الليل الجزأين والثلاثة والأربعة من القرآن الكريم وهو يستمع، وكان شديد الرغبة في سماع الحديث الشريف، وكان الجهاد وحبه، والشغف به، قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلّا فيه، ولا نظر إلّا في آلته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا مَيْلَ إلا لمن يذكره ويحث عليه.

     وقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده، وسائر ملاذه، وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تتقاذفها الرياح يمنةً ويسرة، ولقد وقعت عليه الخيمة في ليلة ذات ريح شديدة، ولا يزيده ذلك إلا رغبة ومصابرة واهتماماً. وكان الرجل إذا أراد التقرب إليه، حثّه على الجهاد، أو ذكّره بأخبار الجهاد، ما استكثر عدواً قط ولا خافه، ولا فقد أعصابه في هزيمة ولا ظفر، وكان اعتماده على الله تعالى.

     ذلكم هو الوجه الآخر لصلاح الدين، الصلاة والقرآن، والذكر والجهاد، والصدقة والثبات، والعدل والإخلاص. وإنّ هذا الوجه المشرق الذي يكاد يكون مجهولاً من أكثر الناس، هو سبب ظهور ذلك الوجه المعروف، وجه الحرب والنبل والغلبة والانتصار، والمروءة والأريحية.

     لقد انتصر صلاح الدين على نفسه؛ قبل أن ينتصر على أعدائه، لقد حرر نفسه وجيشه وأمته من الشوائب، وجعلها ملأى بالعقيدة الصحيحة والإيمان القوي؛ قبل أن يحرر القدس من النصارى الصليبيين. لقد هزم في نفسه الشح والأثَرَة والإخلاد والتواكل والسفاسف والدون؛ قبل أن يهزم في ديار المسلمين الفرقة والشتات، والبدع والفساد، والكفر والضلال. وإن معركته الكبرى التي خاضها في أعماق نفسه هي التي مهّدت له السبيل إلى الفوز في المعارك الكبرى التي خاضها بغية توحيد ديار المسلمين وطرد الصليبيين المعتدين.

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة