الأربعاء، 13 يوليو 2022

فجر الإسلام

الفصل الثاني: الهجرة النبوية الشريفة تأملات ودروس

فجر الإسلام

     ما أعظم التغيير الجذري الذي قام به رسول الله ﷺ يوم أن بُعث برسالة الإسلام، وقد استبدّت بالناس الحيرة، وفشا فيهم الانحراف، وغلبت عليهم الضلالات والجهالات، والأحقاد والسخائم، وأطبق عليهم ليل الجاهلية طويلاً ثقيلاً!.

     إن جميع المنصفين حتى من غير المسلمين يقفون أمام ذلك التغيير الجذري وقفة إعجاب وإكبار وتقدير، ذلك أنه كان تغييراً نفسياً وروحياً، شعورياً وفكرياً، عقدياً وأخلاقياً. كان تغييراً إلى الأحسن وبارتفاعٍ وسموٍّ شامخَين في كل شيء، على صعيد المبادئ والأفكار، والمشاعر والأحاسيس، والقيم والموازين، والسلوك والأخلاق، والتطبيق العملي الواقعي.. على مستوى الفرد والأسرة، والدولة والجماعة، وعلى مستوى الحضارة كذلك. وبوسعك أن تلمس ذلك في مواقف كثيرة جداً.

     تقدّم أنس بن النضر يوم أُحُد وقد انكشف المسلمون، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال أنس: يا سعد!.. الجنة وربِّ الكعبة!.. إني أشم ريحها من دون أُحُد، ثم قاتل حتى استُشْهِد، ووُجِد به بضع وثمانون ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، فما عرفه أحد إلا أخته؛ عرفته ببنانه.

     انتهى المسلمون المهاجرون في الحبشة إلى النجاشيِّ وهو جالس في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه، وكان لا يزال كافراً، وقد جاء يحرِّض النجاشيَّ على المسلمين، وعمارة بن الوليد عن يساره وقد جاء مع عمرو يشاركه مهمته، والقساوسة جلوس سماطَيْن، فبدرهم مَنْ عند النجاشيِّ قائلين: اسجدوا للملك، يعنون النجاشي، فقال جعفر بن أبي طالب، وكان المتكلم باسم الوفد: لا نسجد إلا لله.

     ذاك رجل يقاتل طلباً للجنة لأن يقينه بها أعظم بكثير من اهتمامه بهذه الدنيا الضئيلة.. وذاك رجل يأبى السجود للملك، على الرغم من أنه ومَنْ معه في موقف صعب، ذلك أن هناك محاولة جادة لإعادتهم إلى الاضطهاد. أبى السجود وهتف: لا نسجد إلا لله.

     لا نسجد إلا لله!.. كلمات تحمل معها انعتاق البشر من كل عبوديات الدنيا لِتَخْلُصَ عبوديتهم لله العلي القدير وحده. إنه التوحيد الإسلامي الذي لا يماثله توحيد آخر قط. إنه التوحيد الذي جعل غوستاف لوبون يقول: "وللإسلام وحده أن يباهي بأنه أول دين أدخل التوحيد إلى العالم"، ويقول "وتُشْتَقُّ سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام".

     وهكذا كان الجيل الإسلامي الأول، صياغةً ممتازةً، وتربيةً عاليةً، أينعت أحسن الثمار، وأحدثت في تاريخ البشرية أكرم تغيير جذري بناءً على شتى المستويات، وفي كل المجالات.

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة