الأربعاء، 13 يوليو 2022

كتاب أفراح الرُّوح - الفصل 3 - ذكرى معركة بدر

الفصل الثالث: بدر الكبرى والفتح الأعظم .. بشائر النصر ونفحات الإيمان

ذكرى معركة بدر

     تظلُّ ذكرى بدر يوماً خالداً في التاريخ مهما طال الزمانُ وتباعدت الأيام، فهي أعظمُ معاركِ التاريخ على الإطلاق بنتائجِها الضخمةِ الكبيرةِ الممتدة حتى يوم الدين. إنها أكبرُ وأولُ معركةٍ فاصلة في سجلِّ الصِّدامِ بين الكفر والإسلام.

     لقد التقت يومَ بدرٍ كتيبةُ الإيمان يقودُها الرسول ﷺ بكتيبةِ الوثنية يقودها أبو جهلٍ والمخدوعون من قادةِ الضلال والفساد والطغيان، وما هي إلّا ساعةٌ من نهار حتى كانت السيوفُ المؤمنة تحصدُ المشركين حصداً، وتسوقهم إلى الموتِ الزؤام.

     ما أعظمَ أن تمرَّ بنا ذكرى هذه المعركة العظيمة!.. وأمَّتُنا تجاهدُ بصدقٍ وبلاءٍ جيشَ الفسادِ والضلالِ والبغي، جيشَ يهود، الذين سرقوا منا انتصارات وهمية. فلمّا أن بدت في الأمة المسلمة بشائرُ صحوةٍ كريمة، نبيلةٍ مظفّرة بإذن الله، كانت هذه الحربُ الشريفةُ المقدسة، تخوضها أمتُنا الوفيةُ المعطاء، لا بَغْياً ولا ظلماً، ولا علوّاً ولا فساداً، ولا كِبراً ولا بطراً، بل دفاعاً عن كرامةٍ أُهينت، وأرضٍ سُرِقت، ومساجدَ دنَّسها الأنذال، ونساءٍ فتكَ بهنَّ الغادرون، وأطفالٍ عدا عليهم اللصوصُ والجبناء.

     إننا اليوم ونحن نتفيَّأُ ظلالَ هذه الغزوة الكريمة، في هذا الشهر الكريم، ونحن نجاهدُ في سبيل الله لإنقاذِ بلادِنا وأمّتِنا، لَنَرْفَعُ إلى الله عز وجل أكُفَّ الضراعة قائلين: اللهم بدراً كبدر، وإيماناً كإيمان أهل بدر، وانتصاراً كانتصار مجاهدي بدر، ومواقفَ شجاعةً عظيمةً عملاقة كمواقفِ مسلمي بدر.

     إنَّ يومَ بدرٍ ذكرى في التاريخ، لكنها ليست ذكرى محفوظةً مسجَّلةً بين دفّاتِ الكتب، بل هي ذكرى حيّةٌ تعيش في أفئدةِ المجاهدين المؤمنين فتحملُهم على البطولةِ والتضحية، والشجاعةِ والإقدام، ولِمَ لا!؟ ولهم في مجاهدي بدر أُسْوَةٌ عظيمة مشرِّفة.

     اضربْ بعينيكَ هنا وهناك، تنقَّلْ في ذاكرتك بينَ صحائف التاريخ، انطلقْ حيثُ تشاءُ في أسفارهِ وأخباره، قَلِّبْ أوراقَه واحدةً واحدة، اقرأ كلَّ سِيَرِ البطولةِ والتضحية، وكلَّ كتبِ الشجاعةِ والفداء، وكلَّ أنباءِ الرجولةِ والإقدام، تنقَّلْ كما يحلو لك في الزمانِ والمكانِ والموضوع، ارتحلْ حيثُ تشاء، حتى إذا استوعبتَ من ذلك ما استأثرَ بلُبِّكَ، وامتلكَ فؤادكَ، وسيطرَ على اهتمامك، فتعالَ معي!.. تعالَ معي نَجُبْ معاً معركةَ بدر، نستوعبُ أخبارَها، ونستروِحُ ذكراها، ونستظِلُّ بأفيائِها، ونَعْبَقُ نَشْرَها وشَذاها، فإن فعلتَ ذلك فإني سائِلُك:

     هل وجدتَ في كل ما عرفتَ شرقاً وغرباً، حاضراً وماضياً، يوماً كيوم بدر في جلالِ قدره، وارتفاعِ خطره، وعِظَمِ نتائجه!؟ أواجدٌ أنتَ مثلَ هذا اليوم!؟ أواجدٌ يوماً قريباً منه!؟ لا يا صاحبي، إنك لن تجدَ مثلَ ذلك قط، فيومُ بدرٍ هو اليومُ الأغرُّ الضاحي في خوالدِ الأيام.

     سيظلُّ الخيرُ في العالمِ عِيالاً على المسلمين، وسيظلُّ المسلمون عِيالاً على الشهداءِ منهم، وسيظلُّ الشهداءُ منهم عِيالاً على شهداءِ بدر، فقد كانوا أولَ موكبٍ باعَ نفسَه لله عز وجل.

     فصلُ الربيعِ عطرُ الزمانِ وابتسامتُه، ومعركةُ بدرٍ في التاريخ الإسلامي هي العطرُ العاطر، والإيمانُ الواثق والبسمةُ الزاهية، والنصرُ المبين.

     إذا كان للخيرِ خُلاصةٌ في الحادثات فواقعةُ بدرٍ خُلاصتُه، وإذا كان للعدلِ فخرٌ على الأيام فبِبَدْرٍ فَخارُهُ واعتزازُه، وإذا كان للإقدامِ والجراءةِ صورةٌ مُثْلى يُؤْتَسى بها فالصورةُ هي يومُ بدر، ما كان فيه من مواقف.

     إنّ يومَ بدرٍ للمؤمن مَعينٌ يرتوي منه العزّةَ والشجاعة، والبطولةَ والجسارة، ولذةَ الاستشهادِ في سبيل الله، وهو مَعينٌ ثَرٌّ غني، عذبٌ دفّاق، سائغٌ حلوٌ فرات.

     إنّ مواقفَ العُصبةِ المؤمنةِ يومَ بدر تكشفُ عن إيمانٍ نادر، ووفاءٍ خالص، وصدقٍ وإيثار، وحبٍّ لله ورسولهِ صافٍ عميق. مواقفُ تُبِينُ عن ارتفاعٍ لا مثيلَ له على شهواتِ النفسِ والجسد، وسفاسفِ الدنيا وزينتِها وبهرجِها، وحُطامِ الحياةِ وزهرتِها ...

     ستظلُّ الإنسانيةُ تَفْغَرُ فاها من الدهشةِ والإعجاب، والإكبارِ والاستغراب، تُرى: أفي البشر مَنْ يملكُ هذه المقدرةَ الهائلةَ على الانتصارِ على ذاتِه وبيعها بيعاً خالصاً لله عز وجل لا رجعةَ فيه!؟ أفي البشر مَنْ يقتل أباه ذَبّاً عن دين الله؟ أفي الناس مَنْ يبكي لأن رسول الله ﷺ قد ردَّهُ لصغرِه!؟

     أجل.. إنّ ذلك لكائن، فالإسلام العظيم يملكُ القدرةَ دائماً على رفعِ أتباعه إلى آفاقٍ كريمةٍ سامية إذا صدقت منهم النوايا، وصحَّت منهم العزائم. وحين كانت نوايا البدريين صادقة، وعزائمُهم صحيحة، كانت لهم تلك المواقفُ التي لا نزالُ حتى اليوم نعيشُ في امتدادِها الضخمِ الهائلِ الكبير.

     وتمضي السنون إثر السنين، وبدرٌ فخارٌ باذخ، واعتزازٌ هائل، ومجدٌ في ذرى الجوزاء. لقد بقي وسيبقى مفخرةَ الدهر، ومُلهِمَ الكُتّاب، ومَعينَ البطولة والمجد والعطاء:

إيهِ يا بدرُ أنتِ مفخـــرةُ الدهــ     ــر ووحيُ الكُتّــابِ والشعراءِ
أنتِ بدرُ الزمان يسطعُ بالنُّـــو     ر ويقضي على دُجى الظلماءِ
أنتِ ألهمتِني القريضَ وكم فتْـ     تَقتِ قبـــــلي قـــرائحَ البُلغــاءِ
وأَسَلْتِ القصيـــدَ مني غنـــاءً     عبقريَّ الإيقاعِ عَـــذْبَ الأداءِ
كـلّما عــــــــادني تَذَكُّرُ بَـــدْرٍ     طاولـتْ عَزْمَتي ذرا الجوزاءِ

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة