الأحد، 26 يونيو 2022

الدعوة إلى البذل في الإسلام

الدعوة إلى البذل في الإسلام

     ينادي الإسلام بالدعوة إلى الخير والجود، والصدقة والإنفاق، نداءً قوياً تنهزم معه في النفس الإنسانية بواعث الشح والبخل، والأثرة والحذر، ووسوسة الشيطان في التخويف من الفقر، فالصدقة كما جاء في الحديث الشريف لا تنقص مالاً قط، والإنفاق في سبيل الله تعالى له ثواب يتضاعف ويزداد، فإذا بالدرهم الواحد، وقد آتى أكله سبعمئة درهم أو أكثر حين ينفق في سبيل الله بصدق وإخلاص، يقول عز وجل: ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:261].

     ويقول جل شأنه في الحث على الثقة بجود الله وكرمه، والحذر من الشيطان ووسوسته وتخويفه بالفقر: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًاۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:268]. ويعمّمُ الإسلام الدعوة إلى الخير، ويوسّع ميدانها فلا يقصرها على المال فحسب، بل يحث عليها كل مسلم فقيراً كان أم غنياً، أما الغني فيفعل الخير بماله وبمكانته، وأما الفقير فيفعل الخير بيده وقلبه، ولسانه وعمله، ولن تجد في الإسلام من لا يستطيع أن يجود في ميادين البر والخير أياً كانت مكانته ورزقه.

     إن الإسلام يحرر وجدان المسلم من خوف الفقر، ويعتق روحه من كثرة التفكير فيه، حين يطلب إليه أن يَكِلَ أموره إلى الله العلي القدير الذي لا حدَّ لغِناه العظيم، وجوده الواسع، وما من ريبٍ أن المرء الذي يظل يحيا في خوف من الفقر يظل فقيراً مهما امتلك، ولذلك فالغنى الحقيقي هو غنى النفس، وما أجمل قول الشاعر:

ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقرُ

     وترافق علمية التحرير الروحي من أشباح الفقر، وأوهام الفاقة، ووسوسة الشيطان، عملية شحنٍ لا حدَّ لها بالثقة واليقين، والأمل والرجاء، مما يبعث على الجود والتسابق في الخير.

     لمّا نزل قول الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةًۚ﴾ [البقرة:245]، قال صحابي هو أبو الدحداح: أوَ يستقرض الله من عبد يا رسول الله؟ فقال ﷺ: نعم. فقال أبو الدحداح: امدد يا رسول الله يدك، فأشهَده أنه تصدق ببستانه الذي لا يملك غيره، وكان فيه سبعمئة نخلة مثمرة، ثم عاد إلى زوجه، وكانت تقيم مع أولادها في هذا البستان فأخبرها بما صنع، فغادرت هي وأولادها البستان وهي تقول: ربح بيعك يا أبا الدحداح.

     ولقد كان مما شكاه الفقراء إلى النبي ﷺ أن الأغنياء يسبقونهم في فعل الخير إذ يتصدقون بأموالهم، ولا يجد هؤلاء الفقراء ما يتصدقون به، فبيّن لهم رسول الله ﷺ أن فعل الخير ليست وسيلته المال فحسب، بل كل نفع للناس فهو من عمل الخير فقال: «إن لكم بكل تسبيحةٍ صدقة، وأمرٍ بمعروفٍ صدقة، ونهيٍ عن المنكر صدقة، وفي إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن تصلح بين اثنين صدقة، وأن تُعين الرجل على دابته فتحمله عليها صدقة». (رواه البخاري ومسلم).

     وهكذا يفتح الإسلام أبواب الخير للناس جميعاً حتى لَيستطيع أن يفعله العامل والتاجر، والفلاح والجندي، والتلميذ والأستاذ، والرجل والمرأة، والشاب والعجوز، وجميع الناس، دون أن تحول ظروفهم الصحية أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، عن المساهمة في إشاعة البر، وبذل الخير، وصنع المعروف، ومساعدة الآخرين، وهكذا يسمو الإسلام بالناس سموّاً بالغاً ويرفعهم إلى آفاق كريمة من النزعة الإنسانية الكاملة، إذ يجعل البر لجميع الناس أياً كانوا وذلك كما يقول الرسول الكريم ﷺ: «الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله» (حديث ضعيف، رواه البيهقي)، وبذلك يُحدِث الإسلام لدى أتباعه نقلة واسعة ضخمة في البر ومفهومه وميادينه، تماماً كما أحدثها في شتى الميادين الأخرى وعلى جميع الأصعدة والمستويات.

     ولمّا كان الإنسان يحب نفسه قبل كل شيء بفطرته وطبيعته، خاطب الإسلام النفس الإنسانية بما يحبب إليها البر والخير عن طريق النفع الذاتي للنفس الخيّرة المعطية، إنه يخاطب كل إنسان بأن فعل الخير يعود نفعه على مَنْ يفعله قبل كل شيء، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْۚ﴾ [البقرة:272]، ويقول: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت:46]. ولا ريب أن لهذا الأسلوب أثره الملحوظ في النفس الإنسانية فيتحرر البخيل من شحِّه، ويزداد الكريم كرماً ويسخو الجواد، مما يعود بأحسن الثمار وأكرم النتائج.
****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة