الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - المقدمة

مقدمة

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين .. وبعد:

     تعد مدرسة الإحياء في الشعر العربي الحديث من أهم مدارس الشعر العربي، فقد استمرت حوالي قرن من الزمان أو أكثر قليلاً، حيث ظهرت مع بداية القرن التاسع عشر (1805م) واستمرت حتى الحرب العالمية الأولى (1914م) تقريباً.

     وقد دخل تحت لواء هذه المدرسة شعراء كثيرون مثل إسماعيل الخشاب، والشيخ حسن العطار، ورفاعة الطهطاوي، وصالح مجدي، وصفوت الساعاتي، ومحمد عثمان جلال، وعبدالله فكري، وعلي الليثي، وعلي الغاياتي، وعبدالله نديم، وإسماعيل صبري، وولي الدين يكن، وعائشة التيمورية، وحفني ناصف، وملك حفني ناصف، ومحمد عبدالمطلب، ومحمود سامي البارودي، وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي، وأحمد محرم.

     ولكن معظم الدارسين الذين أرخوا للشعر الحديث أمثال عباس محمود العقاد، والدكتور طه حسين، والدكتور شوقي ضيف، والدكتور طه وادي، والدكتور أحمد هيكل، والأستاذ عمر الدسوقي، يرون أن أعلام هذه المدرسة هم البارودي وحافظ وشوقي، بحيث يمكن القول: إن هؤلاء الثلاثة الكبار، أهم شعراء الإحياء، وقد نقلوا الشعر نقلة كبيرة مؤثرة لا على مستوى الشعر في مصر، بل على مستوى الشعر العربي كله.

     أما محمود سامي البارودي (1839 – 1904م) فإنه يعد الرائد الحقيقي لحركة البعث والإحياء في الشعر العربي الحديث، فقد تكاملت لديه مجموعة من الصفات جعلته بحق رائداً ومجدداً ونقطة تحول إيجابي في الشعر العربي، كان لديه الطبع المرهف، والذاكرة اللاقطة، وظروف الحياة المواتية، والطموح الكبير في السياسة وفي الأدب، والاتصال بروائع الأدب العربي بطريقة تجاوز فيها عصور الضعف، فضلاً عن الموهبة القادرة، والاعتزاز بالنفس الذي يأبى لها شخصية النديم أو التابع، التقى ذلك كله ليجعله يتفرد تفرد المتفوق الذي يرفع راية يتوالى التفاف الشعراء حولها، فيصبح بالتالي شاعراً متميزاً له فضله على عصره، وله ريادته المعترف بها في إنقاذ الشعر العربي من التكلف والتخلف والصناعة العقيمة، والعودة به إلى صدق الفطرة، ونقاء العبارة، وسلامة الأسلوب، فضلاً عن الارتفاع بمضامينه والتجديد فيها.

     وأما حافظ إبراهيم (1872 – 1932م) فيعد من أهم أعلام مدرسة الإحياء، ومن أهم تلاميذ البارودي، كانت له ملكة قوية، وذاكرة جيدة، ونفس قوية الانفعال، وقد أعانته كثرة محفوظاته ورهافة طبعه على أن يكون شاعراً مقتدراً، مضى إلى الأمام يضيف حلقة أخرى من التجديد في إطار مدرسة الإحياء، وكان ظريفاً، محبوباً، طيباً، حلو المعشر، نقي السريرة، مجبولاً على الطيبة والوفاء، وكان شعره كشخصيته، وضوحاً وسهولة وقرباً من النفس وتأثيراً فيها، ولعله كان مؤهلاً – بجملة ظروفه ومكوناته – ليتفوق في شعر الرثاء خاصة كما يتبين لقارئ ديوانه.

     وأما أحمد شوقي (1870 – 1932م) فهو أهم أعلام مدرسة الإحياء وأكثرهم شهرة، وقد دار في حياته وبعد موته جدل طويل حول قيمة شعره، ومدح كثيراً وبولغ في مدحه، وذم كثيراً وبولغ في ذمه، لكنه يبقى بعد سقوط هذه المبالغات شاعراً ضخماً، قوي الشاعرية، غزير الإنتاج، بل هو شاعر العصر وشاهده ومؤرخه، وهو المجدد بقوة لمسيرة الشعر، وكأنما كان بجملة ظروفه المواتية، ومواهبه القادرة، والتفرغ لصناعته، وحبه لشعره، وإعجابه به، مؤهلاً ليكون أمير شعراء عصره، احتل عن جدارة مكانة عالية لم يستطع أحد أن يزحزحه عنها أو ينافسه فيها.

     ومع أهمية هؤلاء الشعراء الثلاثة الكبار، ومع وفرة شعر الرثاء وخصوبته في دواوينهم بحيث يمكن أن تشكل ديواناً كاملاً يحوي مئتي قصيدة تقريباً، إلا أن هذا الباب من أبواب الشعر عندهم لم يلق عناية كبيرة من الدارسين تليق بأهميته وكثرته.

     فالأستاذ عباس محمود العقاد وهو من أشهر نقاد تلك المرحلة نجد لديه في كتابه ((الديوان في الأدب والنقد)) (1921م) وقفات تغلب عليها القسوة والحيف في نقده لبعض مراثي شوقي مثل نونيته في مصطفى كامل وداليته في محمد فريد، ولما صار أكثر اعتدالاً في نقده لشوقي في كتابه (( شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي)) (1937م) لم يستوف الحديث في الرثاء عنده، واكتفى ببعض الأحكام العامة على طريقته المركزة الموجزة، والدكتور طه حسين في كتابه ((حافظ وشوقي)) (1933م) لم يول الأمر عناية كبيرة، وبالمناسبة يمكن أن يعد عنوان الكتاب عنواناً خادعاً، فكثير من مواده ليست عن الشاعرين المشهورين، ثم إن النظر فيما كتب عنهما يدل على أن الدكتور طه حسين كتبه على عجل في مقالات صحفية ثم جمعه في كتاب، وما يخص الرثاء هو صفحات قليلة كتبها عن حافظ فيها لمحات جيدة وأحكام عامة.

     وكتاب الدكتور شوقي ضيف ((شوقي شاعر العصر الحديث)) (1953م)، كتاب منهجي جاد أحاط بشوقي وشعره ومكانته إحاطة جيدة، لكن نصيب الرثاء فيه قليل جداً، وإنما هو لمحات عابرة سريعة ترد في ثنايا الدراسة، ومثل ذلك يقال تماماً عن كتابه الجيد ((البارودي رائد الشعر الحديث)) (1964م).

     أما كتاب الدكتور طه وادي (( شعر شوقي الغنائي والمسرحي )) (1981م) فهو كتاب متعدد المحاور وهو ما يفيد كثيراً من يدرس شوقي فقد جمع بين الدراسة والوثائق المهمة والاختيارات المتنوعة لبعض ما كتب عنه، وأهمها فيما يتصل بهذه الدراسة مقال قيم للأستاذ يحيى حقي عن مراثي شوقي.

     وقد حظي حافظ بفصل جيد عن مراثيه، في الكتاب الذي ألفه عنه الدكتور عبدالحميد سند الجندي ((حافظ إبراهيم شاعر النيل)) (1959م) وهو فصل يقع في قرابة عشرين صفحة، لكنه يبقى فصلاً في كتاب لا يكفي لاستقصاء مراثي حافظ ودراستها.

     وكتاب الأستاذ عمر الدسوقي ((في الأدب الحديث)) (1951م) فإنه مع شموله وسعته لم يعن بالرثاء لدى الشعراء الثلاثة عناية ذات بال، وما جاء فيه عنه كان عابراً وسريعاً.

     وكذلك الأمر في كتب الأستاذ عباس حسن ((المتنبي وشوقي)) (1964م)، و ((الدين والأخلاق في شعر شوقي)) (1948م) للأستاذ علي النجدي ناصف، و((وطنية شوقي)) للدكتور أحمد محمد الحوفي (1960م) و((محمود سامي البارودي)) للدكتور علي الحديدي (1967م).

     ومعنى ذلك أننا أمام كتابات كثيرة بعضها لعدد من كبار النقاد والدارسين لكننا لا نجد فيها دراسة شاملة لشعر الرثاء لدى الشعراء الثلاثة مع كثرته وأهميته.

     ومما هو جدير بالذكر أن مجموع المراثي وما يلحق بها، وهو ما فصلته هذه الدراسة يبلغ قرابة مئتي مرثية وهو قدر كبير من المراثي، يجدر أن يحظى بدراسة مستقلة، وهذا ما حملني على أن أحاول النهوض به في هذه الدراسة العلمية التي أرجو أن أكون فيها قد استقصيت مراثي الشعراء الثلاثة وقدمت صورة واضحة شاملة عنها.

     حين بدأت العمل في البحث، رأيت أن أبدأ بالنصوص الشعرية، فحاولت جهد الطاقة أن أجعل النصوص هي المكوّن الأساسي لوجهة نظري، فقرأتها في دواوين الشعراء عدة مرات، وأخذت أسجل ما يبدو لي من ظواهر مختلفة، ثم طفقت أحاول ترتيب هذه الظواهر وتصنيفها، ولذلك يمكن القول: إن هذه الدراسة اعتمدت أولاً على ما قاله الشعراء وحاولت أن تستنطق نصوصهم، وثانياً على ما قاله الدارسون وحاولت أن تناقش آراءهم. ولذا فهي دراسة (( نصية)) بالدرجة الأولى، وأرجو أن يكون ذلك ميزة لها.

     وبسبب ذلك كثر إيراد النصوص فيها، بل إن بعض النصوص كان يرد عدة مرات، وعذري في ذلك أني كنت أتناوله من زاوية جديدة، تختلف عما سبق وعما لحق. فمرة أتناول هذا النص أو ذلك من زاوية اللغة، ومرة من زاوية الموسيقى، ومرة من زاوية العاطفة، وهكذا.

     وبعد التعمق في قراءة النصوص بدا لي أن الأمر واسع، وبدا لي أيضاً أن المقارنة سوف تتركز في حافظ وشوقي، ويقل فيها نصيب البارودي، أولاً لقلة مراثيه، وثانياً لوفاته قبل صاحبيه بنحو ثلث قرن من الزمان.

     أما قلة مراثيه فهي أمر يستوقف النظر، إذ إن مجموع مراثيه هي في حدود ثلاث مئة بيت من الشعر، وأما وفاته قبل صاحبيه فقد ضيقت مجال المقارنة لاختلاف الظروف.

     بعد التأمل في دراسة النصوص، والنظر في الدراسات السابقة، بدا لي أن المنهج الأفضل هو أن يقع البحث في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة.

     أما المقدمة فهي توضح أهمية الموضوع والدراسات السابقة عنه.
     وأما الفصل الأول فهو عن الرثاء في شعر شوقي.
     وأما الفصل الثاني فهو عن الرثاء في شعر حافظ.
     وأما الفصل الثالث فهو عن الرثاء في شعر البارودي.
     وأما الفصل الرابع فهو موازنة بين الشعراء الثلاثة.
     وأما الخاتمة فهي تلخيص لنتائج البحث.

     ولابد من الإشارة إلى أن السياق التاريخي كان يستدعي أن نبدأ بالبارودي فحافظ فشوقي حسب تسلسل وفياتهم، ولكن التفاوت الكبير بين كمية الرثاء لدى الشعراء الثلاثة أملى هذا الترتيب، ذلك أن مراثي شوقي كثيرة جداً، ومراثي حافظ وسط بين صاحبيه، أما مراثي البارودي فهي قليلة جداً.

     وبعد .. فإني آمل أن تكون هذه الدراسة لمراثي الشعراء الثلاثة دراسة شاملة وموضوعية، عنيت بهذا الجانب من شعرهم، وهو جانب يكون الشاعر فيه أصدق ما يكون، أو هكذا ينبغي أن يكون.

* * *

     ثم إن هذه الدراسة هي بحث تقدمت به إلى قسم اللغة العربية في كلية الآداب، في جامعة القاهرة، للحصول على درجة الماجستير، وقد تمت المناقشة يوم الخميس 20/12/1410هـ - 12/7/1990م، وأكرمتني اللجنة المناقشة بمنحي درجة الماجستير بتقدير ((امتياز)).

     هذا وإن من واجبي أن أتوجه بالشكر الجزيل لسعادة الأستاذ الدكتور طه وادي، المشرف على هذا البحث، والمتابع له منذ كان فكرة حتى تحول إلى رسالة كاملة، فقد أعطاني الكثير من وقته وجهده، وصبر صبراً جميلاً مشكوراً في ذلك، في محبة حقيقية للعلم، ومودة حانية كريمة، وخلق حسن نبيل.

     وكما شكرت الأستاذ الدكتور طه وادي على فضله، أجد من واجبي أن أشكر الأستاذين العالمين الجليلين اللذين تفضلا بالموافقة على مناقشة هذه الرسالة وإجازتها، الأستاذ الدكتور شوقي ضيف شيخ مؤرخي الأدب العربي وعميد دارسيه، وأبرز حماة الفصحى وحراس الأصالة، والأستاذ الدكتور أحمد هيكل العالم الوزير الأديب الشاعر، الذي نهل الكثيرون من علمه وأدبه، وشهدوا له بالفضل والخلق الرفيع. لقد أثنيا علي بما أرجو أن أستحق، ونبهاني إلى جملة أمور، نظرت فيها واستفدت من توجيهاتهما السديدة فيها.

* * *

     وأخيراً : فقد صرفتني الصوارف عن طباعة هذه الرسالة عشرين عاماً، لكنني حين عدت إليها الآن فقرأتها وجدت نفسي مقتنعاً بها تماماً، فأبقيتها كما هي، باستثناء ما انتفعت به من توجيهات اللجنة المناقشة، وتصويبات هنا وهناك، وإضافات قليلة، لا تغير في جوهرها شيئاً.

     والحمد لله عز وجل على كريم فضله وإحسانه، ومنه العون والتوفيق والسداد.

حيدرالغدير - الرياض
1431هـ - 2010م

* * *

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة