الأربعاء، 13 يوليو 2022

وقفة مع غزوة بدر

الفصل الثالث: بدر الكبرى والفتح الأعظم .. بشائر النصر ونفحات الإيمان

وقفة مع غزوة بدر

على ذِكْـــرِها فــليَعــــرفِ الحقَّ جاهـــلُهْ
               ويؤمنْ بــــأنَّ الـبـــغيَ شــــتّى غوائلُــــهْ
هيَ الغزوةُ الكبرى هوى الشركُ إذْ رَمَتْ
               جحــافِلُها العُظْــــمى ووَلَّـتْ جحــــــافـلُهْ
وأصبـــــحَ ديــنُ اللهِ قد قــــــام ركنُــــــهُ
               فَأَقْصَـــرَ من أعدائِــــــــهِ مَنْ يُطـــــاولُهْ
بَنَتْهُ سيـــــوفُ اللهِ بـالـعـــــــــــزمِ إنَّــــهُ
               لَأَصْـــلَبُ من صُمِّ الجلاميـدِ ســـائلُهْ[1]

     تلكم هي غزوة بدر التي نعيشُ سعداء في ذكراها الكريمة الخالدة، وأنعمْ بها من غزوة!.. وأنعمْ بذكراها من ذكرى!.. فهي أول لقاءٍ بين الإسلام والجاهلية ارتفعت فيه كلمةُ الحق، وانطلقت بشائرُ الهدى والنور، وخسئت فيه كلمةُ الباطل وانخذلت، وعادت يُجلِّلُها الخزي والعار.

     لقد مضت السيوفُ المؤمنةُ تُطِيحُ بالرؤوسِ الكافرةِ العفنة التي لم تكتفِ أنْ حادت عن الحق، بل أسرعت، يحدوها العنادُ والكبرياء، تحاولُ صدَّ الآخرين عن المنهلِ العذب، وتسومُ مخالفيها سوءَ العذاب.

     في يوم بدر التقت القلةُ المؤمنة بالكثرةِ الباغية ليكونَ لقاءٌ ضخمٌ كبير، فتكَ بالحاقدين الأفَّاكين، وحفر مجرىً جديداً في تاريخِ الحياة، وتحوُّلاً في مسيرةِ الدنيا صَوْبَ كلِّ ما هو صادقٌ وعاطر، ونافعٌ وشريف.

     أهابَ المصطفى ﷺ بالمؤمنين أن يُقْدِموا دون خوف، وأن يجاهدوا بصدقٍ وعزيمةٍ ومضاء، فاللهُ ناصرٌ للحق، خاذلٌ للطاغوت، رافعٌ كلمتَه، مُهْلِكٌ أعداءه:

أهــــابَ رسولُ اللهِ بالجُنـــدِ أَقْدِموا
               ولا ترهبـــوا الطاغوتَ فاللهُ خاذلُهْ
أَمَا تنظـرونَ الأرضَ كيــفَ أظلَّها
               من الشركِ دِينٌ أهلكَ الناسَ باطلُهْ؟
خذوه ببــــأسٍ ما تَطِيشُ سهــــامُهُ
               فـأنتـــمْ منايــــاهُ وهذي مقــــاتلُــهْ

     ونشبَ القتالُ حاراً عنيفاً متقداً، وطفق المؤمنون يَصْدُقونَ اللهَ ما عاهدوه عليه، وارتفع دعاءُ المصطفى ﷺ، يدعو خالقَه ألّا تَهْلِكَ هذه العُصْبَةُ المؤمنة، وتنزَّلت رحمةُ الله على المسلمين، وكان لهم نصرٌ عزيز كريم:

مضى البأسُ بَدْرِيَّ المشاهدِ ترتمي
               أعاصيرُهُ نــــاراً وتغلي مراجــــلُهْ
وراحَ رســــولُ اللهِ يدعـــــو إلهَــهُ
               فيا لَكَ من جندٍ طوى الجوَّ جافِـــلُهْ
تنــزَّلَ نصرُ اللهِ تنســــابُ من عَلٍ
               شـــآبِيبُهُ نوراً ويَنْهَــــلُّ وابــــلُـــهْ
هـــوَ اللهُ يحــــــمي دينَهُ ويُعِــــزُّهُ
               فمنْ ذا ينــــــاويهِ ومَنْ ذا يصاولُهْ

     لقد صدق المؤمنون جهادَهم، وثبتوا ثباتَ الجبال الشمّ، وأحدقوا بالعدو الكافر يُصْلونه نيرانَ بأسِهم العارمِ الصارم حتى تمزقَ شرَّ ممزَّق، وانهار شرَّ انهيار:

تمزَّقَ جيشُ الكفرِ وانحلَّ عِقْدُهْ فخابتْ أمانيه وأَعْيَتْ وسائلُهْ

     إن التاريخ كلَّه عِيالٌ على الإسلام، وإن تاريخَ الإسلام كلَّه عيالٌ على بدرٍ وما كان في يوم بدرٍ من مواقفَ للشرفِ والصدق، والجهادِ والبطولة، والفداءِ والإيمان، والتفاني والإيثارْ، صاغها رجالٌ كرامٌ عظام، سادةٌ نُجُب، أوفياءُ شرفاء.

     فهذا عُمَيْرُ بن الحمام بيده تمراتٌ يأكلهن، حين سمع رسول الله ﷺ يقول: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يقاتلهم اليومَ رجلٌ فيُقْتَلُ صابراً محتسباً، مقبلاً غيرَ مدبر إلّا أدخلهُ اللهُ الجنة))؛ عندها يقول عمير: "بَخٍ بَخٍ!.. أفما بيني وبين أن أدخلَ الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء!؟"، ثم قذف التمراتِ من يده وأخذ سيفه فقاتلَ الرومَ وهو يُنشِد:

ركضـــاً إلى اللهِ بغيـــرِ زادِ     إلّا التُقى وعمــــلِ المعــــادِ
والصبرِ في اللهِ على الجهادِ     وكلُّ زادٍ عُرْضَـــةُ النفــــادِ
غيرَ التُقى والبرِّ والرشــــاد

     وما زال كذلك حتى استشهد.

     وهذا أبو عبيدةَ بن الجراح رضي الله عنه يرى أباه في الصفِّ المشرك فينأى عنه إلى جهةٍ أخرى من المعركة، فيلحقه الأبُ مرةً بعد مرة يريد قتلَه، حتى إذا لم يكن من الصدام بُدٌّ التقى الأب الكافر، بولده المؤمن، وما مضى سوى قليلٍ من الوقت، حتى أطاحَ أبو عبيدة برأسِ والدهِ فسقط على الأرض مُجَلَّلاً بالخزيِ والعار، مَسُوقاً إلى عذاب النار.

     وهذا عُمَيْرُ بنُ أبي وقاص يختفي وراءَ أخيه سعدٍ حتى لا يراه رسولُ الله ﷺ فيمنعَه من الخروج لأنه صغير، لكنَّ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام رآه منفرداً فردَّه، فبكى عمير، فأجازه عند ذاك، وفاز بالشهادة التي خرجَ يرجوها.

     وهذان فَتيانِ من الأنصار هما مُعاذ بن عفراء، ومُعاذ بن عَمْرو بن الجَمُوح يقفان في الصف المسلم يوم بدر يبحثان عن أبي جهل، حتى إذا عرفاه شَدَّا نحوه كالصقرين لا يباليان مَنْ كان يحيط به من فرسان قريش، وأخذا يضربانه حتى أَثْبَتَتْهُ الجراح، ثم أجهز عليه عبدالله بن مسعود.

     إنها مواقفُ رجالٍ لا كالرجال، فهم تلاميذُ أذكياءُ أوفياءُ لإسلامهم العظيم الذي آمنوا به، وهم يعلمون أن التضحيةَ بالدنيا طلباً لرضوانِ الله تعالى وجنته من الدروسِ الأساسية التي على المسلم أن يَعِيَها فهماً وإدراكاً، ويلتزم بها عملاً وسلوكاً، وكذلك كانت كتيبة الإيمانِ يومَ بدر، فقد ضمَّت أولئك الرجال:

ضَمَّت حُماةَ الحقِّ ما عرفَ امرؤٌ     عِــزاً لهم من دونِــــهِ أو جـــــاها
الطـــــالعينَ بــه على أعدائِـــــــهِ     موتــــاً إذا نشروا الجنودَ طواهــا
الخائضينَ من الخطوبِ غمارَهــا     المُصطليــــن من الحروبِ لظاها
البـــــاذلينَ لدى الفــداءِ نفوسَـــهمْ     يبغـــونَ عندَ إلهِهِــــمْ مَحْيــــــاها
ما آثـــروا في الأرضِ إلّا دينَــــهُ     دِينـــاً ولا عبـــدوا ســــــواهُ إلهــا
سلـــكوا السبيلَ مُسَدَّدينَ تُضِيـــئُهُ     آيُ المُفصَّـــلِ يَتْبَــــعون هـــداهـا
قــــومٌ همُ اتخذوا الشـهادةَ بُغْيَــــةً     لا يبتـغونَ لدى الجهادِ سواها[2]

     ودخل يومُ بدرٍ التاريخ، معركة فاصلة من كبرى معاركه، بالرغم من كل حاقدٍ أو حاسدٍ أو شانئ.

     لقد عادت قريش بعد المعركة مهزومة جريحة، وطفقت تُعِدُّ ليوم الثأر.. لكن اليوم الماجد الأغر ظلّ يواصل أنواره في دفع مسيرة الهداية نحو نصرٍ تلو نصر، وامتدادٍ تلو امتداد، ذلك أن الراية المسلمة التي رَكَزها الحق في بدرٍ لم تمتْ، وليس لها أن تموت:

قُضِيَ الأمرُ يا قريشُ فسيــــري     للحمى واندبي على الأشـــــلاءِ
واحذري الطيبَ أن يَمَسَّ غلاماً     في نَـــدِيٍّ أو غـــادةً في خبـــاءِ
وأعِدّي للثــــأرِ حُمْرَ السرايــــا     واحشــــــديها للوثبةِ الرعنــــاءِ
يومُ بدرٍ يومٌ أغـــرُّ على الأيــــْ     يَــام باقٍ إنْ شئـــتِ أو لم تشائي
رَكَــــزَ اللهُ فيــــه أسمى لــــواءٍ     وجثا الخلدُ تحت ذاك اللواءِ[3]

----------------------------
[1] الأبيات وما بعدها من القصيدة نفسها للشاعر أحمد محرم في ديوانه: مجد الإسلام.
[2] الأبيات للشاعر أحمد محرم في ديوانه: مجد الإسلام.
[3] للشاعر عمر أبو ريشة، من مقدمة ديوانه: ملحمة النبي صلى الله عليه وسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة