الأحد، 2 يناير 2022

مركز الملك سلمان الاجتماعي

مركز الملك سلمان الاجتماعي

     حين تقاعدت من العمل الوظيفي، وكان «المجلس الأعلى للإعلام» آخر محطاتي فيه عام «1424هـ/ 2003م»، لم أشك من الفراغ الذي يشكو منه أكثر المتقاعدين، ذلك أني مولع بالقراءة طوال عمري، وأحب الخلوة القصيرة والطويلة بين الحين والآخر، وفي القراءة والخلوة ما يشغل المرء بنفسه.

     وكنت أرى وأسمع الكثير من عجائب بعض من يتقاعد عن العمل الوظيفي، إذ يشعر أنه قد فقد قيمته، وأصبح عالة على مَنْ حوله، وأن عليه أن يعيش محزوناً محسوراً ينتظر موته، وتزداد حالة هذا المتقاعد سوءاً إذا كانت له منزلة في وظيفته السابقة، يأمر من خلالها وينهى، فلم يعد يجد من يأمره وينهاه، أو كانت له مكانة رفيعة يأتيه الناس بسببها لقضاء مصالحهم فزالت المكانة فانفض الناس عنه، وكان الناس - ولا يزالون - يتندرون على هذا الصنف من المتقاعدين، ويروون عنهم طرائف كثيرة، منها أنهم يطيلون المكث في منازلهم يحاسبون الزوجة والشغالة، على كأس قد انكسر، وحذاء قد اتسخ، وملعقة وقعت على الأرض، وما إلى ذلك، فيضيق بهم أهل البيت ويضيقون هم بأنفسهم.

     ومن أطرف ما سمعته في هذا المجال قصة جميلة دلالتها صحيحة، سواء كانت حقيقية أم مصنوعة، وهي أن ضابطاً في الجيش العثماني، أحيل إلى التقاعد بعد أن بلغ رتبة عالية، وكان نشيطاً دقيقاً محباً لعمله متقناً له، ينفذ أوامر رؤسائه بدقة، ويحمل مرؤوسيه على أن يفعلوا مثله، واعتاد الرجل على أن يؤمر فيطيع، وأن يأمر فيطاع، حتى أخذت حياته هذا القالب، والجيش العثماني معروف بالحزم والضبط والربط فلا غرابة أن صار حازماً ومحزوماً، ضابطاً ومضبوطاً، رابطاً ومربوطاً، وحين تقاعد كان قد تحول إلى شيخ لا يجيد إلا ذلك.

     ضاقت الدنيا بالرجل، وضاق هو بنفسه، وضاق بيته به، وظل كذلك حتى هداه أحد رفاقه إلى حل سارع إلى تنفيذه.

     كان هذا الضابط يعيش في طرف مدينته، وفي منطقة تحتاج إلى ماء لعابري السبيل، وكان الحل هو أن وضع هذا الضابط مائدة طويلة يصف عليها كوباً أحمر، وآخر أخضر، وآخر أبيض، ويملأ هذه الأكواب بماء عذب يقدمه مجاناً للعابرين ابتغاء ثواب اللَّه تعالى، فإذا جاءه عابر ومد يده إلى الكوب الأحمر نهاه عن ذلك وقدم له الأخضر، ويفعل مثل ذلك مع الكوبين الآخرين.

     وهكذا وجد الضابط ما يشغل نفسه به، وجد أنه لا يزال قادراً على أن يأمر، وأن أمره لا يزال ينفذ، وأنه حاز ثواب اللَّه تعالى في سمائه، وثناء جيرانه في أرضه، فاستراح وأراح، وذهب عنه وعن ذويه الضيق.

     على كل حال، لم يشكل لي التقاعد مشكلة نفسية أو بيتية، بسبب حبي للقراءة والكتابة، وحضور الديوانيات الجميلة في الرياض، فضلاً عن اشتراكي في مركز الملك سلمان الاجتماعي الذي أعدته الدولة للمتقاعدين، وكان من فضل اللَّه U عليّ - وأفضاله كثيرة - أن البيت الذي أسكنه قريب جداً من المركز، وهو ما سهّل علي كثرة الذهاب إليه، حتى إنني في بعض الأحيان أذهب إليه مرتين في اليوم الواحد.

     كان هذا المركز نعمة كبرى علي، كان واحة غنية بمعنى الكلمة، فيها غَناء العقل والجسم والروح.

     وللواحة في وجدان العربي معنى جميل، وظلال وارفة، وذكريات حسان، ذلك أنها تعني ما يلقاه المسافر في الصحراء، بعد التعب والظمأ والحر والجوع والخوف، من راحة وري وظل وشبع وأمن، ومن هنا يستدعي اسم الواحة لدى العربي سلسلة محببة من المعاني والمشاعر والخواطر، ولا غرابة فالواحة هي المكان الذي يصل إليه المسافر في الصحراء، ليجد فيه الماء والظل والنخل والكرم والأمان، فيسعد بذلك من ناحية وينسى كل ما عاناه من ناحية.

     ولكننا إذا امتددنا بمفهوم الواحة ووسعناه، نجد أنه قد يكون صديقاً عزيزاً تأنس إليه، تجد فيه الصدق والوفاء والعون، أو كتاباً رائعاً تجد فيه العلم الغزير والبيان الصافي فتخلو به وأنت سعيد، وقد تكون ملتقى دورياً مع عدد من أهل العلم والفضل والسماحة يسمّى ديوانية أو أمسية أو ندوة، يعبق بالود الصادق والرأي الحصيف والخبرة المتبادلة، يذهب إليه الإنسان فيسعد به، ويضيف إلى خبرته الجديد النافع، وينصرف عنه وهو متشوف للعودة إليه.

     وقد رأيت في مركز الملك سلمان الاجتماعي واحة حسناء، بل عدداً من الواحات، فأنت تجد في هذا النادي البديع الخضرة الجميلة ترعاها يد صناع ماهرة، وتجد فيه مضماراً بديعاً للمشي تحيط به الأشجار الباسقة من الجانبين، وتجد فيه الماء الحار والبارد، وتجد المقهى اللطيف، وتجد الديوانية الواسعة الرحبة تقرأ فيها الصحف، وتسمع الأخبار، وتلاقي الأخيار، كما تجد الطبيب إذا كنت محتاجاً، والتدليك الطبي إذا رغبت، والمسبح إذا أردت السباحة، وصالات الرياضة الملأى بالأجهزة الرياضية المناسبة لمختلف الأعمار والرغبات، وقبل كل ذلك ترى كوكبة من أهل الفضل تقوم على إدارة هذا النادي بود واقتدار.

     وإذا أردت الاستزادة من المعرفة فهناك مكتبة تدعوك وترحب بك، وإذا أردت أن تتذكر البادية فهناك خيمة واسعة تقول لك: أهلاً وسهلاً، أما الصلاة - والصلاة كتاب موقوت - فإن صوتاً جميلاً مسجلاً يناديك إليها حين يصدح بالأذان فتهرع إلى مسجد هو غاية في الأناقة.

     أليس لي أن أقول - دون أن يتهمني أحد بالمبالغة: إن نادي الملك سلمان الاجتماعي، هو واحة غنية جميلة، بل عدد من الواحات؟!

إنني أرجو أن يكون لهذا المركز النافع عدد من الفروع في أطراف الرياض الممتدة الواسعة، بل في كل مدن المملكة حماها اللَّه عز وجل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة