الأربعاء، 13 يوليو 2022

بين هجرة المسلمين إلى المدينة وهجرة اليهود إلى فلسطين (2)

الفصل الثاني: الهجرة النبوية الشريفة تأملات ودروس

بين هجرة المسلمين إلى المدينة وهجرة اليهود إلى فلسطين (2)

     يحمل إلينا شهر محرم في إطلالته الكريمة ذكرياتٍ عزيزةً غالية، هي ذكريات الهجرة الشريفة على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام، وإذا كان علينا أن نتوقفَ مع ذكريات الهجرة هذه نستنبط منها العبر والدروس، لنهتدي بنورها الساطع في طريقنا الشاق الصعب، حيث تنوشُنا التحديات الضخمة من كل جانب، فإن علينا ألا نغفلَ عن هجرة أخرى معاصرة بدأت منذ حوالي قرن من الزمان أو أقل من ذلك بقليل، ولا تزال تنمو وتَقْوى في يومنا هذا، وهي هجرة اليهود من شتى بلدان العالم إلى فلسطين، ذلك أن هجرتهم هذه هي أحد كبار التحديات التي تواجهنا مواجهةً عميقةً حضارية، بهدف القضاء التام على وجودنا مادياً ومعنوياً على السواء.

     وبين الهجرتين هجرة محمد ﷺ وصحبه الكرام الأوفياء إلى المدينة المنورة وهجرة اليهود إلى فلسطين فروق كبيرة هائلة تكشف عن عظمةٍ ما عُرِفَ لها مثيل في هجرة الإسلام، وخسّةٍ ما عُرِفَ لها شبيه في هجرة اليهود.. عن خلقٍ يسمو، ودينٍ يزكو، وفضائلَ ومكرمات وما شئتَ من خيراتٍ حسان في هجرة الإسلام، وعن غدرٍ وفجور، وباطلٍ وضلال، ومفاسدَ وسيئات، وما شئتَ من شرورٍ مستوخمة في هجرة اليهود.

     ولا عجب!.. فهجرة الإسلام وَحْيُ السماء وحركةُ الإيمان، أما هجرة اليهود فهي تدبيرُ المفسدين في الأرض وأَمْرُ الشيطان.

     ومن أعظم الفروق بين الهجرتين، أن هجرة الإسلام ترتب عليها أنْ قامت في المدينة المنورة دولة الإسلام، أما هجرة اليهود فقد ترتب عليها أنْ قام الكيان الإسرائيلي الباغي في فلسطين، الذي يَأْمَلُ سدنة الشر من قادته ومخططيه أن يجعلوا منه دولةً عظمى تهزم الإسلام والمسلمين، وتسيطر على مقدّرات ديارنا، وتجعل منا أمةً لا حقيقة لها ولا شخصية، يوظّف اليهودُ قدراتِ أبنائها وخيراتِ بلادها لِما يريدون، ويجعلونهم دُمى في أيديهم يحركونهم كما يشاؤون.

     هجرة الإسلام كان من نتائجها أن قامت دولة، وهجرة اليهود كان من نتائجها أن قامت دولة!.. والفرق بين الدولتين؛ هو الفرق بين هديِ السماء، وأوحالِ الجاهلية.. بين حقيقةِ الإيمان وفسادِ الباطل.. بين صدقِ القرآن الكريم وصحتِه، وزيفِ التوراة المحرّفة وضلالِها.. بين سموِّ المسلمِ ونبله، وانحطاطِ اليهودي ونذالته.. بين الأمّةِ المؤتمنة على هديِ السماء، وأمّةِ الضلال وقَتْلِ الأنبياء.

     ودولة المسلمين التي قامت في المدينة المنورة؛ هي أكرم وأعظم، وأنبل وأسمى، وأطهر وأفضل دولة شهدها التاريخ على الإطلاق. فهي دولة العقيدة، قامت عليها ابتداءً وانتهاءً.

     لم تقمْ بسبب أرض أو جنس، ولم تقم بسبب لون أو لغة، ولم تقم بسبب مصالحَ ماديةٍ في تجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك، ولم تقم بسبب عصبية قبلية أو وطنية أو قومية أو ما يشبه ذلك، لقد قامت على العقيدة فحسب!.

     فبالعقيدة الإسلامية فقط هاجر المسلمون من مكة المكرمة، وتركوا ديارهم وأموالهم وذويهم ومرابع شبابهم وملاعب طفولتهم، وكل ما يحببُ المرءَ إلى بلدِه ويشدُّه إليه. وبهذه العقيدة استقبل الأنصارُ إخوانَهم المهاجرين أحسن استقبال، وأنزلوهم في قلوبهم قبل أن ينزلوهم في بيوتهم، وقاسموهم أموالهم، وشاركوهم فيما يملكون، حتى إن بعضهم ممن كانت له زوجتان، عرض أن يطلِّق إحداهما ليتزوجها أخوه المهاجري!.

     كانت العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة، وهي الأصل فيها والجوهر، وهي التشريع والنظام، وهي الخُلُق والقانون، وهي الروابط والصلات، كانت كلَّ شيء في الدولة التي صِيغتْ بكلِّ شؤونها وِفْقَ هذه العقيدة.

     لذلك يمكن أن يقال: إن دولة الإسلام في المدينة المنورة هي أولُ نموذج حي متكامل للدولة "الآيديولوجية" التي تقوم على الفكرة، والتي لا يزال العالم حتى اليوم عاجزاً عن إقامة مثيلٍ لها، وإن ادّعى هنا وهناك أنه فعل.

     ودولة المسلمين في المدينة المنورة أقامت أكرمَ مجتمعٍ بشري على الإطلاق، فكان مجتمعها مجتمعَ المساواة الحقيقية، والعدالة الاجتماعية، والتعاون والتناصر، والتوادّ والمرحمة، والخير العميم، والهدي الكريم، والأمن والطمأنينة والسكينة، وما شئت من أمثال ذلك.

     أما هجرة اليهود إلى وطن الإسلام في فلسطين، فهي الأخرى قد قام بسببها مجتمع ودولة، ولكنْ ما الذي تقولُه فيهما؟ إنّ أيَّ كلماتٍ في وصف قذارتهما لتبدو قليلةً عاجزةً ضئيلة، وها هو جيلنا يشهد منهما فظائعَ الوحشيةِ والغدرِ والنذالة، كلَّ يوم، وحسبك أن تقول: إن كيان اليهود في فلسطين هو ملتقى الشرور والخبائث، ودولتهم مستنقعُ المفاسدِ والسيئات، ومجتمعهم أقذرُ ما شهدته البشريةُ قط.

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة