الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الرابع - 03 - التشكيل الفني


الفصل الرابع
(موانة بين مراثي الشعراء الثلاثة)

03- التشكيل الفني:


     كان الشعراء الثلاثة أهم أعلام مدرسة الإحياء، وإذا كان البارودي الرائد الذي رفع الراية فنياً وموضوعياً، فإن حافظ وشوقي أهم من تأثر به، وفاء إلى رايته، ومضى يضيف إيجابيات جديدة محمودة لها. وأهم نقاط الشكل الفني في مراثي هؤلاء الأعلام التي سنقف عندها: الحجم والوحدة، واللغة، والموسيقى، والصورة الشعرية.

1- الحجم والوحدة:

     فيما يتصل بالحجم والوحدة، يلاحظ أنه يغلب على مراثي البارودي وحافظ التوسط والقصر وتندر القصائد الطويلة، كما تغلب على مراثيهما الوحدة خلافاً لشوقي الذي يغلب على قصائده الطول وتعدد المحاور.

    ومرد ذلك إلى عدة أمور:

     أولها أن الصدق لدى البارودي وحافظ أظهر منه لدى شوقي ولذلك لا يجد أحدهما حاجة للامتداد بالقصيدة بعد أن يشعر بأنه أفرغ فيها شحنته الفكرية والفنية، خلافاً لشوقي الذي كان حظه من الصدق أقل، وهو ما يجعله يعمد إلى الإطالة كأنه يجد في ذلك تعويضاً.

     ثانيها أن ثقافة شوقي أوسع من ثقافة صاحبيه، لذلك يجد لديه دائماً مادة يقولها وهو يرثي فيطول نفسه.

     ثالثها أن شوقي كان محباً للشهرة والخلود أكثر من صاحبيه، وكان يرى نفسه أمير الشعر، وشاهد العصر، فكان يجد في الإطالة مجالاً لإثبات قدراته الفنية والثقافية، فيمضي هنا وهناك يتحدث عن أشياء تتصل بعصر المرثي وبالحكمة وما إلى ذلك مما يراه شوقي أمراً سيبقى فيحقق له المجد والخلود.

2- لغة الشعر:

     أما من حيث اللغة، فيمكن أن يقال: إن لغة الشعراء الثلاثة لغة عالية، تسمو إلى أرفع درجات القوة والاقتدار، من حيث الألفاظ المختارة القوية، والتراكيب الجيدة المسبوكة، والنسج المتلاحم، نجت من عصور الضعف، واتصلت بعصور القوة، وأمدها طبع سوي، وسليقة عربية أصيلة، وثقافة لغوية واسعة. ومع أن هذا هو القدر المشترك فإن لكل من الشعراء خصوصية تحقق له لوناً من التفرد.

     فالبارودي يمتاز بلغة تغلب عليها الفخامة والجزالة والبداوة أحياناً، ومرد ذلك أنه شاعر فارس أحب الفروسية وأعلامها وتخيل نفسه واحداً منهم، وأكثر من النظر في دواوينهم وأحسن استيعاب أشعارهم واتصل بآثارهم متجاوزاً عصور الضعف اللغوي، فصحت لغته من ناحية، وغلب عليها ما غلب على لغة شعراء العربية في عصور قوتها من فخامة وجزالة ومتانة لذلك ما تكاد تمضي في قراءة شعره حتى تردك هذه القراءة إلى عالم الفحول دفعة واحدة.

     لقد أحكم البارودي سليقته بكثرة ما قرأ وحفظ من نصوص الشعر العربي العالية ولذلك ((اتسق التعبير الشعري عنده اتساقاً عجيباً بحيث لا تلقاك فيه كلمة نابية، ولا أخرى استكرهت على أن تنزل في غير موضعها بل كل كلمة تنزل في مكانها نزولاً طبيعياً وكأنما قدرت له تقديراً))[1] كما يقول أستاذنا الدكتور شوقي ضيف.

     أما الأستاذ العقاد فقد وصف البارودي بأنه كان ((شاعراً رائع اللفظ، بليغ العبارة، وكانت روعته المتانة والفخامة وبلاغة السراوة والجزالة))[2] ولو وقفنا عند قول البارودي – على سبيل المثال – في رثاء والدته لوجدنا صدق هذا الحكم على لغته:

فأيــــن الألى شــــــادوا وبادوا ألم نكن
               نحـــل كما حـــلوا ونرحــــل مثـــــلما
مضـــوا وعفـــت آثـــارهم غير ذكـرة
               تشيــد لـنــــا منـــهم حديثـــاً مرجــــما
وكيــــف يصون الدهر مهجـة عاقـــل
               وقــد أهــلك الحييـــــن عــاداً وجرهما
هو الأزلـــم الخــــداع يخفـر إن رعى
               ويغدر إن أوفى ويصـمي إذا رمى[3]

     فالألفاظ قوية جزلة، والتراكيب مسبوكة متلاحمة، والنفس البدوي ظاهر بين، والتقابل بين أجزاء الكلام في غاية القوة إحكاماً وحسن توزيع.

     وأما حافظ فلغته تجمع بين الوضوح والجزالة، والسهولة والفخامة، وتعنى كثيراً بالتكرار والمقابلة والاهتمام بأجزاء الجملة باعتباره شاعر إلقاء وجمهور بالدرجة الأولى، جعل هدفه الأكبر أن يفوز بإعجاب الجمهور حين يلقي عليه قصيدته، وهذا هو السبب الذي جعله يختار رجلاً من عامة الشعب اعتبره المستوى العام لفهم ابن البلد المصري، كان يعرض عليه ما ينظمه متخذاً منه معياراً ومقياساً [4]. وهو صاحب الجملة المهمة التي قالها في مقابلة أجرتها معه مجلة الهلال عام 1928م وهي:((أما أنا فأميت المعنى إذا لم يتفق لي لفظ رائع))[5].

     ولو أخذنا مثلاً هذه الأبيات من رثاء حافظ في مصطفى كامل:

إني أرى وفـــؤادي لـيـس يكــذبني     روحاً يحف به الإكبـــار والعظـــم
أرى جـــلالاً أرى نـوراً أرى ملكاً     أرى محيـــــاً، يحييـنــــا ويبـتســم
الله أكبر هــذا الوجــــــه أعرفـــــه     هذا فتى النيل هذا المفرد العلم[6]

     لوجدنا كل خصائص حافظ في لغته، من قوة مع وضوح، وسهولة مع فخامة، وتوزيع لأجزاء الجمل، وإحكام في التراكيب، وحشد لما ينبه الجمهور ويستأثر باهتمامه.

     أما شوقي فلغته في الذروة، مفردات وتراكيب، صقلتها معرفة واسعة بالعربية، وأذن موسيقية رهيفة تحب الألحان وتميزها، لذلك جاءت متفردة تتجاوز رتبة الصحة إلى رتبة الكمال والجمال، ففيها حسن الاتساق وتمام الاستواء وجودة السبك، وهي قوية دون غلظ أو بداوة، لينة دون إسفاف أو ابتذال، كأنها خرير الماء الصافي. وإذا كان شوقي في حكمته تلميذ المتنبي فهو في لغته تلميذ البحتري، وهو أمر لاحظه غير دارس فالأستاذ عباس حسن يصفه بأنه ((بحتري زمانه)) [7] والأستاذ أحمد محفوظ يقرر أن شوقي يتبع البحتري وأنهما اثنان لم يظفر الشعر العربي لهما بضريب في جمال الأسلوب[8]، والدكتور شوقي ضيف يرى أن شوقي أوتي من علمه بصياغة الشعر العربي ما لم يؤته شاعر منذ البحتري[9]، والدكتور طه وادي يجعل البحتري أحد أساتذة شوقي الملهمين له[10].

     يقول شوقي في رثاء المنفلوطي:

كم غــــــــارة شنـــــوا عليك دفعتها
               تصـــــل الجهود فكن خير دفــــــاع
والجهــــد مؤت في الحيـــــاة ثماره
               والجهــــد بعد الموت غير مضـــاع
فإذا مضى الجيل المراض صـدوره
               وأتى الســـليم جوانب الأضــــــلاع
فافــزع إلى الزمن الحكيــــم فعنــده
               نقــد تنــــزه عن هـــــوى ونــــزاع
فــــإذا قضى لك أبت من شم العــلا
               بثنـــية بعــــدت على الطـــــــــلاع
وأجـــل ما فــــوق التراب وتحتـــه
               قــــلم عليه جـــلالة الإجــماع[11]

     وهذه الأبيات نموذج دقيق لصياغة شوقي ولغته، الكلمات واضحة ومؤدية وجميلة، والتراكيب محكمة مسبوكة، واللغة مفهومة تماماً ولكن ليس فيها المبتذل، وهي قوية أيضاً ولكن ليس فيها الغريب المتكلف، ثم إن الوقع الموسيقي للصياغة غني ومتنوع ينبئ عن أذن الشاعر الرهيفة وحسه الدقيق.

     وعلى كل حال يبقى أن نقول: إن لغة كل واحد من هؤلاء الأعلام الثلاثة إنما هي ثمرة طبيعية لشخصيته وثقافته وموقعه من الناس، والتفاوت بينها تفاوت تنوع ثقافي ومزاجي ووظيفي.

3- موسيقى الشعر:

     يمكن القول: إن موسيقى الشعراء الثلاثة موسيقي قوية متسقة عرف فرسانها أصول العربية لغة وتراكيب وبحوراً، وانتفعوا من الموسيقى الداخلية التي تثري الألحان وتزيد من الإيقاع كما انتفعوا من اختيار البحور والقوافي.

     أما البارودي فتغلب على موسيقاه القوة والفخامة والضخامة فكأن ذلك أثر من آثار شخصيته القوية المحاربة، وثقافته التراثية الواسعة ذات الصلة القوية بالبادية العربية. لذلك وصفها الدكتور سامي بدراوي بأنها ((إيجابية إيقاعية إلى أبعد الحدود))[12]، أما الدكتور شوقي ضيف فقد قرر أن الروعة الموسيقية عند البارودي ((تأتي من استيعابه الرائع لموسيقى شعرنا التقليدية استيعاباً جعله يحكم صياغة شعره إحكاماً بحيث لا تسمع فيها عوجاً ولا انحرافاً، كما جعله يحكم أنغامه وألحانه قصرت أو استطالت بحيث لا تسمع فيها نبواً ولا شذوذاً))[13].

     يقول البارودي في رثاء زوجته:

أيــد المنــــون قـدحت أي زنـــــاد
               وأطـــرت أية شعـــــلة بفــــؤادي
أوهنت عزمي وهو حملة فيـــــلق
               وحطمت عـودي وهو رمح طراد
لم أدر هل خـــطب ألم بســــاحتي
               فأناخ أم سهم أصاب سوادي[14]

     وهذه الأبيات تقدم لنا موسيقى البارودي تقديماً كاملاً، نراه في البحر الذي أحسن اختياره، والقافية المطلقة، كما نراه في الموسيقى الداخلية بين الكلمات والتراكيب، فثمة تقابل، وثمة تماثل في كلمات وإضافات وهمزات وأفعال، وهو أمر يعدد في الموسيقى الداخلية ويثريها. ثم إن الأبيات تقدم موسيقى الشاعر قوية فخمة كما هو المتوقع والمألوف.

     أما حافظ فقد عني بموسيقاه، خاصة ما يتصل منها بالإلقاء الذي كان هدفاً أساسياً عنده يريد منه الفوز بإعجاب الجمهور، وكانت عنايته بالأساليب التي تحقق له هدفه عناية كبيرة، وكان يسمي هذه العملية التذوق، ويمدح بعض الشعراء بأنه ((ذواق)) يريد أن له ذوقاً مرهفاً في اختيار اللفظ والأسلوب، وكان ((يصنع البيت فيردده على أذنه بإنشاده اللطيف حتى يتبين موقعه من أذنه قبل أن يوقعه على آذان الناس، ويتذوق موسيقاه بنفسه قبل أن يتذوقها الناس))[15].

     لذلك كان يؤثر البحور ذات التفعيلات الكثيرة لأنها تتسع لما يريد ولأنها تعينه على الإلقاء، ولذلك كان يختار القوافي المطلقة، وحروف الروي المعينة على الترنم، فضلاً عن عنايته بالموسيقى الداخلية في إطار البيت الواحد، كان يصنع ذلك، ثم يحتشد لإلقائه أيما احتشاد فيجود ويتألق، ولذلك وصف العقاد شعره بأنه لا يقرأ وإنما يسمع[16]، ولذلك أيضاً كانت قصائده وهي تلقى من قبله أوقع في الجمهور منها وهي تتلى وحدها.

     يقول حافظ في رثاء مصطفى كامل:

أجـــل أيها الداعي إلى الخيـــــر إننـــا
               على العهــــد ما دمنـــا فنم أنت هانيــا
بنــــاؤك محفــــوظ وطيفــــك ماثــــل
               وصوتك مسموع وإن كنت نائيا [17]

     فالأبيات من حيث البحر وهو الطويل، ومن حيث القافية وهي مطلقة، ومن حيث الكلمات وهي قوية، ومن حيث تجزئة الجملة إلى أجزاء متساوية تغني الموسيقى الداخلية وتزيد في ألحانها، نموذج لموسيقى حافظ يدل عليه.

     أما شوقي فالأمر لديه يختلف حيث يتفوق على صاحبيه بموسيقاه ويتميز، فلشعره روعة موسيقية آسرة أمدته بها ثقافته الواسعة، وأذنه الرهيفة الدقيقة، وحبه للغناء والموسيقى، وإعجابه بالبحتري، بحيث يشعر الإنسان حين يسمع شعره أنه إزاء لحن موسيقي مصقول متكامل، يجري عذباً سلسلاً كماء جار متدفق، وموسيقى شوقي أحد مكونات عبقريته وأحد أسباب خلوده وإعجاب الناس به. لذلك يستحق عن جدارة تامة، أن يوصف بأنه ((بحتري زمانه))[18]. والأستاذ العقاد يشيد بما في شعر شوقي من سلاسة اللفظ وعذوبة السياق ورقة النغمة الموسيقية[19]، أما الدكتور شوقي ضيف فإنه يجعل الموسيقى آية شوقي الكبرى في صناعته، ويربط بينه وبين البحتري أكثر من مرة[20]، بل إنه يجعل هذه الموسيقى هي التي حفظت لشوقي خلوده وحمته من السقوط في غبار النسيان[21]، وأما الدكتور طه وادي فإنه يصف الجملة الشعرية عند شوقي بأن فيها من الجرس الموسيقي ما يدل على عبقرية وقدرة خلاقة ولذلك كان شعره من أصلح النماذج للغناء والتلحين[22].

     يقول شوقي في رثاء أمه:

نزلـــت ربـــا الدنيــــا وجنـــــات عدنهــــا
               فمـــا وجـــدت نفسي لأنهـــــارها طعــــما
أريــح أريـــج المســــك في عرصــــــاتها
               وإن لــــم أرح مروان فـيـــــهـا ولا لـخـما
إذا ضحــــــــكت زهــواً إلي سمـــــــاؤها
               بكيت الندى في الأرض والبأس والحــزما
أطيـــف بـرســـــــم أو ألــــــم بدمنــــــــة
               أخــــال القصور الزهر والغرف الشــــما
فــــما برحت من خاطري مصر ســــاعة
               ولا أنت في ذي الدار زايـــلـت لي وهـمـا
إذا جنـــني الليــــل اهتــــزرت إليــــــكما
               فجنحاً إلى سعدى وجنحاً إلى سلمى[23]

     والأبيات قطعة جميلة في صورها وعاطفتها، وجميلة أيضاً بكل عناصرها الموسيقية من حيث البحر والكلمات والقافية والموسيقى الداخلية، تدل على شوقي تمام الدلالة.

     والحقيقة أن الموسيقى عند الشاعر المقتدر تتجاوز قواعد العروض والقافية، لتصبح ملكة عميقة خفية، وإحساساً رهيفاً، يضيف إلى تلك القواعد خصوصية الشاعر ومهارته وتفوقه. يقول الدكتور شوقي ضيف:(( على أن موسيقى الشعر لم يضبط منها إلا ظاهرها وهو ما تضبطه قواعد علمي العروض والقوافي، ووراء هذه الموسيقى الظاهرة موسيقى خفية تنبع من اختيار الشاعر لكلماته وما بينها من تلاؤم في الحروف والحركات، وكأن للشاعر أذناً داخلية وراء أذنه الظاهرة تسمع كل شكلة وكل حرف وكل حركة بوضوح تام. وبهذه الموسيقى الخفية يتفاضل الشعراء ولعل شاعراً عربياً لم يستوف منها ما استوفاه البحتري ولذلك كان القدماء يقولون إن بشعره صنعة خفية. فشعره أصوات جميلة وغناء مطرب، وقلما وجدنا عنده تجديداً في المعاني، ولكن دائماً نجد عنده الأصوات المعجبة والألفاظ الجميلة، فهو بلبل الشعر العربي))[24].

     وهذه القدرة المتفردة لدى البحتري، نلقاها لدى شوقي الذي جعله أستاذه الأكبر في اللغة والموسيقى، فهو بحتري العصر، ولذلك كانت لموسيقاه قيمة متفردة وخصوصية وامتياز.

4- الصورة الشعرية:

     تفاوت حظ الشعراء الثلاثة من الصورة الشعرية تفاوتاً كبيراً، وقد كان حافظ أقلهم في هذا المجال، وكان شوقي أعظمهم وكان البارودي بينهما.

     قصر حافظ في صوره، فيندر أن نجد له خيالاً محلقاً آسراً، ومرد ذلك إلى قلة ثقافته الغربية، ومعيشته العادية، وقلة أسفاره، وخطابيته التي كان يحتشد لها، فكان تفوقه فيها على حساب التفوق الفني. وثمة ملحظ آخر على صور حافظ هو أنها سهلة قريبة مفهومة كشخصيته السهلة القريبة الواضحة. وربما انحدرت إلى درك التقريرية والنثرية كالذي نجده في رثائه لملك حفني ناصف مثلاً[25].

     لكنه يوفق في أحيان قليلة ليقدم لنا صوراً جيدة، نجد بعضها حية مكثفة كأنها برق سريع، كهذه الصورة الفنية التي قدمها لنا في رثاء الإمام محمد عبده:

وقفت عليه حاســـر الرأس خاشعاً
               كأني حيال القبر في عرفات[26]

     ويشبه ذلك قوله في رثاء سعد زغلول:

خرجــت أمة تشيــــع نعـشـــــاً
               قد حوى أمة وبحراً عبابا[27]

     وقوله في عبدالخالق ثروت:

متبســـــم وعلى معــــارف وجهه
               آيات ما يلقى من الأوصاب[28]

     ويوفق أحياناً في تقديم صورة كلية تتعدد عناصرها حتى تصير لوحة كاملة أو مشهداً مترابط الأجزاء، كالمشهد الذي قدم لنا فيه الأب المفجوع بابنه في رثائه لعبد الحميد رمزي الذي يقول فيه:

أوحيـــــن ابـتـــــــز دهــري قــــــــوتي
               وذوى عودي ووافـــــاني مشيــــــــــبي
واكـتـسى غصنـــــك من أوراقـــــــــــه
               تحـــت شمس العز والجاه الخصيـــــب
ورجونـــــا فيــــك مـــــا لـم يرجـــــــه
               منجــــب الأشبـــــال في الشبل النجيـب
ينتويـــك الموت في شــــرخ الصبــــــا
               والشباب الغض في البرد القشيب[29]

     فالمشهد لوحة كاملة العناصر مترابطة الأجزاء، تتآلف جزئياتها وتتسق، وهو لا يفهم إلا من خلال الأبيات الأربعة التي تشكل مقطعاً مستقلاً.

     على أن توفيق حافظ في صوره قليل في الجملة، لذلك لا يمكن أن يعد من شعراء التصوير المتفوقين.

     أما البارودي فحظه في الصورة أفضل من حظ حافظ، وملكته أقوى، بحيث يمكن أن يعد شاعر تصوير مقتدراً، أعانه على ذلك: قوة خياله وسعة محفوظاته وتوقد حسه وكثرة تجاربه ورحلاته واطلاعه على اللغتين الفارسية والتركية، هذا فضلاً عن ظروف عيشه المواتية.

     والأمثلة على قوة الملكة التصويرية لدى البارودي كثيرة من حيث العدد، متعددة من حيث النوع. فمثلاً يبرع في تصوير الحركة النفسية:

لم تدع صولـــة الحوادث مني     غيــر أشــلاء همة في ثيـــاب
فجعتــــني بوالـــــــدي وأهلي     ثم أنحت تكر في أترابي[30]

     ويبرع في تقديم صورة حية مكثفة في بيت واحد كقوله، وهو يصف نفسه بين حبيب مفقود لا يقدر على رده، وبين حسرة غالبة لا تنفك عنه:

لا لوعتي تـدع الفــــــــؤاد ولا يدي     تقوى على رد الحبيب الغادي[31]

     ويوفق في تقديم صورة حسية لما أصابه من ضعف في جسده بسبب الغربة والنفي والسن والمرض تتحول إلى مشهد دقيق:

أخــــلـق الـشـــيب جــدتي وكســــاني
               خـلعــــة منـــــه رثـــة الجـلـبـــــــاب
ولـــــوى شعـــــر حـــاجبي على عيـ
               ـــني حــتى أطــــــــل كــالهـــــــداب
لا أرى الشيء حيــــــــن يسـنــــح إلا
               كخيـــــال كـــــأنني في ضبـــــــــاب
وإذا ما دعيــــت حــــرت كــــــــأني
               أسمع الصوت من وراء حجاب[32]

     فالأبيات صورة كلية له نرى فيها شيبه، وشعر حاجبه المتهدل، وبصره الذي ضعف، وسمعه الذي وهن.

     أما شوقي فهو السباق في هذا الأمر، إذ إنه شاعر مصور مقتدر جداً، الصورة أداة أساسية لديه يكثر من استعمالها ويعدد في موادها، وينوع في جزئياتها، واللوحة عنده هي اجتماع عدد من الصور اجتماعاً يتكامل نسباً وأبعاداً، تلتقي كل جزئية فيها بأختها فنجد أنفسنا أمام مشهد آسر. ومرد تفوق شوقي في صوره، قوة خياله، وسعة محفوظاته، وثقافته الغربية، ورحلاته الدائمة، وظروفه المواتية التي أتاحت له التفرغ لإتقان صنعته والتفوق فيها.

     وقد جعل الدكتور شوقي ضيف الخيال المتألق من الأسس المكونة للصناعة عند شوقي لأنه كان شاعراً واسع الخيال غني التصوير[33]، والأستاذ أحمد محفوظ يجعله تالياً لأفحل شاعر وصاف عرفه الشعر العربي وهو ابن الرومي[34]، والصور التي تدل على قدرة شوقي التصويرية كثيرة في مراثيه لا يكاد المرء يخطئها فيها. يقول مثلاً في رثاء محمد تيمور:

نزلـــوا على ذئــب البـلى     فتضيفوا شر الذئاب[35]

     الصورة جاءت في بيت واحد لكنه رائع مؤد، تزيده غرابة ووضوحاً المفارقة الساخرة بين الضيف والمضيف في وضع مقلوب.

     ويقول في جهد اللورد كارنافون الذي أدى إلى الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون، بعد صبر وعناء ومكابدة:

أفضى إلى ختـــم الزمـــان ففضه     وحبــا إلى التــــاريخ في محرابه
وطوى القرون القهقرى حتى أتى     فرعون بين طعامه وشرابه[36]

     وأروع ما في الصورة الزمان الذي عاد إلى الوراء، وخاتمه الذي يفض عن عجائب الفرعون المكتشف لنجد أنفسنا بين طعامه وشرابه.

     ويقول في تبيان سطوة الموت هذا البيت البديع في قصيدته في كتشنر، وهو بيت غني حافل بالإثارة يفتح آفاقاً واسعة لخيال المتلقي:

رب ثــــاو في الظـبى ممتـنــــــع     سله المقدار من جفن الحذر[37]

     ويقدم لنا في رثائه إسماعيل صبري هذه الصورة العجيبة للشمس، وهي صورة نادرة لانكاد نعرفها عند شاعر آخر:

نسجت ثــلاث عمـــائم واستحدثت     أكفان موتى من ثياب زفاف[38]

     فالشمس في هذا البيت نساجة محترفة تقدم للإنسان ثلاث عمائم، كل واحدة منها تناسب لون شعره، وهي ساخرة أيضاً تصنع من ثياب الأعراس أكفاناً للأموات.

     ويبرع شوقي في تقديم لوحات ومشاهد متكاملة، تتجمع فيها العناصر الجزئية إلى بعضها لتكون صورة كلية، من ذلك القطعة التي جاءت في رثائه لمصطفى كامل في قصيدته النونية، وهي قطعة تبدأ بقوله:

ولقد نظرتك والردى بك محـدق     والداء ملء معالم الجثمان[39]

     وهي قطعة جميلة حية يصور فيها الشاعر صديقه قبيل الموت حيث أزف الرحيل وقنط الطبيب. والزعيم يسابق الموت في إنهاء مشاغله الجليلة، ويبتسم للزوار المغالبين لدموعهم حتى كأنهم المرضى وكأنه الآتي لزيارتهم، وتلك هي ميتة الأسود والشجعان. والحديث عن براعة شوقي في التصوير حديث متنوع غزير المادة، وهو يتفوق فيه على صاحبيه كثيراً.

------------------
[1] البارودي رائد الشعر الحديث، ص 129.
[2] مهرجان أحمد شوقي، ص 5.
[3] الديوان 3/394.
[4] مقدمة الديوان، ص 34.
[5] مجلة فصول، المجلد الثالث، ص 281.
[6] الديوان، ص 474.
[7] المتنبي وشوقي، ص 91.
[8] حياة شوقي، ص 100.
[9] شوقي شاعر العصر الحديث، ص 81.
[10] شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص 44.
[11] الديوان 2/483.
[12] أوراق البارودي، ص 35.
[13] البارودي رائد الشعر الحديث، ص 207.
[14] الديوان 1/237.
[15] أحمد أمين: مقدمة الديوان، ص 90.
[16] مقدمة الديوان، ص 48.
[17] الديوان، ص 463.
[18] عباس حسن: المتنبي وشوقي، ص 91.
[19] مهرجان أحمد شوقي، ص 5.
[20] شوقي شاعر العصر الحديث، ص 44 – 45.
[21] المرجع السابق، ص 46.
[22] شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص 20.
[23] الديوان 2/532.
[24] في النقد الأدبي، دار المعارف، القاهرة، ط7، 1988م، ص 97.
[25] الديوان، ص 507.
[26] الديوان، ص 458.
[27] الديوان، ص 532.
[28] الديوان، ص 544.
[29] الديوان، ص 514.
[30] الديوان 1/104.
[31] الديوان 1/237.
[32] الديوان 1/104.
[33] شوقي شاعر العصر الحديث، ص 46.
[34] حياة شوقي، ص 107.
[35] الديوان 2/369.
[36] الديوان 2/377.
[37] الديوان 2/441.
[38] الديوان 2/486.
[39] الديوان 2/574.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة