الجمعة، 8 سبتمبر 2023

النصر والهزيمة بين الاعتزاز والانبهار

النصر والهزيمة بين الاعتزاز والانبهار

     الانبهار بالأعداء جرثومة تُفقِد الأمة مناعتها الذاتية، وقدرتها على النمو المستقل، تماماً كما يفقد الجسم مناعته وصحته حين تتسلل الجراثيم إلى داخله، وتتركه أسير الداء، ضعيفاً مهزولاً. والمقويات الخارجية التي تدعم أمة من الأمم تدل على أنها في حالة عجز يقارب الانهيار، تماماً كما تدل حاجة الجسم إلى المنشّطات والمقوّيات والتغذية الطبية الدائمة، أنه في حالة عجز يقارب الانهيار. والذين لا يملكون في ذواتهم إرادة الحياة المستعلية المتفوقة، لن يتمكنوا أن يظلوا دوماً على قيد الحياة من خلال الاعتماد على شتى الحقن الدائمة المستوردة من الآخرين، بحيث يعني انقطاعها عنهم، إصابتهم بالشلل والانهيار والدمار. وإذن فالمُعوّل على القوة الذاتية والإرادة المستقلة والتفوق النفسي.

     وعندما استقبل العرب المسلمون في عهد الفتوحات الأولى؛ أعداءهم من الفرس والروم، وهم أسبق منهم في العلم والصناعة والإدارة والثروة وما إلى ذلك من المادّيات لم يعاملوا أعداءهم هؤلاء على أساس الإعجاب بهم، والانبهار بالذي يملكون، لأن الذي يبدأ بالإعجاب والانبهار ينتهي بالاستسلام والهزيمة وعقد النقص المختلفة.

     بدأ المسلمون يتعاملون مع أعدائهم من خلال اعتزازهم بذاتهم، وشعورهم بنفاسة المهمة التي يحملون، وضخامة الدور الذي يؤدون، وإحساسهم أنهم رسل دين جديد ابتعثهم به الله عز وجل، لإخراج أعدائهم السابقين لهم في الماديات من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، ومن عفن الحضارة الفاسدة إلى فجر الحضارة الجديدة المباركة.

    وقد احتقر رَبْعي بن عامر، وغيره من المسلمين الذين فاوضوا رستم في عرينه، مظاهر الترف المادي الذي غرق فيه القائد الفارسي المشهور، ولم يشعر أي مسلم بالإعجاب بالعدو نظراً لسبقه المادي، ولم يشعر أي مسلم بالخجل والنقص نظراً لتخلفه المادي والصناعي، لذلك انتصر المسلمون انتصاراً عزيزاً مؤزراً، لأن إرادتهم كانت متحررة، ونفوسهم كانت متفوقة، وشادوا على أنقاض الهالكين الخاسرين الذين كانوا سادة الأرض، حضارة حقيقية متفوقة، تعلي كرامة الإنسان إذ تطهره وتزكيه وتباركه بالإيمان. فلنبدأ اليوم بالاعتزاز بأنفسنا، واحترام تراثنا، والحرص على ذاتيتنا وأصالتنا، ولنوقن أننا متفوقون حضارياً في ظل مبادئنا الإسلامية، وأن تخلّفنا في الماديات تخلف موقوت، وعارض بوسعنا تجاوزه بالكفاح الدؤوب، وأول ما يعيننا على تجاوز هذا التخلف، إحساسنا بنفاسة دورنا في الحياة، وعظمة العقيدة التي ننتسب إليها، وتفوقنا الروحي الذي يمنحنا ثقة لا حد لها، وإرادة حية غلّابة. الأمم كلها حلت بها كوارث وهزائم، ومرّت بها عهود من الضعف، لكن الأمم الأصيلة ظلت قادرة على الدوام، على تحويل الهزيمة إلى نصر، والتخلف إلى تقدم. وأمتنا هي كذلك. لقد سقطنا عبر تاريخنا الإسلامي أكثر من مرة، ثم قمنا، وكان بإمكاننا دائماً أن ننهض، لأننا كنا نؤمن أنها كَبْوة فحسب، وأننا في جوهرنا المتفوّقون، ودربنا هو الصحيح وعقيدتنا هي السليمة. هكذا علّمنا ديننا، وتلكم من عبر تاريخنا.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة