الأحد، 7 أغسطس 2022

قصيدة محمد إقبال إلى الأمة العربية

الفصل الأول: محمد إقبال وقفات مع مكانته وأدبه وأندلسياته

قصيدة محمد إقبال إلى الأمة العربية

     خصص الدكتور محمد إقبال، المفكر الشاعر الفيلسوف؛ قصيدةً تُعَدُّ من درر شعره، ومن أبدع ما جادت به قريحته الوقادة للحديث مع أمة العرب، تسجيلاً لفضلها وسبقها، ودورها الكبير في نشر الرسالة الإسلامية، والأخذ بيد الإنسانية الضائعة، صَوْبَ الحق والنور والهداية، وبدئها تاريخَ عهدٍ حر جديد، وفجر مضيء سعيد، وإهابة بها أن تعيَ حقيقةَ مهمتها، وخطورةَ دورها، واستنهاضاً لعزيمتها، أن تقوى وتنطلق، وتمارس مستلزمات واجبها الذي عَظُمت به وشَرُفت، وكانت خيرَ أمةٍ أخرجت للناس.

     ينطلق نَفَسُ الشاعر على سجيته، ويتدفق شعره العظيم الخالد، فيتحدث عن شخصية هذه الأمة، تلك الشخصية الحبيبة الأثيرة، التي كانت على يدها نهضةُ الأمة المسلمة بادئ ذي بدء، وهي أشرفُ وأجمل نهضة في حضارة الإنسان حيث كان، ويدع لعاطفته الجياشة، وعقله المتوقِّد أن يصدر عنهما خطابٌ لأمة العرب يقول فيه:

     "أيتها الأمة العربية التي كتبَ اللهُ لباديتها وصحرائها الخلود، من الذي سمعَ العالم منه نداء: لا قيصرَ ولا كسرى لأول مرة في التاريخ!؟ ومن الذي أكرمه اللهُ بالسبقِ إلى قراءة القرآن!؟ من الذي منحه الله سِرَّ التوحيد فنادى بأعلى صوته "لا إله إلا الله"!؟ وما هي هذه الأرض التي اشتعل فيها هذا السراج الذي أضاء به العالم!؟ هل العلم والحكمة إلا فتاتُ مائدتكم!؟ وهل قوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} إلا وصفٌ لحالكم!؟

     إن نَفَس ذلك الأمي عاد على هذه الصحراء بالخصب والنماء، فكانت الأزهار والرياحين. إن الحرية نشأت في أحضانه، وإن حاضر الشعوب ليس إلا وليدَ أمسه. إن الجسد البشري كان بلا روحٍ ولا قلب، فأعطاه الروح والقلب، إنه حطَّم كل صنم قديم، وأفاضَ الحياة على كل غصن ذابل من أغصان العلوم والمدنيّة، وأنجب أبطالاً وقادةً مؤمنين، أقاموا المعارك الفاصلة بين الحق والباطل، فتارةً يدوّي الأذان في ساحة الحرب، وتارةً تتحلّى الآذان بقراءةِ القرآن بين صليل السيوف وصهيل الخيول. إنَّ سيف البطلِ المغوار كصلاح الدين، ونظرةَ الزاهد الأوّاب كأبي يزيد مفتاحان لكنوز الدنيا والآخرة.

     ليس الحمراءُ في غرناطة، وتاج محل في أكره؛ إلا صدقةً من صدقاتِ بعثته، ومَظْهراً من مظاهر عبقرية أمته.

     إن ما في أمته من ذوقٍ رفيع، وفكرٍ سليم، وفنٍّ بديع بعضُ هبات رسالته الخالدة الكريمة.

     كان الإنسان حفنةً من تراب، وقبضةً من دماء وأشلاء وعظام، لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعرّفه بالعلمِ والإيمان، وأذاقَه لذةَ العبادة والإحسان، فجزاه الله عن الإنسانية أفضل الجزاء، فقد قاد خطاها صَوْبَ الحق والهداية".

     إن إقبالاً يريد أن يُهيجَ في أمة العرب نخوتَها وحميتها، وحماستها لدينها، فيذكِّرها بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ورسالته المشرّفة الطاهرة، ويوضّح لها أثره البعيد في حياتها وحياة الناس جميعاً، وهو أثر لا يضاهيه أثرُ أحدٍ آخر لا قبله ولا بعده كائناً مَنْ كان.

     إنه يذكرها بعهدها القديم قبل البعثة المشرّفة حين كانت حياتها فوضى ضاربة، وجهالة مطبقة، الحياةُ فيها كحياة الأنعام، تقتتل على ما يَعْظُم وما يهون، وتغزو قبائلها بعضَها بعضاً، بل ربما غزت نفسَها إنْ لم تجد من تتجه إليه بالغزو، مصداقاً لقول الشاعر الجاهلي:

وأحياناً على بكرٍ أخينا     إذا ما لمْ نجـدْ إلا أخانا

     كان مَثَلُها قبل الإسلام كمثلِ الجواد الذي يبدو قوياً نشيطاً لكنه عاجزٌ كسول، كمثلِ السيف الذي يبدو صارماً قاطعاً لكنه مفلولٌ لا ينفع، كمثلِ الماء الذي يبدو نقياً صافياً لكنه ملحٌ أجاج، لذلك يقول الشاعر: "أيها العرب، قدْ مَنَّ اللهُ عليكم، إذ جعلكم مثلَ السيف البتار أو أحدَّ منه، وكنتم من قبلُ رعاةً للإبل، فسخّر الله لكم المقاديرَ حينَ هداكم فاهتديتم، وناداكم فاستجبتم، حتى لو أقسمتمْ عليه لأبرّكم، وهنالك دوَّت تكبيراتكم وصلواتكم، وزَمْزَمَت جَلَبَةُ حروبكم ومغازيكم بين الخافقَين، فارتجّ بها ما بين الشرق والغرب، فما أحسنَ تلك المغامرات!.. وما أجمل هاتيك الغزوات!.

     إن الشاعر الكبير يُخلص في النداء أيّما إخلاص؛ ذلك أنَّ أملَه في أمة العرب كبير كبير، فهي التي نهضت بتكاليف الرسالة من قبل، وانطلقت تنشرها في المعمورة حين كانت حاجةُ البشرية إليها -وقد ضلّت- أشدَّ من حاجة الظامئِ التائه في الصحراء إلى الماء، وحاجةُ عصرنا اليوم إلى الهداية -وقد ضلّ وحاد وفسد- لا تَقلُّ عن حاجة عصرِ البعثةِ المحمدية على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام، إلى الهداية والرشد، وما دامت أمة العرب قد أدَّت بالأمس مهمتَها الجليلة الكبيرةَ تلكم، فهي موئلٌ للرجاء والأمل أن تؤديَ المهمةَ ذاتها اليوم، فتنطلقَ مواكبُها إلى شرق الأرض وغربها تحملُ الرسالةَ الهادية للعالم الضال الحائر.

     ومن أجل ذلك يُهِيبُ الشاعرُ الكبير بأمة العرب أن تنهضَ من نومها وكسلها، وتمارسَ دورَها المطلوب منها بحكمِ إسلامِها، وهو إنقاذ البشرية من الجاهلية الهابطة بالإسلام السامي، ومن الأفكار المتناقضة بالقرآن الذي لا يخطئ ولا يتناقض، ومن قيادتِها الحالية التي تسوقُها نحو الدمار بالقيادة المسلمةِ التي تقودها نحوَ السعادة والرشد والهداية، في دينها وفي دنياها.

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة