الثلاثاء، 28 يونيو 2022

عبادة بن الصامت والمقوقس

عبادة بن الصامت والمقوقس

     لما جاء المسلمون لفتح مصر وتوغلوا فيها حتى وقفوا أمام حصن "باب ليون"؛ أي باب الأسد!.. الذي كان يومذاك مفتاح البلد، رغب المقوقس حاكم مصر القبطي عن الرومان أن يتفاوض مع المسلمين، فأرسل إليهم وفداً يعلمهم بذلك، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفداً، فأرسل إليه عمرو بن العاص، قائد الجيش المسلم عشرة رجال فيهم عبادة بن الصامت، وكان عبادة شديد السواد، طويل القامة جداً، وأمره عمرو بن العاص أن يكون هو الذي يتولى الكلام.

     فلما دخل الوفد على المقوقس، تقدمه عبادة بن الصامت فهابه المقوقس لسواده وضخامة جسمه، وقال:

     نحُّوا عني هذا الأسود وقدموا غيره ليكلمني!..

     فقال رجال الوفد جميعاً: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله.

     فقال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟

     فقال رجال الوفد: إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعاً، وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً، وليس يُنكر السواد فينا.

     فقال المقوقس لعبادة وقد أدرك أنه في محل الصدارة من الوفد، وأن جماعته لا يعدلون به شيئاً: تقدم يا أسود وكلمني برفق، فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي، ازددت لك هيبة.

     فقال عبادة؛ وقد رأى فزع المقوقس من السواد: إن في جيشنا ألف أسود، هم أشد سواداً مني!..

     إن في هذه الحادثة التاريخية لأكثر من عبرة، وأكثر من عظة، وأكثر من دلالة، فيها بادئ ذي بدء، ارتفاع الإسلام إلى الآفاق الكريمة التي تكرم الإنسان، وتعلي قدره، من حيث هو إنسان، فيه نفخة من روح الله عز وجل، فهو يستحق التقدير بهذا الاعتبار، قبل أي اعتبار آخر.

     وفيها كذلك أن الحضارة الإسلامية أسقَطت بالفعل، لا بمجرد الأقوال والادعاءات فحسب، كل الحواجز الكاذبة التي يقيمها الفكر الجاهلي المنحرف بين البشر فيوزّعهم إلى فرق شتى بناء على معايير خاطئة، ومقاييس شاذة ضالة.

     وفيها كذلك تخلف الحضارة الأخرى التي كانت في مصر يومذاك، يظهر ذلك بوضوح بالغ في طلب المقوقس من الوفد المسلم، تنحية عُبادة وتقديم آخر يتكلم مكانه.

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة