الخميس، 7 يوليو 2022

عبد الرحمن عزام.. ومشاكل العصر (2)

عبد الرحمن عزام.. ومشاكل العصر
(2)

     كان المرحوم الأستاذ عبد الرحمن عزام واحداً من الساسة العرب القلائل الذين تميزوا بالأصالة والاستقلالية، والحرص على مصالح الأمة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، سواءً أكان في عالم الفكر أم في عالم السياسة.

     ومواقفه معروفة مشهورة منذ فجر حياته، حين كان طالباً في كلية الطب، ونشبت الحرب في ليبيا بين الغزاة الإيطاليين وبين المجاهدين المسلمين من أبناء ليبيا، يساعدهم إخوتهم في العقيدة من شتى البلدان، لم يُؤْثِرِ الدراسة على واجبه، فترك كلية الطب غير آسف عليها وعبر الحدود الليبية المصرية ليقوم بواجبه في قتال المعتدين. وكان ذلك اليوم، بداية سلسلة من النشاط السياسي الواسع في خدمة الأمة على شتى المستويات وفي مختلف المراحل حتى وفاته عليه رحمة الله.

     وكان الرجل إلى جانب كونه سياسياً، يمتاز بعقلية جيدة، وقدرة فكرية طيبة، وكان في الفكر -تماماً كما كان في السياسة- يمثل خط الأمة الأصيل، وفكرها المستقل، ونزعة الحفاظ على تراثها وشخصيتها، يظهر ذلك في كتابه المعروف الذائع "الرسالة الخالدة" الذي يجد فيه المرء زاداً فكرياً أصيلاً جيداً.

· ترى كيف نستطيع أن نسمع رأي الرجل في مشاكل العصر، وثقافته، وروحه وآليّته، وقضاياه المعقدة المتزايدة!؟.

     "لقد صارت الأمم صنوفاً من الناس متقاطعة، وصار البشر مشتتين، في عالم متناكر تبلبلت فيه الأفكار، واختل العرف البشري، وتباعدت ألوان العيش المادي وتكاثرت صوره الذهنية، وتناكرت الطبقات والطوائف والأقوام. وكلما امتد دور الانتقال تعددت مظاهر الأفراد والجماعات، واستعصى الرجوع بها إلى أصول مقبولة، ومُسلّم بها من الجميع، أو مُسلّم بها على الأقل من كتل كبيرة كانت تجمعها صلات روحية قوية، في عقائد دينية مشتركة تشمل مئات الملايين من الخلق".

     لكن بعض الناس يصر على أنَّ تَدافُع الحياة المادية في طريق النمو والصعود سيؤدي باستمرار إلى مزيد تقارب وجهات النظر بين الشعوب، باعتبار أن وسائل الاتصال المادية والفكرية آخذة في النمو المطّرد، وباعتبار أن العالم صار يتخذ نماذج تكاد تكون مشتركة في قيم الذوق والجمال.

· فكيف تبدو هذه الفكرة؟

     "إن ما يُظَنُّ من أن الحياة المادية القائمة على السرعة وسيلة عاجلة لجمع البشر على نظرة موحدة للحياة المادية، وعلى أسس معنوية مقبولة من الجميع، أمر قد يكون في سبيل التحقيق، ولكنه لا يزال بعيداً جداً، وسيلقى العالم أهوال أدوار الانتقال والاستقرار، ولن يستطيع الناس أن يخلعوا التراث المعنوي والفكري كما يخلعون الثياب، ولذلك ها نحن أولاء نشهد تشعب الأفكار والآراء واضطراب الحياة.

     إن الذي اكتسبته البشرية من رقي مادي وفّر لها راحة بدنية كبرى، بحيث صار البون بين جيلها الحالي والأجيال السابقة شاسعاً جداً، فمن المستحيل أن نقنع البشرية بأن تتخلى عن هذا الكسب الكبير، فذلك يناقض طبائع الناس، ثم إن تلك المنجزات أمر يمكن أن يصير مفيداً جداً في كل الأصعدة إن أُحْسِنَ استعمالها".

· ترى كيف هو السبيل من أجل ذلك؟

     "لا بد لنا من التفكير العاجل، والعمل السريع للتوفيق بقدر المستطاع بين الحياة المعنوية الموروثة، وبين الحياة المادية المفاجئة، وتجنب أثر الصدمة التي تتولد منها هذه الانفجارات الهائلة بين الأمم، وبين الطبقات في الأمم.

     ولا بد لنا كي نتمتع بثمار المدنية الآلية، ونستكمل نعمتها من بعث الحياة الروحية بعثاً جديداً مناسباً للحياة المادية الجديدة، ففي هذه الحضارة نِعَمٌ لا حدّ لها، فقد تغلب الإنسان بالآلة والعلم على كثير من الصعاب والويلات، زاد إنتاجه، وسَهُلَ انتقاله، وقهر الأمراض الجائحة، واتقى القحط، وتعددت مصادر لهوه ومرحه، وتزيّنت له الأرض وأخذت زخرفها، ومشى في قرن واحد بالحضارة المادية ما لا يُقاس معه مَشْيُهُ في القرون الماضية، ولكنه في قرن واحد كذلك، قضى أو كاد يقضي، على تراثه المعنوي الذي كسبه في عشرات القرون.

· وماذا بعد، كيف صارت حياة الروح بالقياس إلى حياة المادة؟ وأين يقف فكر هذا العصر؟

     "نسي العصرُ اللهَ، فأنساه نفسَه، ففي جيل واحد هُزِمت حياة الروح هزيمة نكراء أمام حياة المادة، وأخذت الآلة الصماء -وقد سيطرت- تفتك على غير هدى، وبغير ضابط من دين أو خُلق أو عُرْف".

     وبعد..

     لقد ارتحلنا معاً نجوب فكر الأستاذ عبد الرحمن عزّام، ونحاول معرفة رأيه في مشكلة كبرى من مشاكل عالمنا الحديث.

     ومهما تشعبت بنا الآراء، وتعددت وجهات النظر، فأحسب أننا نلتقي حول قناعات ثلاث، تمنحها الشواهد المتكررة حكم الحقائق الراسخة:

     الأولى: هي أن عالمنا المعاصر، عالم قلق مضطرب، له خصائصه وسماته التي أبرزها الحيرة والتذمر، والجيشان الدائم، وفقدان الأمن النفسي.

     الثانية: أن تَقَدُّمَ علوم الآلة، وازدهار المنجزات المادية، يقابله انحسار روحي وأخلاقي باستمرار.

     الثالثة: أن الإسلام الذي استطاع أن يُحدِث الانسجام بين مكاسب المادة، وحياة الروح، استطاع أن يُحدِث ذلك في تصوره وفهمه للحياة، واستطاع أن يُحدِثَه كذلك في تجربته التاريخية تطبيقاً عملياً في حياة الناس.

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة