الأربعاء، 28 ديسمبر 2022

حسين رؤوف.. والدعوة بالقدوة الحسنة

حسين رؤوف.. والدعوة بالقدوة الحسنة

     لقد كانت القدوة الحسنة وستظل أعظم وسائل الدعاة في دعوة الناس إلى الحق وهدايته إليهم، وإذا كانت حقيقةً مقررة أن تقول: إنها من أعظم أسباب انتشار الإسلام في فترة الفتوح وما بعد الفتوح، فإنها حقيقةٌ مقررة كذلك أن تقول: إنها اليوم أيضاً من أعظم أسباب انتشار الإسلام، وإن شئت مزيداً من اليقين فادْرُسْ سِيَر المهتدين في عصرنا هذا.

     حسين رؤوف يصلح شاهداً على هذه الحقيقة، لقد كان هذا الرجل، وهذا هو اسمه بعد أن ترك المسيحية واهتدى للإسلام، مصلحاً اجتماعياً ومِن خيرة شباب الإنكليز المثقف. ولد الرجل لأبوين أحدهما يهودي والآخر كاثوليكي، ثم تربّى في مدرسة إنكليزية لم تترك في نفسه اهتماماً بالمسيحية، فاتجه إلى دراسة اليهودية فأنكر عليها أنانيتها المتعالية وازدراءها لأناس يشاركون اليهودية إنسانيتهم البشرية، ووجدها في النهاية طقوساً تشابه المسيحية في السطحية دون تأثير حي فعال في الروح الإنسانية. ثم عاشر المسلمين في لندن فشاهد من سلوكهم الذاتي ما طمأنه بداهةً إلى سمو دينهم المثالي الواقعي معاً، وقد تحدث عن ذلك فقال:

     وقد دُعِيتُ ذات يوم لمشاهدة الصلاة (يقصد صلاة المسلمين)، والمشاركة في تناول طعام الغداء الذي قُدِّمَ عقب صلاة العيد، وكان ذلك في عام 1945م؛ مما أتاح لي الفرصة لتأمل مجموعة دولية من المسلمين عن كثَب.

     لم تكن تلك المجموعة من العرب ولا من أي قومية أخرى، وإنما كانت تمثل مختلف أجناس الدنيا وطبقاتها الاجتماعية، وكان فيها شتى ألوان البشر، فقد التقيتُ ضمن هذه المجموعة بأمير تركي كما لقيت أناساً يمكن اعتبارهم في الحياة العملية من طبقة الشحاذين.

     وجلس هؤلاء وأولئك جميعاً يتناولون طعام الغداء بمناسبة العيد، بعضهم مع بعض، ولم تَبْدُ من الأغنياء أي بادرة تَنُمُّ عن التواضع المفتعل، كما لم تشمّ أي رائحة من النفاق المغرور بالنسبة للشعور بالمساواة التي كانت تنبعث من الرجال البيض وهم يتحدثون مع جيرانهم السود، ولم تَجْرِ أي محاولة للانسحاب أو الانعزال عن بقية البشر كما في اليهودية، كما لم أشاهد أي تعاظم مضحك من قِبل أي أحد منهم يتصنّع الفضيلة ويخفي الأثَرة. وهذا جو لم أعثر على مثله في مكان آخر، وحسبي أن أقول: إنني دخلت هذا الدين (يقصد الإسلام) بعد تفكير وتأمل، وبعد دراسة جميع الأديان الهامة في العالم.

     وفي مكان آخر يتحدث حسين رؤوف عن معاني المودة والكرم وحسن الضيافة التي وجدها لدى المسلمين فيقول: لقد سافرتُ إلى أقطار كثيرة في أنحاء العالم، وأُتِيحت لي فرصة كافية لملاحظة طريقة استقبال الأجانب في كل مكان، فلم أجد أحداً من أتباع الديانات الأخرى كالمسلمين في كرم ضيافتهم، وعطفهم على الغرباء المُبَرّأ من كل مصلحة.

     إن حسين رؤوف صاحب ذهن ذكي لمّاح، وهذا ما هداه إلى الأغوار العميقة بعد أن تجاوز السطح الخارجي وهو يغوص على الجواهر فيمن يتعرف إليهم من المسلمين. ولا غرابة إذن أن تجده يفرق بين التواضع الفطري السليم، وبين التواضع المُفتعل المُتَكلَّف، ويفطن إلى النفاق المغرور عند من يصطنع المساواة، والإخلاص النقي عند من يؤمن بالمساواة، ويلتزمها التزاماً جادّاً لا يعرف الغش والكذب والتمثيل.
***

     ومن خير الشهادات –في الصدد الذي نحن فيه– شهادة البارون عبد الله أرشيبالد هاملتون، وهو مسلم إنكليزي بارز حمل لقب بارون من الدرجة الثانية، وشغل منصب قائد في سلاح الدفاع الملكي البريطاني. يقول الرجل:

     كان اعتناقي للدين الإسلامي تلبية خالصة لما يمليه ضميري، ومنذ ذلك الحين وأنا أحس أني رجل أفضل، وأصبحتُ إنساناً حقيقياً. ليس هناك أي دين من الأديان تعرض لمثل ما تعرض له الإسلام من إساءة، ولكن.. يا ليت قومي يعلمون!.. أن الإسلام يمنح القوة للضعيف والغِنى للفقير.

     ويتحدث الرجل عن السلوك الإسلامي حديث المشاهد المتأمل، فيقول:

     لا أحسب أني بحاجة كبيرة إلى الحديث كثيراً عن مبدأ الأخوة العالمية بين البشر في الإسلام، فهذه حقيقة مُسلَّمٌ بها، إذ إن الأمير والحقير، والغني والفقير كلهم سواسية، وإني ألمس دائماً هذه الروح الكريمة بين إخواني المسلمين، كما أثق بحديثهم، فقد لقيت منهم كل معاملة عادلة كرجل عادي، وأخ لهم، كما تكرّموا عليّ أعظم الكرم، واستضافوني أحسن الضيافة، فأنا أشعر دائماً أني واحد منهم.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة