السبت، 21 مايو 2022

كتاب عمر أبو ريشة عاشق المجد - الملحمة الشعرية

الملحـمة الشعـرية

     حين تذكر الملحمة يقفز الذهن إلى الملحمتين اليونانيتين الشهيريتين «الإلياذة» و«الأوديسة» لأنهما أقدم الملاحم الشعرية البشرية المعروفة، ولأن النموذج اليوناني للملحمة هو النموذج الذي وضع بصماته وملامحه على الشعراء وهم يبدعون أعمالاً يحتذونه فيها وعلى الدارسين وهم يستخرجون منه أصول الملحمة وقواعدها وخصائصها.

     والملحمة قصيدة طويلة تعتمد على البطولة الحقيقية منها والمتوهمة، والخيال الممكن وغير الممكن، والإثارة، والمبالغات، والتشويق، وتروي حكايات تاريخية لها أصل حقيقي مع إضافات وزيادات، ويدخل في بنائها عنصر الأسطورة بكل ما له من طرافة وغرابة وتلبية لحاجة طفولية في الإنسان يأنس فيها أحياناً إلى الخرافات والأوهام والخوارق، ولعالم الغيب حضور قوي في المسرحية من آلهــــة مزعومة وقوى غير منظورة تتصارع وتؤيد فريقاً من البشر ضد فريق. وتركز الملحمة على شخص البطل فتزيد من بطولته، وتضفي عليه هالة من الشرف والجلال والترفع، وربما أضفت عليه سمة البطل الوطني القومي الذي يقود ذويه في صراع عنيف ضد أعدائهم ليكون في وجدان قومه فارساً وقائداً ورمزاً، وبالتالي معبراً عن الضمير الجمعي لقومه وبـــلاده.

     وتعبير العمل الملحمي عن الضمير الجمعي يكون أحياناً مدعاة لأن يشترك عدد من الشعراء المجهولين فيه، يضيف كل منهم إليه ما يرضي وجدانه ووجدان مجتمعه، ثم ينسى هؤلاء الشعراء ويبقى العمل بعدهم. وأشهر الملاحم البشريـــة ملحمة «الإلياذة» وملحمة «الأوديسة» للشاعر اليوناني هومـيروس، وملحمة «الإنيادة» للشاعر الروماني فرجيل، وملحمة «الشاهنامة» للشاعر الفارسي الفردوسي، وملحمة «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي، وملحمة «الفردوس المفقود» للشاعر الإنجليزي ملتون، وملحمتا «المهابهارتا» و«الراميانا» الهنديتان، وملحمة «جلجامش» الآشورية، وملحمة «دافيد ساسون» الأرمنيـة، ومغامرات «فاسكـودي غاما» البرتغالية، وأنشودة «نيبلونجن» الألمانية، وأناشيد «رولان» و«تليماك» و«الشهداء» الفرنسية[1].

     وقد عرف الأدب العربي القديم نوعاً من القصائد التي تروي أخبار البطولة والقتال، وتشيد ببطولة هذا أو ذاك، مما يجعلها تقترب من شعر الملاحم بمعناه العام. كمعلقة عمرو بن كلثوم، وبائية أبي تمام الشهيرة في فتح عمورية، وقصائد المتنبي التي تصور صراع سيف الدولة مع الروم، وهذه القصائد ومثيلاتها جعلت الدكتور زكي المحاسني يقرر أنه لا يرى أدب العرب خالياً من الملاحم، ولا ينبغي أن نعنتهم فنطلب إليهم أن يكون لديهم ملحمة كالملحمة اليونانية في أناشيدها وموضوعها وحديثها، إذ ليس شرطاً في كل ملحمة أن تحتذي الإلياذة أو سواها من ملاحم الأمم العتيقة أو الحديثة[2].

     كما عرف هذا الأدب نوعاً من القصائد المطولة القصصية، مثل أرجوزة ابن المعتز في الخليفة العباسي المعتضد الذي تولى الخلافة عشر سنوات، وأرجوزة ابن عبد ربه في الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر الذي كان من أقوى الشخصيات التي مرت على الأندلس، وكان عهده عهد قوة واستقرار وغلبة، وقد وصف ابن عبد ربه في أرجوزته هذه بطولة الناصر وانتصاراته وحروبه، وجاءت في خمس مئة وخمسين بيتاً، وقد قال عنها الدكتور زكي المحاسني: «إني لأعدها ملحمة صغرى على الرغم من سهولة أسلوبها ولين شعرها وفهاهة بحرها، ولو أن أديب الأندلس ابن عبد ربه أطال نفس شعرهن فبدأ قصيدته منذ عبد الرحمن الداخل الفاتح الثاني للأندلس لجاءت ملحمته الصغرى أوفى بالغرض»[3].

     وقد نظم أبو طالب الأندلسي مطولة تاريخية في قصص الأنبياء الكرام ودول الإسلام، كما نظم لسان الدين بن الخطيب، الأديب والشاعر والسياسي والمؤرخ الأندلسي الشهير، مطولة تاريخية روى فيها تاريخ الممالك الإسلامية سماها «رقم الحلل في نظم الدول».

     ونظم نشوان بن سعيد الحميري «الحميرية في ملوك اليمن»، وهي مطولة تاريخية تروي أخبار ملوك اليمن القدماء.

     على أن هذه المطولات وأمثالها يغيب فيها الفن الجيد، وتبدو وكأنها سرد تاريخي جاء في نظم جاف بارد يصدق على شعرائه قول الدكتور شوقي ضيف فيهم: «ولكنك تقرؤهم جميعاً فتحس أنك تقرأ شعراً تعليمياً أو شعر متون علمية لا روح فيه ولا حياة ولا محاولة لفهم التاريخ وتعليل الحوادث، وإنما هو سرد ورواية حوادث مسلسلة وكأننا نقرأ أثباتاً للتاريخ مرقومة»[4].

     وفي العصر الحديث اتجه عدد من الشعراء إلى التاريخ العربي والإسلامي يستلهمون منه قصائد تطول أو تقصر ذات نفس ملحمي، ذلك أن الأمة كانت منكوبة بالضعف والتمزق والاستعمار، فكان من الطبيعي أن يتجه نفر من شعرائها إلى تاريخها المجيد يصورون معاركه وأبطاله وأمجاده، ويقارنون ذلك بحالها الحاضر البائس، وكأنهم يريدون منها أن تبني حاضرها ومستقبلها على نموذج أمسها الذي يعملون على ترسيخه في أعماق أبنائها منارة هداية وجهاد وبطولة ورفض للطغيان ومقارعة للمعتدين ومغالبة للكوارث والخطوب.

     لقد كان التاريخ الإسلامي -وسيظل- معيناً لا يجف للفنون والآداب بأنواعها. «وكما شغف القصاصون والروائيون باستيحاء البطولات والتضحيات والنماذج الإنسانية الفريدة من أحداث الإسلام ووقائعه الأولى وشخصياته المعروفة، وجد الشعراء في ذلك كله مثاراً لوجدانهم الذي يعشق المثل العليا ويحن إلى الآفاق الروحية الأولى. والهجرة وما يدور حولها من معاني الإقدام والتضحية والإلهام والعناية الإلهية وانبثاق نور الإسلام، من الموضوعات الأثيرة عند هؤلاء الشعراء. وهم يجدون في جوها الروحي مجالاً رحباً للتعبير الوجداني والألفاظ «الشفافة» المحملة برموز النور والري، وإن كانوا يختلفون في هذا حسب ثقافتهم ومزاجهم وطبيعة مواهبهم، ومدى ارتباطهم بالتراث أو اندفاعهم إلى التجديد»[5].

     إن هذا الإحياء لتاريخ الأمس المجيد، وبعث رموزه وبطولاته، وتوظيفه للخلاص من الحاضر العاجز البائس، عمل أدبي مشكور، وعمل وطني كريم، بل هو أيضاً عمل ديني إلى جانب هذا وذاك، فمجد الأمس قام على الدين، وبالتالي يجب أن يقوم عليه مجد اليوم والغد.

     وقد كثرت القصائد التي تسير في هذا الخط، وتحول بعضها إلى مطولات، فللبارودي الرائد العظيم، مطولة تحمل اسم «كشف الغمة في مدح سيد الأمة» مطلعها:

يا رائد البرق يمـــم دارة العلم     واحد الغمام إلى حي بذي سلم

     وتقع المطولة في أربع مئة وخمسين بيتاً، وهو فيها يحتذي خطا البوصيري في بردته الشهيرة في إطارها العام، وقيمة هذه المطولة أنها أول قصيدة عربية طويلة في العصر الحديث تتفوق فنياً على مثيلاتها اللواتي سبقنها، فقد تخلصت مما كان فيهن من بديعيات، وقدمت مديحاً للرسول الكريم ﷺ في إطار عصري ناضج أولاً، وثانياً أنها فتحت الباب لمن جاء بعد البارودي من شعراء المطولات ليعبروا عن هموم الأمة وآمالها من خلال التاريخ، ويقتربوا من الشعر الملحمي بدرجة أو بأخرى.

     فكما كان البارودي رائداً في السياسة ورائداً في الشعر، كانت مطولته هذه رائدة في شعر المطولات بجلال موضوعها وقوة لغتها وصدق عاطفتها مما جعل الدكتور شوقي ضيف يصفها بأنها ملحمة[6].

     ولشوقي جملة من المطولات التي تستلهم التاريخ وتوظفه وتقترب من الشعر الملحمي، منها قصيدته «كبار الحوادث في وادي النيل» وهي همزية طويلة تقع في مئتين وتسعين بيتاً نظمها بمناسبة تمثيله مصر في المؤتمر الشرقي الدولي الذي انعقد في جنيف عام 1894م ومطلعها:

همت الفلك واحتواها الماء     وحداها بمن تقــــل الرجاء

     وقد روى في هذه القصيدة تاريخ مصر منذ أقدم العصور حتى تاريخ نظمها أيام الخديوي عباس، والقصيدة جيدة فنياً، متماسكة البناء، متصلة الحلقات، ذات روي واحد، وهي تدل على موهبة الشاعر القوية حيث كتبها في شبابه، وهي تعلو كثيراً على الشعر التعليمي، وتقترب من الشعر الملحمي، لذلك وصفها الدكتور شوقي ضيف بأنها ملحمة[7]، كما وصفها الأستاذ صالح جودت بأنها ملحمة خالدة[8]، وقال عنها الدكتور طه وادي: إنها من الشعر الغنائي الذي تشيع فيه سمة الطابع الملحمي[9].

     ولشوقي مطولة أخرى اسمها «صدى الحرب في وصف الوقائع العثمانية اليونانية» نظمها مبتهجاً بالنصر الذي حققه العثمانيون على اليونانيين في الحرب التي نشبت بينهم عام 1897م زمن السلطان عبد الحميد الثاني، ومطلعها:

بسيفك يعلو الحق والحق أغلب     وينصر دين الله أيـــان تضرب

     وتقع هذه المطولة في مئتين وتسعة وثلاثين بيتاً، وهي متينة البناء، فخمة الأسلوب، قوية اللغة، عنيت كثيراً بتصوير المعارك، وعاطفة الشاعر فيها قوية جياشة، وقد صور فيها فرحه وفرح المسلمين عامة بالنصر الذي مجدته المطولة، وأرخت له، وهي ذات نفس تاريخي وقصصي وتصويري واضح، ولعلها أقرب شعره للشعر الملحمي.

     وقد وصف الدكتور محمد مندور هذه المطولة بأنها تشبه الملاحم، وأنها مقسمة إلى أجزاء كأنها الأناشيد في ملحمة[10].

     ووصفها الأمير شكيب أرسلان بأنها من الملاحم التي أتم بها شوقي نقصاً كبيراً في الشعر العربي[11].

     ووصفها الدكتور ماهر حسن فهمي، ووصف «دول العرب وعظماء الإسلام» بأنهما تحتلان مركزاً وسطاً بين شعر الملاحم والشعر التعليمي[12]. وهو في ذلك يلتقي مع الأستاذ أحمد حسن الزيات الذي وصف المطولتين السابقتين بأنهما تشبهان الملاحم في طول النفس وطلاوة الأسلوب ووطنية الموضوع وعمومية الحوادث، وبأنهما وسط بين الشعر القصصي والشعر التعليمي[13].

     وفي عام 1910م يطلع علينا شوقي بمطولته الشهيرة «نهج البردة»، وهي أشهر قصيدة احتذت بردة البوصيري على الإطلاق، وتقع في مئة وتسعين بيتاً ومطلعها:

ريم على القاع بين البان والعلــــم     أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

     والقصيدة مثلها مثل قصيدة البارودي، تؤرخ لحياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتذب عن الإسلام، وتشيد بمزاياه، وهي محكمة إحكاماً جيداً، والشاعر يجيد فيها التخلص من موضوع لآخر، في لغة قوية، وأسلوب متين، وعاطفة حية، وتبدو هذه المطولة بجلال موضوعها وقوة بنائها وتصويرها للنموذج الإسلامي الأعلى للبطولة والأبطال وكأنها «مشروع» ملحمة متكاملة الأجزاء.

     والقصيدة من أروع شعر شوقي وأسيره، بل من أروع الشعر الإسلامي في العصر الحديث وأسيره، وقد احتفى الناس بها كثيراً، حتى إن شيخ الجامع الأزهر يومذاك الشيخ سليم البشري قام بشرحها، وقد كتب عنها بإفاضة الدكتور أحمد محمد الحوفي في كتابه «الإسلام في شعر شوقي»، والأستاذ علي النجدي ناصف في كتابه «الدين والأخلاق في شعر شوقي»، والدكتور ماهر حسن فهمي في كتابه «شوقي شعره الإسلامي»، وقد صارت بحق معلماً بارزاً يقف عنده كل دارس للشعر الإسلامي في العصر الحديث.

     ولشوقي قصيدة رائعة اسمها «الأندلس الجديدة» مطلعها:

يا أخــــت أندلس عليك سلام     هوت الخلافة عنك والإسلام

     وهي تقع في مئة وخمسة أبيات، قالها عام 1912م حين استطاع البلغار أن يقتحموا مدينة «أدرنة» بعد حصار طويل. هزم فيه المسلمون العثمانيون وانتصر البلغار. وكان للحرب وجهها الصليبي السافر، وارتكبت فيها فظائع وويلات ومظالم كثيرة، وقد صمد المسلمون المحاصرون صموداً مشرفاً لكنهم هزموا في النهاية.

     والقصيدة في حقيقتها رثاء مدينة، ورثاء دين، وهي مطولة مجدت البطولة والفروسية، وألمت بالتاريخ غير مرة، وصورت الكارثة تصويراً محزناً مؤثراً. وفي القصيدة يبدو لنا شوقي فيلسوفاً ينظر في التاريخ، وسنة الله في الكون، نظراً فيه فلسفة وتأمل وتحذير، وحكيماً يراقب دورة الحياة ومصارع الشعوب والدول، والقصيدة من غرر شعر شوقي، وهي تمت إلى شعر الملاحم بأكثر من آصرة ووشيجة.

     وحين نفي شوقي إلى الأندلس ظفرنا منه بمطولتين شهيرتين، تتصلان بالتاريخ والملاحم.

     الأولى هي «دول العرب وعظماء الإسلام» وهي قصيدة مطولة أبياتها 1526 بيتاً تؤرخ للمسلمين منذ أيام الرسول الكريم ﷺ حتى نهاية الدولة الفاطمية، وقد نشرت عام 1933م أي بعد عام من وفاة الشاعر بشرح الأستاذ محمود خاطر، ومطلعها:

الحــــمد لله القــــديم الباقــــــــي     ذي العرش والسبع العلا الطباق

     وقد وصفها الدكتور طه وادي بأنها «ملحمة تاريخية»[14]. مع أنها أرجوزة تعتمد القافية المزدوجة وتبدو أقرب للشعر التعليمي منها لأي شعر آخر، ولعل الشاعر الذي قل شعره كثيراً في أثناء منفاه في الأندلس أراد بها إزجاء الوقت في منفاه الطويل الممل، ولذلك تبدو أقل من شعره الآخر، الأمر الذي حدا بالدكتور شوقي ضيف إلى أن يصفها بأنها ربما كانت الشيء الوحيد عند شوقي الذي لم يحلق فيه[15].

     أما الثانية فهي «سينية شوقي» الشهيرة التي مطلعها:

اختلاف النهار والليـل ينسي     اذكرا لي الصبا وأيـام أنسي

     وهي مطولة بديعة تقع في مئة وعشرة أبيات، وتلتقي بالتاريخ والملاحم في تصويرها المأساة الأندلسية، وما شهدت حواضر المسلمين فيها كقرطبة وغرناطة من أمجاد ونكبات، وفي المطولة نوع من التأمل في فلسفة التاريخ ودوران الحضارات وصعود الأمم وسقوطها، ويبدو لنا شوقي فيها شاعراً ومؤرخاً وفيلسوفاً، يرقب حركة التاريخ معللاً مفسراً محذراً ناصحاً ملتمساً العبرة والعظة.

     وفي فبراير 1918م يلقي حافظ إبراهيم مطولته الشهيرة «العمرية» التي تقع في مئة وستة وثمانين بيتاً، في حشد كبير حافل يحضره الشعراء والوجهاء والمثقفون، وفي هذه المطولة أكثر من خيط يربطها بشعر الملاحم والتاريخ ومطلعها:

حسب القوافي وحسبي حين ألقيها
               أني إلى ساحـــــة الفاروق أهديها

     وقد أرخ فيهــا حافظ للخليفة العظيم عمر بن الـخطاب، وصور عدله وزهده وفتوحاته ونهايتــه، واستنهض في خاتمتها شبان المسلمين ليقتفوا أثر الخليفة العظيم.

     وتنتقل العدوى الحميدة إلى الشاعر عبد الحليم المصري، فيطلع علينا بمطولته الشهيرة «البكرية»، وواضح فيها أنه يحذو حذو حافظ، فهو يؤرخ لخليفة عظيم هو أبو بكر الصديق كما فعل حافظ، وهو يلقيها في حفل حاشد كما فعل حافظ، وذلك في مايو 1918م، أي بعد حافظ بثلاثة شهور، وتقع المطولة في 211 بيتاً، ومطلعها:

أفضني أبـا بكر عليهم قوافيا     وأمطر لساني حكمة ومعانيا

     وفي المطولة التي تبدو وكأنها مشروع ملحمة، أكثر من نسب ووشيجة تصلها بشعر التاريخ والملاحم.

     وتستمر العدوى المحمودة في سريانها فتصل إلى الشاعر محمد عبد المطلب الذي كان شديد الاعتزاز بالإسلام ديناً، وبالعروبة لغة وتاريخاً وتقاليد، فينظم مطولته الشهيرة «العلوية» ليروي فيها سيرة الخليفة العظيم علي بن أبي طالب، متأسياً خطا حافظ والمصري، ويلقي المطولة بعدهما بعام في نوفمبر 1919م في حفل ضخم حضره الأدباء والمثقفون والشعراء، وعلى رأسهم إسماعيل صبري شيخ الشعراء، وتقع المطولة في 316 بيتاً ومطلعها:

أرى ابن الأرض أصغرها مقاما     فهل جعــــــــل النجوم بها مراما

     وفي عام 1933م يقدم لنا علي أحمد باكثير مطولته «نظام البردة» التي يقفو فيها خطا البارودي وشوقي في النظم على غرار بردة البوصيري، وتقع المطولة في 257 بيتاً، ومطلعها:

يا نجمة الأمل المغشي بالألــم     كوني دليلي في محلولك الظلم

     وجميع هذه المطولات ذات نفس ملحمي واضح يظهر في طولها وروايتها للبطولة وعنايتها بالتاريخ والقصص، مع خلوها ــ بطبيعة الحال ــ من كل عناصر الأساطير والخرافات، لأن أبطالها مسلمون، ولأن شعراءها مسلمون أيضاً.

     وأياً كان حظ هذه المطولات من خصائص الشعر الملحمي يمكن القول إنها «كانت المرحلة الممهدة لظهور الملحمة الشعرية كلون جديد لم يعرفه الشعر العربي من قبل، وبخاصة أن المطولة تكاد تكون ملحمة مصغرة»[16].

     والقصائد التي تستلهم التاريخ وتقترب من النفس الملحمي اقتراباً يماثل المطولات سابقة الذكر، كثيرة جداً في العصر الحديث، وهي تأتي لتغني البطولة، وتمجد الأجداد، وتحث الأحفاد على مغالبــــة الصعاب، وتستثير عزائمهم لمقاومة الاستعمار والصهيونية والظلم والطغيان، وتدعوهم إلى امتلاك ناصية المجد والغلبة، وتهيب بهم أن يبنوا مستقبلهم على هدي ماضيهم في أيام زهوه وسيادته، في سياق وطني ديني أدبي ممتع يوظف التاريخ توظيفاً إيجابياً بانياً، مثل «يوم حطين» لعبد المحسن الكاظمي، و«ثورة بدر» لمحمود حسن إسماعيل، و«جيش أسامة» لأنور العطار، و«عبد الرحمن الداخل» لخير الدين الزركلي، و«من قارة إلى قارة» لعلي محمود طه.

     وربما كانت أشهر الملاحم التي تنحو منحى تاريخياً دينياً في العصر الحديث ملحمة «ديوان مجد الإسلام» أو «الإلياذة الإسلامية» للشاعر أحمد محرم. وقد نظم هذه الملحمة التي تبلغ خمسة آلاف بيت من الشعر استجابة لنداء الأستاذ محب الدين الخطيب الذي هاله أن يكون لكل أمة ملحمة تعتز بها، إلا المسلمين، فدعا على صفحات مجلته «الفتح» الشعراء إلى سد هذه الثغرة، فقام بذلك الأستاذ أحمد محرم، الذي سجل وقائع السيرة تسجيلاً تفصيلياً أرخ فيها كل أحداثها وفق التسلسل الزمني. وعمل الأستاذ محرم فوق الشعر التعليمي الذي نجده عند شوقي في «دول العرب وعظماء الإسلام»، وأهم عيوبه السرد والتقريرية وضعف الخيال، ويمكن أن يعد شعراً غنائياً فيه سمات ملحمية.

     وقد رفض الدكتور شوقي ضيف في الفصل الذي عقده عن هذا العمل أن يعده ملحمة، ورأى أنه مجرد قصائد جمع بعضها إلى بعض وسميت كذلك، ووصفه بالجفاف الشديد، حيث لم يستطع الشاعر أن يضفي الجمال والحيوية على التاريخ وإن كانت بعض خصائصه كشاعر غنائي تظهر من حين لآخر، وقرر أنه زاخر بالفتور ويبعث على الملل والسأم، وانتهى إلى أنه شيء بين الشعر الغنائي والتعليمي[17].

     ويرفض الدكتور أحمد هيكل أن يجعل من عمل أحمد محرم «ملحمة»، وينتهي إلى أنه في جملته قصائد غنائية تستلهم مادة تاريخية، ولا تؤلف ملحمة إلا على سبيل التجوز الذي يجعل الحديث عن البطولة بالشعر المتسم بالطول والإفاضة كافياً لإطلاق هذا الاسم. لقد أراد أحمد محرم «أن يطوع الشعر للقصص التاريخي الحماسي الطويل، فألف نحو سنة 1933م «ديوان مجد الإسلام» ليحكي بالشعر سيرة الرسول وبطولاته وغزواته. وربما أراد محرم بهذا العمل أن يطرق بالشعر العربي فن الملحمة. ولكنه في الواقع لم يخرج ملحمة بالمفهوم الفني لهذا الجنس الأدبي، وإن طاب لكثير ممن تحدثوا عن هذا العمل أن يسموه الإلياذة الإسلامية. وذلك أن الملحمة في حقيقتها -وكما عرفت من أروع نماذجها التي خلفها هوميروس- تعتمد أساساً على الأساطير الشعبية والبطولات الخيالية، التي تصل أحياناً إلى جعل الأبطال في مصاف الآلهة أو أنصاف الآلهة، وهي لهذا كله لا تعنى بالوقائع التاريخية ولا الأحداث الحقيقية، وإنما تعنى قبل كل شيء بالخيال الجامح والتصوير الأسطوري، مما كان يرضي ظمأ الجماهير إلى البطولة الخارقة، وتلهفها على الأبطال الخياليين. أما ديوان مجد الإسلام فبرغم اتخاذه سيرة بطل عظيم مادة، وبرغم تسجيله لمعارك وانتصارات باهرات فإن هذا العمل الشعري قد التزم الوقائع التاريخية، وسجل الأحداث الحقيقية، ولم يعتمد أصلاً على الأساطير ولم يحكم الخيال؛ ثم هو بعد ذلك قد التزم في البناء الفني شكل القصائد الغنائية المتتالية، التي تؤلف في جملتها ديواناً ذا موضوع واحد، هو حياة محمد ﷺ، وبطولاته وغزواته. وقد درج الشاعر على أن يقدم بين يدي القصائد بمقدمة نثرية تجمل الأحداث التاريخية التي ستعالج فيما يلي من أبيات. كذلك درج على التزام الوزن والقافية في كل قصيدة تعالج فصلاً أو موضوعاً معيناً، ثم تغيير الوزن والقافيـــة في القصيدة الأخرى، وهكذا. ومن هنا نرى أن أهم تجديد في هذا العمل، هو معالجته في ديوان كامل لموضوع واحد، هو سيرة الرسول وبطولاته وغزواته. أما بعد ذلك فهو في جملته قصائد غنائية تستلهم مادة تاريخية، ولا تؤلف ملحمة إلا على سبيل التجوز، واعتبار الحديث عن البطولـــة بالشعر المتسم بالطول والإفاضة، كافيا لإطلاق هذا الاسم»[18].

     وللأستاذ عامر بحيري ملحمة عن الرسول الكريم ﷺ اسمها «أمير الأنبياء»، وللأستاذ كامل أمين الذي تخصص في شعر الملاحم التاريخية المطولة عدة ملاحم هي «عين جالوت» و«السموات السبع» و«محمد» و«القادسية»، وللأستاذ إبراهيم العريض ملحمة باسم «أرض الشهداء» يتحدث فيها عن كارثة فلسطين، وللأستاذ بولس سلامة ملحمتان هما «عيد الرياض» و«عيد الغدير».

     ويبدو أن النقد الحديث يتوسع أحياناً في مفهوم الملحمة فيطلقها على المطولات وإن لم تتصل بالتاريخ والحروب والخوارق والبطولات بسبب، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى القصائد التالية «شاطىء الأعراف» لمحمد عبد المعطي الهمشري التي تصفها الأستاذة نازك الملائكة بأنها «ملحمة كاملة تحدث فيها عن رحلته الأولى بعد الموت نحو الحياة الأخرى، والقصيدة تكاد تكون أغنية حب موجهة إلى الموت، لا أثر فيها للحسرة ولا للذكرى، وكأن الشاعر يلتذ بكل لحظة من لحظات موته إن صح التعبير»[19]، وكذلك نجد الأستاذ صالح جودت -وهو صديق الشاعر- يصف القصيدة بأنها ملحمة[20]، ونجد الدكتور محمد فتوح أحمد يصفها بأنها ملحمة ذائعة[21].

     ومطولة «ثورة في الجحيم» للشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي البالغة أربع مئة وخمسة وثلاثين بيتاً، تصفها نازك الملائكة بأنها ملحمة[22]، ويعدها الأستاذ أحمد أبو سعد ملحمة[23]. أيضاً، علماً أنها لا تتصل بالبطولة أو التاريخ، بل هي قصيدة ذات منزع فلسفي تأملي تتخيل ثورة تحدث في الجحيم، اعتراضاً على الظلم الذي يتوهمه الشاعر واقعاً على سكانه، وتدور أحداثها في القبر حيث يرى الشاعر أنه مات، وبعد ذلك في الجنة والنار والسماء، وهي دعوة للتمرد على الدين والمجتمع والتقاليد.

     والدكتور شوقي ضيف يصف مطولة الشاعر المهجري فوزي المعلوف «على بساط الريح» بأنها ملحمة[24]، علماً أنها تصور رحلة يقوم بها الشاعر في السماء ويتصل فيها بعالم الغيب، في سياق فلسفي تأملي.

     والأستاذ صالح جودت يصف مطولة الأستاذ عباس محمود العقاد «ترجمة شيطان» بأنها ملحمة[25]، وهي قصيدة فلسفية لا علاقة لها بالمأثور من شعر الملاحم في قليل أو كثير.

     والدكتور زكي المحاسني يصف قصيدة ابن الرومي في فتنة الزنج في البصرة بأنها ملحمة مع أنها أقرب إلى الرثاء العام منها إلى أي شيء آخر[26].

     ومع هذا التوسع المتسامح لمفهوم الملحمة يمكن أن نعد من شعر الملاحم مطولة «عشتروت وأدونيس» لحبيب ثابت، ومطولة «عبقر» للشاعر المهجري شفيق المعلوف، ومطولتي الشاعر علي محمود طه «الله والشاعر» و«أرواح وأشباح».

     ومن المطولات الملحمية التاريخية خارج نطاق التاريخ العربي والإسلامي قصيدة «نيرون»[27] الشهيرة لخليل مطران، وهي قصيدة طويلة ذات روي واحد تقع في ثلاث مئة وثمانية وعشرين بيتاً ألقاها عام 1924م في الجامعة الأمريكية ببيروت، مطلعها:

ذلك الشعب الذي آتاه نصرا     هو بالسبة من نيرون أحرى

     والقصيدة هجوم على الظلم في شخص نيرون، وعلى الشعوب التي تمكن لهم، فلولا العبيد لما كان الطغاة. وقد عدها الدكتور شوقي ضيف «ملحمة كاملة»[28]، وعدها الدكتور جابر قميحة ملحمة أيضاً[29]. كما وصفها الدكتور جمال الدين الرمادي بأنها «ملحمة» لأن مطران اقترب فيها من ذوق الشعر الملحمي الغربي بخصائصه المعروفة[30].

     والحديث عن الملاحم يقتضي منا أن نشير إلى أن الأستاذ سليمان البستاني قد عرب إلياذة هوميروس، وعمل في ذلك 18 عاماً، وقد قسمها إلى 24 نشيداً، وقد صدرت عن مطبعة الهلال في القاهرة عام 1904م.

     وعمل الأستاذ البستاني عمل مشكور، إذ إنه وضع بين أيدي الشعراء والنقاد في مطلع القرن العشرين -حيث تتحفز الأمة للنهضة من خلال محاور شتى منها الشعر- أول ملحمة شعرية في التاريخ الإنساني. ولا يخفى على أحد أن النقاد يكادون يجمعون على أنها كانت المنطلق الذي بدأت منه، وسارت كل الملاحم فيما بعد، وأن خصائصها وموضوعها قواعد لكل الملاحم التي اقتفت آثارها، كما يقرر الأستاذ حسن محسن[31].

     هذا ومن الطبيعي أن تتفاوت آراء النقاد والدارسين في الشعر الملحمي، فمثلاً يرى الدكتور زكي المحاسني «أن كل شعر طال أو قصر، إذا وصفت فيه المعارك، وسردت فيه أخبار البطولة، ورويت فيه ملاحمات الجهاد هو من شعر الملاحم»[32]، وهذا الرأي لا يجعل النموذج اليوناني هو النموذج الذي ينبغي أن يحاكيه كل عمل ملحمي، ولعله أقرب إلى ذوق اللغة العربية وآدابها، فكلمة «ملحمة» في اللغة العربية تعني الوقعة العظيمة، والشعر الذي يتضمن أحداث المعارك ووقائعها هو شعـــر ملاحم. ويدعم رأي الدكتور زكي المحاسني أننا نجد أبا زيد القرشي في «جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام»، يطالعنا بسبع قصائد تسمى «الملحمات» كلها تشترك في تصوير الحياة البدوية وما يتخللها من لهو بريء أيام الصبا، ومن تطاحن عنيف بين القبائل أيام الحروب، وهذه القصائد للفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذي الرمة، والكميت، والطرماح.

     أما الملحمة عند الأستاذ أحمد حسن الزيات فهي «حكاية شعرية في الغالب لأمر خارق عجيب، أو عمل حماسي عظيم له أثر في حياة شعب بأسره، فهي تختلف عن الرواية بأنها تحكي الحادث وهذه تمثله، وعن التاريخ بأنها تخلق وتبالغ وتؤثر بالصور الكلامية الخلابة، وهو يروي ولا يبتدع، ويحقق ولا ينمق، ويصدق ولا يمين»[33].

     ويلتقي رأيا الأستاذين الزيات والمحاسني في أنهما لا يشترطان لوازم النموذج اليوناني للملحمة من تدخل الآلهة في المعارك وانحيازها إلى هذا الفريق أو ذاك، وبذلك هما أقرب للحس الإسلامي والعربي، وضمن هذا الفهم الواسع والمتسامح منهما للملحمة تدخل قصائد كثيرة قديمة وحديثة في باب الشعر الملحمي.

     أما الأستاذ سامي الكيالي فله رأي يقف على النقيض من رأي الدكتور المحاسني، فعنده «أن الملحمة عمل قصصي له قواعد وأصول، يشاد فيها بذكر الأبطال والملوك وآلهة الوثنيين، ويتألف من أناشيد عديدة نظمت في وصف حرب من الحروب ووصف جيوشها وأبطالها والأمكنة التي دارت فيها، تشترك الآلهة في وقائعها وتقوم على الخوارق والأساطير، وما أظن أن أرجوزة من بضع مئات من الأبيات مهما كان لونها تعد من أدب الملاحم»[34]، وواضح أن رأي الأستاذ الكيالي يجعل النموذج اليوناني هدفاً ومثلاً، ووفق معياره هذا لا يوجد شعر ملحمي في الأدب العربي قديمه وجديده.

     وللدكتور محمد مندور رأي يتجاوز الآراء السابقة جملة وتفصيلاً، ومؤداه أن فن الملحمة فن لا ينسجم مع طبيعة العصر، ومرد ذلك أن شعر الملاحم الذي ظهر في التاريخ القديم للبشرية كان مقبولاً لأنه يغذي في الناس يومذاك ما هم بحاجة إليه من بساطة وسذاجة وطفولة نفسية وعقلية مما لم يعد يحتاجه إنسان اليوم ولا يطيقه، ومن أجل ذلك لم تعد الإنسانية تقرأ وتشغف إلا بالملاحم القديمـــة «كالإلياذة والأوديسة والإنيادة في الغرب، والمهابهارتا والراميانا في الهند، والشاهنامة في فارس، والواقع أن الآداب الفنية في العصر الحديث قد تركت فن الملاحم للآداب الشعبية...، وأن محاولة بعض شعرائنا المحدثين كتابة الملاحم إنما هو ضرب من المجازفة الذي يتنافى مع حقائق الأدب المعاصر، بل حقائق النفس الإنسانية، وما نظن أن أحداً منهم يستطيع أن يهيئ في نفسه تلك الطفولة الغضة والسذاجة الساحرة التي يكمن فيها جمال الملاحم القديمة»[35]. وهذا الرأي المتفرد للدكتور محمد مندور يطوي صفحة الشعر الملحمي، ويجعلها تاريخاً أدى مهمته ذات يوم، ولم يعد يصلح للعصر ولم يعد العصر يطيقه.

     والدكتور مندور مصر على رأيه هذا لأننا نراه يؤكده مرة ثانية قائلاً: «ففن الملاحم يلوح أنه قد انقرض بانقراض العقلية البدائية والمرحلة الحضارية التي اتسعت له»[36]. ومرة ثالثة قائلاً: «إن فن الملاحم قد عفَّى عليه الزمن منذ عهد طويل بعد أن تخطت الإنسانية دور طفولتها الأولى التي كانت تخلق فيها الأساطير لتحيط بها معارك بطولتها، وتتغنى بتلك البطولات الأسطورية في سذاجة ساحرة»[37].

     وللدكتور الطاهر أحمد مكي رأي مشابه لرأي الدكتور مندور يقرر فيه: «وفي العصور الحديثة حاول عدد من الشعراء في اللغات المختلفة، ابتداء من عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر كتابة ملاحم، وكلهم فشلوا جميعاً وطوى الزمن ملاحمهم، ولم تعد الإنسانية تقرأ أو تعجب بغير الملاحم القديمة»[38].
❊❊❊

     ترى أين يقف شعر عمر أبو ريشة الملحمي في هذه الآراء النقدية المتعارضة إزاء الملحمة؟

     أياً كان الأمر فإننا سوف نقف على قصيدتيه الشهيرتين «خالد» التي نظمها عام 1938م، و«محمد» التي نظمها عام 1941م، ونتجاوز ما وعد به من أعمال لم تر النور على كثرة الوعد وتطاول الزمن.

     فإذا بدأنا بالقصيدة الأولى «خالد» التي تقع في تسعة وستين بيتاً، والتي تجري على البحر الخفيف الذي يؤثره الشاعر وعلى روي واحد هو النون المكسورة المسبوقة بألف ممدودة، نجد الشاعر يخاطب راويات الزمان في مقطع يشكل أربعة عشر بيتاً أولها:

لا تنامي يا راويات الزمـان     فهو لولاك موجة من دخـان

     وهو يطلب في هذه الأبيات من راويات الزمان ألا تغفل عن مهمتها في رواية التاريخ وتسجيل وقائعه، فبذلك يخلد التاريخ، وبدونه يصبح موجة ضائعة من الدخان تتبدد وتتلاشى، والعصور تظل غضة طرية، والحياة تظل تبسم، ذلك أن الراويات تسجل كل شيء، ولذلك يطلب منها الشاعر أن تلتفت إليه، وألا تبخل عليه بحكاياتها الملهمة وأساطيرها الموحية، فروحه ظمأى إلى ذلك تريد أن تجعل منها صلاة في القلوب وأغاني في الشفاه.

     ثم يطلب منها أن تجدد صلته بماضي المسلمين المجيد، لينفض الغبار عن أردانه، ولتستيقظ في وجدانه ذكريات الأجيال الكريمة ومواكب الطيوف الرانية ليجد نفسه في زمن البعثة الشريفة، والفتوح الهادية، والمجد والكرم والبيان، يحفل بذلك كله موطنه الصحراوي المقفر الذي يمتلئ قلبه إعزازاً له وإكباراً، فهو منبت المجد والجمال وهو ساحة الكرم والعطاء.

     وفي الأبيات الخمسة التالية نجد أنفسنا مع بني مخزوم، وهم قوم خالد، يستعدون لطلب الثأر من المسلمين في «أحد» لعلهم يغسلون ما حل بقريش من هزيمة في «بدر». وفي هذه الأبيات يرى الشاعر ونرى معه، خيام بني مخزوم تجوس خلالها الرجال والخيل في غضب يعصف بالعقول حيث يستعد القوم لرحلة الانتقام، وهدفها هو النبي الكريم ﷺ تريد الثأر منه، وينتهي المشهد والخيل مسرعة إلى «أحد» تخطف الأرض خطفاً.

     في المشهد التالي نجد أنفسنا في ساحة المعركة في «أحد» حيث يلتقي الحق الذي ينشد الهداية بالجاهلية السادرة في عبادة الأوثان، وتقوم المعركة عنيفة مهولة تتحطم فيها السيوف وتتقصف الرماح، وتلوح بشائر النصر للمؤمنين الذي تلهيهم بروق الأطماع عن واجب الجهاد، فما يشعرون إلا بسيوف المشركين تحيط بهم وتتخطفهم، وفي الطليعة فتى مقدام يطيح برؤوس المؤمنين وينتزع الإعجاب ببطولته وإقدامه، وهو خالد الذي لا ينسى أن هدف المعركة هو قتل النبي ﷺ، فيسرع نحوه، لكن شيئاً غير عادي يحدث، فمهره يكبو وسيفه لا يقوى وقدماه لا تتحركان، فيعود وفي قلبه هاجس كريم من هداية الله، وتلك هي إشراقة الإيمان الأولى التي ما تلبث بعد ذلك أن تفيض.

     ويراجع المؤمنون أنفسهم فيخجلون من تقصيرهم إذ عصوا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وخالفوا أمره حين حدد لهم واجباتهم القتالية مما أتاح الفرصة للمشركين أن يهزموهم، ومما أتاح الفرصة لبروز هذا البطل المخزومي الفريد الذي فتك بهم، غير أن النبي الكريم ﷺ ما يلبث أن يأخذ زمام المبادرة، فيجمع صفوف أصحابه من جديد، ويحذرهم من الزيغ والضلال.

     بعد ذلك يقفز عمر أبو ريشة فوق الأحداث ليطوي مرحلة زمنية يسلم فيها خالد ويموت فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويأتي عهد الخليفة العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لنجد الفتح الإسلامي يمتد في العالم، ولنجد خالداً أبرز رموزه وصانعيه، وعليه وشاح البطولة، ومن حوله زغاريد النصر وأناشيد الجهاد، وقد ظهرت عبقريته العسكرية المتفردة، وثباته ورباطة جأشه، يمضي في غرب الأرض وشرقها، وكأنه بجهاده البطولي لإعزاز الإسلام يكفر عما كان منه يوم أحد، ويصدق الفاتح العظيم مع الله عز وجل فيمُنُّ الله عليه بالنصر تلو النصر، فإذا صداه في كل مكان، وإذا المآذن تصدح بالأذان حيث حل، وإذا الروم في اليرموك يلقون على يديه شر هزيمة، تحمر الأرض من دمائهم، ويجري نهر اليرموك بجثث قتلاهم.

     ويتناقل المؤمنون في كل مكان أخبار الفتوح الرائعة التي يصنعها خالد للمسلمين، فإذا بالجميع رجالاً ونساء يتحدثون عنه، ويكادون يجعلونه سبب النصر، فيفطن إلى ذلك الخليفة العظيم، ويريد أن يقضي على الفتنة التي ربما تطل فينحيه عن القيادة ويؤمر عليه وعليها أبا عبيدة، فيكشف هـــذا العزل عن أصالة خالد ومعدنه النفيس وإيمانه القوي حيث لم يغضب للعزل، وازداد بطولة وتفانياً، ومضى يقتحم الأسوار، فقد راضته العقيدة على العطاء وطهرته من دواعي الأثرة المقيتة.

     بعد ذلك يأتي دور الشاعر الذي يناجي البطل الفاتح وهو بين يدي الله عز وجل ويعاهده أن يكون لسان حق لا يجبن عن الجهر به مهما عصف البغي، ويشكو إليه حالة الأمة اليوم، لكنه يلتمس لها العذر، فهي مازالت موئل البطولة والشجاعة، وكوارثها اليوم تعود أسبابها إلى من قادوها وتولوا أمرها.

     ويعود الشاعر في نهاية القصيدة ليناجي راويات الزمان يبثها حزنه ومتاعبه ويطلب منها أن تكون عوناً له فيما يلاقي من عنت ومشقة، ويطلب منها أيضاً أن تكون منارة للأجيال الجديدة تنفض عنها النوم وتهديها سواء السبيل.

     أما قصيدة «محمد»؛ فقد نظمها عمر أبو ريشة بعد ثلاث سنوات من قصيدته «خالد» ودائماً كان يضع بجوار عنوانها هذه الجملة «مقدمة ملحمة النبي» التي لم تر النور مع كثرة الوعود وتطاول الأيام، وتقع القصيدة في مئة بيت، وهي أيضاً على البحر الخفيف الذي يؤثره الشاعر، ولها روي واحد هو الهمزة المكسورة المسبوقة بألف ممدودة، ومطلع القصيدة:

أي نجوى مخضلة النعماء     رددتها حنـاجـر الصحراء

     تبدأ القصيدة ببزوغ فجر الرسالة المطهرة الذي يغضب قريشاً خوفاً على وثنيتها فتمشي إلى الكعبة المشرفة وترتمي على اللات والعزى تجأر بالدعاء وتطلب العون وتنحر القرابين، ثم تعود بعد ذلك وقد ركبها من جاهليتها العمياء الزهو والخيلاء، ولكن الشاعر ينظر إلى رعاية الله عز وجل للناس وهدايته إياهم، فيطلب منها ــ ساخراً ــ أن تعربد ما تشاء، لأن عربدتها لن تقف أمام قدر الله عز وجل الذي شاء أن تظهر النبوة في قفر مكة المكرمة على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، كما ظهرت من قبل في قفر سيناء على يدي موسى عليه السلام.

     بعد ذلك نجد أنفسنا في رحاب بني هاشم والبشر يخلع عليهم مطارف الخيلاء، والسعادة تملأ أقطار نفوسهم وهم يحيطون بالوليد العظيم اليتيم الذي تزاحم الغبراء تيهاً به مناكب الجوزاء.

     يلي ذلك المشهد الذي نرى فيه اليتيم الكريم في ديار بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية التي تحبه حباً جماً لما رأت فيه من خير وبركة ويمن، لذلك تحزن أشد الحزن حين ينتهي مقامه عندها ويعود إلى أمه آمنة، فما يلبث أن يفقدها كما فقد أباه من قبل فينشأ يتيم الأب والأم. ويشب اليتيم الكريم بعيداً عما يشيع بين أترابه من عماية وغواية متصفاً بكل خلق نبيل، فتجمع قريش على حبه وتلقبه بالأمين، وتنشر ذكره الطيب العطر بين الناس، ويجد نفسه بفطرته النقية وعقله الراجح رافضاً لوثنية قومه معتزلاً لها ناقماً عليها.

     وتأتي لحظة الخير والسعادة له ولقريش وللناس أجمعين حين يفاجئه جبريل عليه السلام في غار حراء طالباً منه أن يقرأ، ويقرأ اليتيم الكريم ما نزله عليه ربه عز وجل، فيكون النبي العظيم الخاتم، ويبدأ بذلك عهد النبوة الزاهر يحمله إلى كل مكان رسول كريم لم يعرف القراءة والكتابة.

     بعد ذلك نقفز ثلاثة عشر عاماً لنجد أنفسنا يوم الهجرة حيث هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة ليقيموا فيها دولة الإسلام، وتعمل قريش بكل وسعها لمنع الرسول الكريم ﷺ من الهجرة، وتعزم على قتله لكن الله عز وجل يبطل كيدها فيخرج ومعه الصديق إلى غار ثور ترعاهما عناية الله حتى إذا هدأ الطلب عنهما هاجرا إلى المدينة المنورة، وعادت قريش خائبة حزينة والرياح تعصف بالرمال وتنثره على وجوهها الغاضبة.

     بعد ذلك نجد أنفسنا في المدينة المنورة وقد وصلها الركب الكريم فهي سعيدة به، سعيدة بالدعوة الجديدة، وأذانها المبارك وصلاتها الطهور، سعيدة بالإنسان الجديد الذي تطهر من أدران الجاهلية ووهب نفسه للرسالة الكريمة، ولكن الغضب لم يزل يملك على قريش أقطار نفوسها، فهي حاقدة، عنيفة، عنيدة، تعتدي على من تناله أيديها، وتتردى في خسة تغضب المروءة وتستفز الغضب، مما يجعل الصدام بينها وبين الدعوة الجديدة أمراً لا مفر منه، وما كان ذلك ليروق للنبي الكريم ﷺ، ولكن الحلم إذا أخفق فلابد من السيف، وهنا نجد أنفسنا في مشهد جديد هو معركة بدر.

     تقع معركة بدر في السنة الثانية للهجرة بين الإسلام الهادي والوثنية المتخلفة، وكانت قريش في زهوها وقوتها وكثرتها خلافاً للمسلمين الذين كان سلاحهم الإيمان والعزيمة، ويبدأ القتال بالمبارزات الفردية فتكون الغلبة للمؤمنين، فتنشب المعركة العامة ويطغى الهول، والنبي الكريم يدعو ربه، ويمن الله عز وجل بالنصر على المؤمنين، فتعود قريش إلى ديارها خاسرة خائبة تبكي قتلاها، وتستعد للثأر ناسية أن الله عز وجل نصر المؤمنين في بدر نصراً باقياً شاءت أو لم تشأ.

     يلي ذلك مشهد يختزل أحداثاً كثيرة حيث يهزم المسلمون في أحد، لكن موكبهم الظافر لا يتوقف فتتوالى انتصاراتهم ويكون في قمتها ذلك اليوم السعيد الذي تفتح فيه مكة المكرمة، وتطهر من الأوثان، وتعلو راية التوحيد، ويقف الرسول الكريم ﷺ في قمة انتصــاره ليترفع عن الانتقـام ويفي بالعهود ويمن بالعفو الجميل على من أساء.

     نجد أنفسنا بعد ذلك في المشهد الذي يصور وفاة الرسول الكريم ﷺ، والحزن الذي يعصف بالمؤمنين، حتى يقع الفاروق ــ على جلالة قدره ــ في الخطأ حين يأبى أن يصدق خبر الوفاة، لكن الحقيقة ما تلبث أن تتضح وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات لكن دينه باق لا يتطرق إليه فناء.

     يقفز عمر أبو ريشة بعد هذا المشهد قفزة بعيدة نرى فيها الفتوح تتوالى، فتغمر بنعماها فيما تغمر الشام والعراق والأندلس، وتملأ الأرض عدلاً ونوراً.

     ويعود عمر أبو ريشة ليناجي الصحراء في آخر القصيدة كما ناجاها في بدايتها طالباً منها أن تعيد للعرب أمجادهم ذلك لأن دأبها العطاء ولو صمتت إلى حين.
❊❊❊

     بعد هذا الاستعراض الدقيق للقصيدتين، يمكن للدارس أن يقرر أن فيهما جملة من خصائص الشعر الملحمي التي تسوغ انتسابهما إليه، وهي:

(1) المطلع الذي يطلب فيه الشاعر العون، ويبدو ذلك من مخاطبة الشاعر راويات الزمان في مطلع قصيدته «خالد» حيث يطلب منها وعي التاريخ وتسجيله، ويطلب أن تبل غليله من حقائق وأساطير، يتعهد لها أن يحفظها ويردها لها صلوات لا تنتهي وأناشيد لا تبيد:

لا تنــامي يا راويـات الزمـــان     فهو لولاك موجـــة من دخـــان
تتـوالى عصـــوره وبهـــــا من     ـك ظـــلال طريـــــة الألـــوان
أبــداً تبســـــــم الحيــــاة عليـها     بســـــمة المطمئــــن للحدثـــان
أسمعيني حفيــف أجنـــحة الإلـ     ـهام من أفقـــــك القصي الداني
وانثري حوله الأسـاطير فـالرو     ح على شبـــه غصـة الظمـــآن
حسبــها أن أردها لك مــن قلـــ     ـبي صــلاة ومن شفاهي أغاني
راويات الزمان هل شعر الرمـ     ـل بنفض الغبـــــار عن أرداني

     وكما بدأ الشاعر قصيدته بمناجاة راويات الزمان، يختمها بمناجاته إياها مرة ثانيـــــة:

راويات الزمان ما لي أناجيـــ     ـــك وما لي أغص بالأشجـان
اغسلي الذكريات عني فما لي     في احتمال العبء الثقيل يدان
أو فسيلي مـراوداً تنثر الكحـــ     ـــل ضياء في مقلة الوسنـــان

     هذا العمل من الشاعر هو في حقيقته، تجاوز لعالم المادة، يتطلع فيه إلى قوى غيبية غير منظورة يستلهمها العون ويطلب منها الإلهام، ولعل الشاعر تذكر ما يزعمه اليونايون القدماء من أن هناك آلهة للفنون ومنها الشعر، تمنع أو تعين الشعراء الذين يظلون دائماً خائفين من منعها مؤملين في عطائها. وربما يكون قد نظر إلى استهلال هوميروس للإلياذة فتأسى به، وهو ما قرره الدكتور محمد فتوح أحمد، إذ جعل عمر أبو ريشة في افتتاح مطولته في خالد بمناجاة راويات الزمان إنما كان يحتذي خطا هوميروس في الإلياذة والأوديسة، وجعل نجوى الشاعرين ترجع إلى التعويل على فيض فني يتنزل إليهما من طاقة غيبية[39]. ومطلع عمر أبو ريشة جعل لقصيدته سمة ملحمية، ارتفع بها فوق الوقائع وفوق الجدية والرتابة والتكرار النمطي في حياة تتشابه باستمرار، وتحرر من أسرها، وعاد إلى عالم فيه الطفولة العقلية والنفسية، والبساطة الساحرة بحقائقها وأوهامها، والأحلام المجنحة، والأساطير الطريفة، والبدائية الأولى بسذاجتها وغرارتها وبعدها عن العقل والمنطق وما إلى ذلك، مما يلبي في النفس الإنسانية حاجتها حين تريد أن ترتد أحياناً إلى الطفولة التي تصدق الخرافات وتأنس للخوارق وتسعد بالأساطير.

     والملاحظ أن الشاعر لم يأت بمثل هذا المطلع في قصيدته الثانية «محمد» التي نظمها عام 1941م أي بعد ثلاث سنوات من قصيدته «خالد»، وقد يكون السبب أنه عدل عن الإحساس بضرورة محاكاة النموذج اليوناني، أو لأنه شعر أن مثل هذا المطلع لا يليق في مقام الحديث عن الرسول الكريم ﷺ، إذ كيف يأتي بأشياء وثنية أو أسطورية وهو يمجد الرجل العظيم الذي جاء دينه ليقضي على الأوثان والأساطير.

     وعلى كل حال لقد اختار عمر أبو ريشة في قصيدة «محمد» مطلعاً موفقاً صور فيه حاجة الجزيرة العربية إلى البعثة الشريفة تصويراً بديعاً جعل فيه الصحراء تردد نجواها المتعطشة إلى من ينقذها من ليل الجاهلية والوثنية والتيه والضلال وأشواقها إلى الفجر الجديد الذي سوف يبني لها حياتها على قواعد العدل والهداية والتوحيد والسلام، وما إلى ذلك مما كان يتردد لدى العقلاء والحنفاء والأحبار قبيل البعثة النبوية الشريفة، وكان يعد من إرهاصات البعثة ومقدماتها ومطالعها:

أي نجوى مخضلة النعماء     رددتها حناجــر الصحراء

     وكما كان مطلع الشاعر موفقاً كان ختامه موفقاً أيضاً، إذ ختم قصيدته بمناجاة الصحراء، رابطاً بينها وبين المجد، طالباً منها أن تعيد للعرب والمسلمين مجدهم، وفي هذا تذكير بمهد الرسالة الأولى الذي يرجى منه أن يكون مهد المنطلق الجديد، وفيه تذكير أيضاً بما يشيع في الصحراء من أخلاق الرجولة والمروءة والحرية والبطولة مما يعد لوازم لا غنى عنها لصانعي الانطلاقة الجديدة، وفيه أيضاً تذكير بهوية الجزيرة العربية وصحرائها، وهي هوية المؤمن صاحب القضية وحامل عبء الرسالة والعامل على نشر أنوارها في العالمين:

يا عروس الصحراء ما نبت المجـ
               ـــد على غـيــر راحة الصحـــراء
كلما أغرقت ليــــاليهــا فــي الصـ
               ـصـمـت قـــامت عن نبــأة زهراء
وروتها علــى الوجــــود كتــــابــاً
               ذا مضاء أو صارمــــاً ذا مضـــاء
فأعيـــدي مجــــد العروبـة واسقي
               من سنــــاه محـــاجــــــر الغـبراء
قد تـــرف الحيــــــاة بعــد ذبـــول
               ويليـــن الزمــــــان بعـــــد جفـــاء

     وهكذا بدأت القصيدة بالصحراء وما يتصل بها ويشيع فيها من تشوف وأمان ورغاب، وختمت بالصحراء وما يتصل بها ويشيع فيها من تشوف وأمان ورغاب، فبدأت بأمل محمود، وختمت بأمل محمود، وهو أليق ما يقال في مقام الحديث عن النبي الكريم ﷺ ورسالته الكريمة. وإذا تذكرنا أن قصيدة «خالد» بدأت بمخاطبة راويات الزمان وانتهت بمخاطبتها كذلك، وأن قصيدة «محمد» بدأت بالصحراء وانتهت بها كذلك، أمكن لنا أن نعد اختيار الصحراء في «محمد» بديلاً عن الراويات في «خالــد» عمــــلاً واعياً مقصوداً من الشاعـــر، تجنب فيه الأساطير وما يتصل بها إجلالاً لمقام النبوة، وحسناً فعل، واختار بديلاً مناسباً ومؤدياً وموحياً ووثيق الارتباط بالرسالة من قبل ومن بعد.

     وقد فطن الدكتور حلمي محمد القاعود إلى توظيف عمر أبو ريشة للصحراء في أول قصيدته «محمد» وآخرها هذا التوظيف الإيجابي فقال: «وإذا كان مطلع القصيدة ينطلق من الصحراء ومن اهتزازها للبشارة بمحمد فإن الشاعر يختتم أيضاً بمخاطبة الصحراء، ويرى فيها دائماً القدرة على النبت الجديد أو البشارة المتجددة كلما أغرقت لياليها في الصمت والسكون، ولعل خطاب الشاعر للصحراء كان محكوماً بحلمه الجميل في استعادة مجد الأمة أو العروبة التي طال ليلها وصمتها، وفي هذا المقطع الختامي، رغم ضجيج النصر وفرحة المنتصرين، رنـــة الأسى والحــزن على واقع الأمة وإحساس الشاعر بالذبول والجفـــاء»[40].

(2) الطول؛ إذ الملاحظ أن قصيدتي الشاعر طويلتان جداً بالقياس إلى أكثر شعره فقصيدته «خالــد» تقع في تسعة وستين بيتاً، وقصيدته «محمد» تقع في مئة بيت، والطول إحدى سمات الشعر الملحمي. حقاً إن القصيدتين لا تصلان في عدد أبياتهما إلى ما اعتاده الناس من طول القصيدة الملحمية، ولكنهما حين تقرنان إلى بقية شعر عمر أبو ريشة تبدوان طويلتين، ذلك أن أكثر شعره قصائد قصيرة، بل إن كثيراً من هذه القصائد لا يصل إلى عشرة أبيات، مما يدل على أن هذه القصائد كانت تعبيراً عن تجارب ومواقف محدودة خلافاً للقصيدتين الطويلتين «خالد» و«محمد».

(3) وثمة سمة ملحمية ثالثة نجدها في هاتين القصيدتين، وهي غياب الجانب الذاتي فيهما، وبروز الجانب الموضوعي، ذلك أن الشعر الملحمي تعبير عن وجدان جمعي وأمان عامة وهموم قومية لا مجال فيها لنوازع الشاعــر الخاصـــة، وهذا هــو ســر احتفاء الناس به، إذ يجدونه وكأنه يعبر عن نفوسهم جميعا خلافاً للشعر الذاتي الذي قد يتفاعل معه الناس، وقد لا يتفاعلون إذ لا يجدون ما يشدهم إلى تجارب ذات خصوصية مفرطة.

     ودراسة القصيدتين تدل على سيطرة الوجدان الجمعي عليهما، وهو من آثار التعميم الموضوعي الذي تستدعيه طبيعة الشعر الملحمي. ونحن لا نجد في قصيدة «محمد» أي جانب ذاتي ولو قل، ولا نجد في قصيدة «خالــد» إلا هذه الأبيات الثلاثة:

لا رعاني الصبا إذا عصف البغـ      ـي، وألفى فمي ضريح لســــاني
أقســـــم المجـــــد أن أقطـع أوتـا     ري عليـــه بأكــــرم الألحــــــان
أنا مـــن أمـــة أفـــاقت على العزْ     زِ، وأغفت مغـــموسة في الهوان

     وهذه الأبيات الثلاثة -وإن ظهرت فيها ذات الشاعر- هي بمنزلة توظيف لملكته البيانية من أجل قضية الأمة، فهو يأبى أن يسكت حيث ينبغي له أن يقول، خاصة أن المجد أقسم عليه أن يكون شاعراً ينشد أمته أناشيد البطولة ويحفزها إلى الخلاص مما هي فيه من هوان، ويطالبها أن تستشرف ما يليق بها من مكان بحكم جدارتها السابقة.

     وتبقى هنا قضية مهمة تتعلق بصلة الشعر الملحمي بالوجدان الجمعي الذي يعبر عن وجدان المجموع لا وجدان الفرد، وهذه القضية هي نظرة الشعراء خاصة في العصور التي تضعف فيها الأمة ويتكالب عليها أعداؤها إلى الشخصية المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. وخلاصة هذه النظرة أنهم يجدون فيها صورة المنقذ القومي إلى جانب صورة المنقذ الهادي الديني، وكأنهم يلتمسون من استلهام مواقفها وتاريخها وذكرياتها نصراً يغسلون به عار الواقع، ويتغلبون فيه على الأعداء. لقد سكنت الشخصية المحمدية بملامحها الغنية العظيمة وجدان كل عربي، «ولا شك أن الملامح المحمدية في صورتها العامة قد استولت على الاهتمام الأكبر للشعراء خاصة في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، فتوقف الشعراء عندها باعتبارها الملاذ الذي يناغي أحلامهم ويهدهد أشجانهم ويقودهم رغم أي شيء إلى تحقيق الحلم في الوجود الظافر القوي المتحضر، وقد اعتمد الشعراء على الملامح العامة كقناع يتحدثون من ورائه عن هموم الأمة وأحلام المسلمين في واقع أفضل، واتخذوها رمزاً يعبرون به أو يدافعون به عن هوية الأوطان الإسلامية وشخصيتها الذاتية. وقد رأى الشعراء العرب في هذه الملامح المحمدية صورة المنقذ القومي ورسول الإنسانية ورمز التفوق والحضارة، فقد نظروا إليه من خلال صورة المنقذ القومي باعتباره الأمل في حفز المسلمين على الجهاد والتضامن ومواجهة الأعداء وتجاوز الخيبة التي أصابت المسلمين في القرن الرابع عشر الهجري أمام جحافل المستعمرين والغزاة»[41].

     ولم يكن الشعراء العرب في العصر الحديث بدعاً فيما صنعـوه إزاء تعاملهـم مع الشخصية المحمدية حين وجدوها رمزاً للبطولة والإنقاذ والحكمة والنصر، فالقضية قديمة، وهي تبرز أكثر ما تبرز في فترات المواجهة العنيفة خاصة حين تكون الأمة مغلوبة والعدو غالباً، ففي زمان المواجهة الإسلامية مع التتر والصليبيين «كانت الشخصية المحمدية هي المحور الذي دارت من حوله الأشعار والمطولات باعتباره رمز الانتصار المؤزر والحكمة البالغة والبطولة الظافرة، وكان لذلك التصور أثره الكبير في صمود الشعوب العربية والإسلامية حتى تغلبت على الغزوة التترية والغزوات الصــليبية جميعاً...، وقد تعامل الشعراء في القرن الرابع عشر الهجري مع الشخصية المحمدية من خلال ملامحها الخاصة والعامة، بقصد الدفاع عنها والدفاع بها في وجه الهموم الذاتية والهموم الإسلامية والقومية والوطنية جميعاً، ولكل من حالتي الدفاع قيمتها الفنية وظروفها التي تبررها. وإذا كان معظم الشعراء المحافظين قد تبنوا حالة الدفاع عن الشخصية المحمدية، فإن الشعراء المجددين قد خطوا خطوة أكثر تقدماً حين دافعوا به في وجه الهموم والهجوم الذي قوبل به الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم في القرن الرابع عشر»[42].

     ويقرر الدكتور ماهر حسن فهمي أن الشعر الذي يدور حول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ازدهر في ثلاث فترات، الأولى: في فترة الدعوة الإسلامية أيام البعثة الشريفة، والثانية: في فترة الحرب الصليبية، والثالثة: في العصر الحديث. ويرجع سبب هذا الازدهار إلى إحساس المسلمين بالخطر الماحق في هذه الفترات الثلاث، بحيث يتلفتون باحثين عن حصن وملاذ وأمل، فيجدون في رسولهم الكريم ذلك كله. ويصف الفترة الثالثة بأنها: عصر التحدي الأكبر، نكون أو لا نكون، «ولذلك تعود المدائح النبوية قوة دافعة من جديد، وتعود السيرة مثلاً أعلى وقدوة يتبعها السائرون»[43].

     كما يقرر أيضاً أن المدائح النبوية ظلت قادرة على العطاء، تنبض بالحياة، وتمنح الإحساس بالأمان في فترات الشدة، وتكمن فيها قوة دفع كبيرة، وأن هذا التوجه في المدائح دار حوله كثير من الشعراء مثل محمد مصطفى الماحي وحسن عبد الله القرشي وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة[44]. ثم ينتهي إلى القول: «وهكذا يتضح في النهاية أن حياة الرسول ظلت نبعاً يتدفق بالعطاء على مدى السنين، وقد أثرت في الأدب العربي الحديث شعره ونثره بنفس القدر الذي أثرت به في أدب التراث، غير أن الأدب العربي الحديث أكثر ثراء وأشد تفنناً»[45].

     وهكذا غدا الرسول صلى الله عليه وسلم ملاذاً دينياً ووطنياً وجهادياً يفزع إلى نبوته وسيرته وبطولته وانتصاراته الشعراء خاصة في أيام الكوارث والخطوب، ذلك أنهم يجدون فيه البطل المجاهد والقائد المنصور الذي يحلم ويصفح ويعفو، لكنه إذا دعا داعي القتال قاتل خلافاً لنبي كريم آخر هو المسيح عليه السلام الذي لم يقاتل قط. من هنا وجدنا شاعراً مسيحياً كبيراً هو الشاعر القروي «رشيد سليم الخوري» يحث الناس في سورية على محاربة الفرنسيين أيام استعمارهم إياها، وذلك باتباع طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذي يدفع سيفه الظلم، لا طريق المسيح عليه السلام المتسامح حتى مع عدوه:

إذا حاولت رفع الضيم فاضرب     بسيف محمــد واهجــر يسوعــا

     وربما كانت مطولة عمر أبو ريشة «محمد» أشهر قصيدة بين مثيلاتها في العصر الحديث ذاعت وشاعت، وقد استلهم فيها الشاعر الشخصية المحمدية استلهاما موفقاً، ووظف سيرته المجيدة توظيفاً محموداً. فأبو ريشة «وقد استلهم التاريخ المحمدي في بناء قصيدته بناء متتابعاً متنامياً قائماً على التدفق والترابط، قد استطاع أن يوظف الشخصية المحمدية توظيفاً جيداً لجلاء ملامحها، ولتقديم نموذج البطل الذي يتجاوز كل العقبات ليحقق الانتصار الكامل والساحق»[46].

     وقد ظل للشخصية المحمدية هذا الحضور الملح في وجدان الشعر والشاعر الذي يوظفها في إطار التعبير عن الوجدان الجمعي، فنرى عمر أبو ريشة عام 1945م يذيع قصيدته «يا رمل» التي تأتي أهميتها في هذا المجال من ارتباطها بحدث هام في التاريخ الحديث، وهو إعلان الرئيس الأمريكي روزفلـت أن ميثاق الأطلسي كفيل الحريات الأربـع، لا أثر له في الوجود، فيحزن الشاعر لحال أمته، ويأسى لنكث القوي عهوده ومواثيقه، ويتجه إلى التاريخ فيرى في الشخصية المحمدية «المنقذ القومي» كما رآه من قبل. ومن هنا تأخذ القصيدة شيئاً من السمة الملحمية. وواضح أن الشاعر كان «يعالج من خلال قصيدته الواقع العربي الذي أصمته المحن، وعربد فيه المستعمرون، خاصة في فترة الحرب العالمية الثانية، والقصيدة بوضعها الذي هي عليه الآن أقرب إلى قصيدة «محمد» في البناء الشعري، وإن كان إلحاح الواقع يظهر بوضوح أكثر مع الإشارة إلى ميثاق الأطلسي الذي ما غير شيئاً، بل ازداد تحت ظلاله سفك الدماء وسفح العبرات والصراخ ألماً، ولعل الشاعر في بيتيه التاليين قد حالفه التوفيق:

وما المواثيق إن فاه القوي بهـــــا     ونصب الختل في أقداسها حكمــا
ما كان أغناه عن تزوير غايتــــه     من يحمل السيف لا يبري به قلما

     وتبدو القصيدة أكثر انتماء للعصر، من خلال تناولها الواقع، ولذلك نجد الشاعر يكشف عن غايته في المقطع الختامي، فيستدعي شخصية محمد ﷺ من أجل الإنقاذ القومي في إطار من التصوير الجميل والحلم الجميل أيضاً:

يا رمل رجع حداء في مسامعنــــا     هل حمل الركب بشـراه وما علما
قيثارة الوحي لم تجــرح لها وتـراً     أيدي الليالي ولم تحبــس لها نغـما
أمن سنـــا أحمـــد حر ستطلعــــه     وتطلع المجد في برديه مضطرما

فيرجع الأرض ريا بعـدما همدت ويمتطي الدهر غضاً بعد ما هرما»[47]

     وتلفتنا قصيدة «يا رمل» لعمر أبو ريشة إلى معنى آخر طالما ركز عليه الشعراء وهم يتحدثون عن الرسول الكريم محمد ﷺ، وهو الإشادة بالجانب الإنساني العام الذي يقدم الإسلام دين حضارة عالمية إلى جانب كونه دين قوة وغلبة وظفر، وهو بهذا البعد الحضاري الحافل بشتى الفضائل النبيلة يفضح زيف الحضارة المعادية التي تبطش بالمسلمين وتتنكر للعهود والمواثيق.

     وبهذا مثل الرسول الكريم ﷺ، كما مثلت رسالته بآفاقها الحضارية السامية النبيلة «لدى الشعراء العرب الجانب الإنساني الذي يتجاوز حدود الوطن القومية إلى الدائرة العالمية»[48].

     كما مثل «باعتباره رمزاً للتفوق والحضارة جانباً هاما لدى الشعراء العرب، فهو القائد المنتصر والقائد المتحضر والقائد المتفوق، وقد أكثروا من النظم في هذا الجانب ليواجهوا العالم الغالب والقاهر من حولهم، وقد كانت المقارنة بين المدنية الغربية والمعطيات الإسلامية من خلال الشخصية المحمدية عنصراً بارزاً في أعمال الشعراء، حيث ركزوا على إبراز الجوانب الحضارية التي تحث عليها الشخصية المحمدية في العلم والقوة والتفوق البطولة»[49].

     وكأن عمر أبو ريشة في قصيدته «يا رمل»، إذ يدين الغدر الغربي بتنكره لعهوده ومواثيقه يطالبنا بأن نوجه أبصارنا صوب الرسول الكريم ﷺ، لنستلهم منه ومن رسالته وانتصاراته ووفائه بالعهود دروساً في الإيمان من ناحية، وفي البطولة من ناحية، وفي الأخلاق من ناحية.

     وإذا كانت قصيدة «يا رمل» قد انتهت بالتطلع إلى الغد الظافر، حيث سيطلع الفجر الجديد مهتدياً برسالة الإسلام وأنوارها الهادية، وهو فجر واعد بكل ما ترنو إليه الأمة، وتصبو إليه من عز بعد ذل، ومجد بعد ضياع، وشباب بعد هرم، ونماء بعد جدب، فإن القصيدة الأخرى «محمد» تنتهي بتطلع مماثل إلى غد مماثل:

قد ترف الحياة بعـد ذبول     ويلين الزمان بعد جفـــاء

     وبهذا البيت يختتم عمر أبو ريشة قصيدته وهو يرنو إلى أمله المنتظر الذي يراه وشيك التحقيق في بعث الأمة التي تصنع النصر، وتبني الحضارة، وتشيد أركان المجد، وتستأنف حياة رغدة لينة بعد ذبول وجفاف.

     لكأن عمر أبو ريشة في قصيدته الملحمية هذه يبشر بأن صراع الأمة مع أعدائها سينتهي بفوزها، ومن هذه البشارة يبدو الحلم الجديد بالفوز «امتداداً للحلم الذي كان نبراساً في المسيرة الإسلامية الطويلة، وفي انتصاراتها الباهرة صاغه الشاعر في إطار فني متميز ومقتدر»[50].

(٤) والسمة الملحمية الرابعة في القصيدتين هي تلك الروح الغيبية التي تشيع فيهما، والتي تصلنا بأسرار الكون وما فيه من قوى مؤثرة غير منظورة، مع الفارق الذي لا بد منه هنا، وهو أن الملاحم القديمة تكثر فيها الخرافات والأساطير لسببين هما: وثنية قائليها، وطفولة العقل البشري يومذاك، خلافاً لموقف عمر أبو ريشة الذي نحى ذلك بعيداً بحكم إسلامه وطبيعة عصره.

     لقد احتلت الأساطير والخوارق والخرافات وما يتصل بها من سحر وغموض وإثارة وغيوب وأسرار حيزاً مهما في الملاحم القديمة، لذلك نرى النبوءات ونرى المبالغات، بل نرى للآلهة المزعومة حضوراً بارزاً، نجدها فيه تتدخل في الصراع بين البشر وتجتمع في الأولمب، وربما ائتمرت بهذا الطرف لصالح ذاك، وربما كادت كما يكيد البشر، وما من ريب أن هذا كله ثمرة من ثمار الوثنية التي سادت اليونان، وثمرة من ثمار العقل البشري الذي كانت فيه طفولة وسذاجة يصدق معهما ذلك.

     أما عمر أبو ريشة فليس له أن يفعل ذلك لأنه مسلم موحد نشأ في أسرة متدينة منذ صغره، وقد حدثنا عن الأناشيد الصوفية التي كان يشارك فيها في صغره حديث المحب لها المتذكر لنشوتها الروحية مع مضي أكثر من نصف قرن عليها[51]. ولما كان طالباً في مانشستر كتب مقالاً يدافع فيه عن الإسلام ويهاجم المنصرين[52]، وللشعر الإسلامي في ديوانه حظ وافر موضوعاتٍ ورموزاً وإشاراتٍ وإسقاطاتٍ. وليس له أن يفعل ذلك أيضاً لأنه رجل مثقف واسع الاطلاع غزير المعلومات، كثير الأسفار واسع العلاقات؛ يعلي من قيمة العقل الذي يرفض الوثنية ويأباها.

     على أن عمر أبو ريشة لم ينس أن في الكون جانباً من الغيب يقره الإسلام، ويجعله أحد أركان الإيمان، وهذا الغيب مقيد بما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فليس للبشر فيه نصيب من قريب أو بعيد، وبذلك يبقى في دائرة الصواب فلا تتسرب إليه وثنية أو خرافة أو وهم، خـــلافاً للغيب الذي نراه خارج الدائرة الإسلامية والذي يختلط ما فيه من حق وهو قليل بما فيه من باطل وهو كثير بسبب إضافة البشر إليه.

     وفي قصيدة «محمد» يوظف عمر أبو ريشة الغيب توظيفاً حميداً لا يخالف العقيدة كما نرى ذلك في أبياته التي يصور فيها لجوء النبي الكريم إلى غار حراء ونزول جبريل الأمين عليه ليهتف به «اقرأ» ويخبره بأن الله عز وجل اختاره نبياً كريماً:

وأتى طوده الموشح بالنـــــو     ر وأغفى في ظل غار حراء
وبجفنــيه من جــــلال أمانيـ     ـه طيــوف علويـة الإســراء
وإذا هــاتف يصيح به اقــرأ     فيــدوي الوجـــود بالأصـداء
وإذا في خشــوعه ذلك الأمْـ     ـمِــيُّ، يتلو رسالة الإيحــــاء
وإذا الأرض والسماء شفــاه     تتغنى بسيـــد الأنبيـــــــــــاء

     ونحن في هذا المشهد نلتقي بجبل يتوشح بالنور، ونرى الرسول الكريم ﷺ نائماً في الغار والأطياف السماوية تحيط به، وجبريل الأمين يطلب منه أن يقرأ، فيقرأ وهو الأمي ما نزله إليه ربه، وتتجاوب الأرض والسماء بالثناء على سيد الأنبياء ويبدأ من يومها عهد النبوة السعيد.

     ومن المواقف المتصلة بالغيب والأسرار ما نجده يوم الهجرة حيث تعزم قريش على قتل النبي الكريم ﷺ فيأتيه الصديق خائفاً عليه فيجده هادئاً مبتسماً عليماً بالأمر حيث جاءه الوحي بذلك وأمره بالهجرة فهاجر، وحين أقام مع الصديق في غار «ثور» ووصل إليه المشركون وكان بوسع أحدهم أن يراهمــا لو نظر إلى الغار من موقـــع قدميه؛ خاف الصديق فقال له الرسول الكريم مستشعراً عظمة الله تعالى ورعايته لهما: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما!؟». وقد وفق عمر أبو ريشة توفيقاً بعيداً في تصوير هذا الموقف:

جمعت شملها قريش وسلـــــت     للأذى كل صعـــــــــدة سمـراء
وأرادت أن تنقذ البغي مـن أحـ     ـمد في جنح ليلـــــــــــة ليـــلاء
فأتاه الصديق منخـــلـــع اللـــبْ     بِ مثاراً بأفــــــــدح الأنبــــــاء
فتلقــاه أحمـــد بــاســم الثغــــــ     ــر عليماً بما انطوى في الخفاء
أمر الوحي أن يحـــــــث خطاه     في الدجى للمدينـــــة الزهــراء
وأقاما في الغــــار والملأ العلــ     ـــوي، يرنو إليهمــــا بالرعـاء
وقفت دونه قريـــش حيــــارى     وتنزت جريحـــــــة الكبريـــاء
وانثنـت والرياح تجـأر والرمــ     ـــل نثير في الأوجـه الربـــداء

     وعناصر الغيب واضحة في المشهد، وخاتمة المشهد تزيدها قوة إذ نرى الرياح بأمر ربها عوناً للمهاجرين الكريمين تقف في صفهما ضد الأعداء، ولو أضاف الشاعر إلى ذلك الروايات التي تذكر الحمامة التي سكنت في مدخل الغار والعنكبوت الذي نسج خيوطه عليه لزادت العناصر الغيبية قوة وجمالاً وتأثيراً، ولاستفادت بالذات من الطرافة التي تأتي من تسخير حيوانات لا تعي لصرف أنظار العدو عن المهاجر الكريم وصاحبه.

     ومنها دعاء النبي الكريم ﷺ يوم بدر حيث كان يقود المعركة وهو شاعر بأهمية العصابة التي يقودها في مسيرة حركة التوحيد. فدعا وألح في الدعاء وفي عينيه الكريمتين طيوف الأمل، وفي يديه الكريمتين حفنة من رمال يلقيها في وجوه المشركين قائلاً: «شاهت الوجوه»، فتقشعر الأرض من رهبة الموقف:

وعيــون النـــبي شـــاخصة تـــر     قـص، في هدبها طيـوف الرجـاء
ودنت منه عصبة الإثم والمــــــو     ت، على راحهــــــا ذبيـــح عيـاء
فرماهــــــا بحفنــة مــــن رمــال     ورنــــــا ثـائــر المنى للعـــــــلاء
ودعا «شــــاهت الوجوه» فيا أر     ضُ اقشعري على اختلاج الدعاء

     ومن هذه المواقف المتصلة بالغيب ذلك الموقف الذي يصور فيه عمر أبو ريشة معركة أحد، وقد حقق خالد النصر فيها لذويه على المسلمين، ومضى صوب الرسول الكريم ﷺ يريد أن يقتله فإذا به يشعر بقوة خفية تحول دون ذلك: فرسه يكبو، وقدماه لا تنطلقان، ويداه تخذلانه حين يجرد سيفه. لقد سمرته هذه القوة الخفية وحالت بينه وبين ما يريد، فلا غرابة أن وقع في قلبه إحساس رباني بأن هذا الرجل الذي يريد قتله محفوظ يصونه قدر الله، ويرعاه قضاؤه، ويكون هذا الإحساس الرباني الخيط الأول الذي يدفع بخالد إلى الهداية:

دفع المهر مغضبـاً فكبا المهــــ     ــــر أمام النـبي بعــــد حــران
فانتضى سيـــفه وهم فلــم يقـــ     ــو، ولم تنطــــلق لـه قدمــــان
فارتضى بالسجــال وارتد حرَّا    ن، وفي النفس هاجس رحماني

(٥) والسمة الملحمية الخامسة التي نجدها عند عمر أبو ريشة هي وصف المعارك الذي يعد معلماً أساسياً من معالم الشعر الملحمي. إن تصوير المعارك ووصف البطولات والإشادة بالشجعان الذين لا يرهبون موتاً ولا ظلماً، أمر محبب إلى النفس الإنسانية التي تتوق بفطرتها إلى الحرية والعدل والحق، فإذا عجزت أن تحقق ذلك بنفسها سرت به وهو يتحقق على أيدي الأبطال الذين تروي الملاحم ما صنعوه منها، فترى فيهم أحلامها وآمالها، وتفرح لانتصارهم، وتحزن لإخفاقهم.

     وفي قصيدتي عمر «خالد» و«محمد» من الحديث عن المعارك ووصفها والإشادة بالبطولة والتغني بالإقدام، وإعلاء قيمة الشجاعة، وتصوير الصراع بين الخير والشر، والفرح بانتصار الخير، ما يوثق الصلة بين هاتين القصيدتين وبين الشعر الملحمي. وقد سبق أن مر بنا رأي الدكتور زكي المحاسني وهو «أن كل شعــر طال أو قصر إذا وصفت فيه المعارك، وسردت فيه أخبار البطولة، ورويت فيه ملاحمات الجهاد، هو من شعر الملاحم»[53].

     في قصيدة «خالد» يقدم لنا عمر أبو ريشة وصفاً لمعركتين، كان النصر فيهما حليفاً للبطل، الأولى: في معركة أحد قبل إسلام خالد حيث نرى ذوائب مخزوم التي ينتمي إليها البطل غاضبة زائغة الحلوم تستعد لقتال محمد ﷺ لعلها تدرك منه ثأر هزيمتها يوم بدر، وتدور المعركة في أحد، ويطغى الهول، وينتصر المسلمون في البداية، ثم يخسرون في النهاية لعصيانهم أوامر نبيهم وقائدهم ﷺ، وكان البطل المخزومي أبرز الفرسان الذين ساقوا النصر لقريش:

وإذا المشــــركون عاصفة هو     جــاء تدمي جوانب الميــــدان
وفتــــاهم ذاك المطوح بالهـــا     م، مثير الإعجاب في الفرسان

     أما الثانية: فهي في معركة اليرموك، حيث أسلم البطل وتفانى في الجهاد وكأنه يريد أن يكفر عما كان منه يوم أحد. وقبل أن يدخل الشاعر في وصف معركة اليرموك يخبرنا عن خالد أنه البطل المتثني بوشاح أرجواني، الذي تزغرد الانتصارات له، والذي يمعن في شرق الأرض وغربها مجاهداً صادقاً، تتوالى الفتوح بين يديه، ويقترن باسمه الظفر، فحيثما حل علا صوت الأذان، وبنيت المساجد، ورفرفت راية التوحيد. لكن الشاعر يشير إلى عقبة في طريق هذا الموكب المتواصل من الظفر وهي الروم الذين يعترضون طريق الرسالة الجديدة ويحشدون قوتهم لمحاربتها فلا بد لخالد إذن من مواجهتهم بالأبطال الذين استوى عندهم الموت والحياة:

وبدا الروم في ضـلال مناهم     شوكة فــــي معاقد الأجفـــان
فأتاهم بحفنــة من رجـــــــال     عندها المجـــد والردى سيان

     وتدور المعركة بين الروم والمؤمنين حاسمة عنيفة، فينتصر الإيمان، ويحمر وجه الأرض من دماء القتلى، ويمضي نهر اليرموك إلى غايته وهو يحمل الجثث الهامدة بعد أن صار قبراً لها:

ورماهـــم بهـــا وما هــــــي إلا     جولــــة فالتراب أحمر قـــــــان
وضلوع اليرموك تجري نعوشاً     حامـــــلات هوامــــد الأبــــدان

     أما قصيدة «محمد» فيقدم لنا فيها عمر أبو ريشة وصفاً حيا لمعركة بدر، نتعرف فيه على غيظ قريش وزهوها، وحشدها جيشاً لجباً لمحاربة الإسلام، وغرورها الذي يجعلها تسخر من المسلمين وجيشهم الضئيل بالقياس إلى جيشها، وروح التحدي التي تجعلها تطالب الأكفاء اللائقـــين بمبارزة أبطالها في القتال الفردي الذي يسبق القتال العام، ومصرع هؤلاء على أيدي أبطال المسلمين وعنف المعركة التي يطغى فيها الهول ويلتقي الند بالند، والهزيمة التي تحيق بقريش، والنصر الذي يصنعه الله عز وجل للإسلام والمسلمين في بدر:

وقريش في جيشها اللجب تسعى     بين وهج القنا وزهــو الحـــــداء
بلغت منحنى القليـــــب ولفــــت     من عليه ببسمــة استهـــــــــزاء
وأرادت أكفـــــــــــاءها فتلقـــــا     ها علــــــــي ذؤابــــة الأكفــــاء
جز بالسيف عنــق شيبة وارتــدْ     دَ إلى صحبه خضيــب الـــرداء
فطغى الهول والتقى النـد بالنـدء     دِ وماجا فـــي لجـــة هوجــــــاء
قضي الأمر يا قريش فســــيري     للحمى واندبي على الأشــــــلاء
يوم بدر يوم أغــر علـــــى الأيـْ     ـيَـام باق إن شئت أو لم تشائـــي
ركز الله فيــــــــــه أسمــى لـواء     وجثا الخلد تحـت ذاك اللــــــواء

     إن هذا الوصف للمعركة يذكر المرء بأبطال الإلياذة مثل: أخيل وهكتور وإينياس وهم في مواقف بطولية نادرة وشجاعة تأسر القارئ، ويضفي على القصيدة جواً ملحمياً أخاذاً. ولذلك قرر الدكتور محمد فتوح أحمد أن ما عمله هوميروس وعمر أبو ريشة من تصوير النموذج البطولي تصويراً يرتقي فوق مرتبة البشر، لم يكن محض مصادفة لأن كلاً منهما كان يصور تجربة ذات عبق ملحمي واضح[54].

(6) والسمة الملحمية السادسة في قصيدتي عمر أبو ريشة هي البناء القصصي، فمن المعلوم المقرر أن الشعر الملحمي يعنى كثيراً بالجانب القصصي الذي يأسر ألباب الناس وهم يستمعون إلى وقائعه المثيرة، وقد زينها الخيال والخارقة والمبالغة والأسطورة. وقد عني أبو ريشة بالسرد الروائي في قصيدتيه مع فارق كبير بينه وبين هوميروس، فهوميروس يطيل ويفصل ويلاحق الجزئيات ويتابع كل واقعة من بدئها حتى نهايتها، أما عمر فيستغني عن ذلك بسرد «انتقائي» يختار فيه موقفاً حياً، أو واقعة غنية ذات دلالة، أو مشهداً ذا ظلال وإيحاء، ويتحاشى السرد التقريري التسجيلي المفصل. وربما كان ذلك من عمر وعياً بطبيعة العصر الذي لم يعد يطيق بالضرورة ذوق عصر قديم. وربما كان أثراً من آثار الشعر العربي القديم الذي يميل بطبيعته إلى الإيجاز، وربما كان أثراً من آثار المذهب الرمزي الذي يجنح إلى الإيحاء، ويتحاشى التصريح، ويكتفي باللمحة المؤدية الدالة بدلاً من متابعة الدقائق والتفاصيل والجزئيات وحشدها.

     ففي قصيدته خالد لم يقف عمر أبو ريشة عند نشأة البطل وظروفه الأولى وطفولته، بل قفز قفزة بعيدة لنرى فيها بني مخزوم وهم ذوو البطل يستعدون لمعركة أحد، ولنرى البطل يشارك في المعركة فارساً متميزاً يحقق النصر لقومه، ويهاجم الرسول الكريم ﷺ فلا يقدر، وينشأ من جراء ذلك الخيط الأول لهدايته. ثم يقفز الشاعر مرة أخرى قفزة بعيدة يتجاوز فيها وقائع كثيرة ويضعنا في إطار معركة اليرموك والنصر الساحق الذي حققه المسلمون، ثم يشير إلى الموقف النبيل لخالد وهو يتلقى أمر العزل ويقاتل تحت إمرة الجراح راضياً متفانياً في سبيل المبدأ الغالي الذي جعل الجهاد من أجله هدفه الأعلى في الحياة. وهكذا اكتفى عمر أبو ريشة بهذه اللمحات المضيئة المتفوقة في حياة خالد عن التفاصيل الكثيرة التي تزدحم بها حياته الملأى بالأحداث والوقائع. ولعل الموقف الذي كان يجدر بالشاعر أن يضيفه إلى قصيدته هو وفاة خالد، فهو مشهد حي مؤثر، فيه تفوق وإثارة وروعة وفيه خاتمة حزينة مأساوية للبطل الذي يموت حتف أنفه، مع توقه الشديد للشهادة، ومع المعارك الكثيرة التي خاضها، ولو فعل ذلك لأغنى قصيدته وارتفع بها.

     وفي قصيدة «محمد» يميل الشاعر إلى السرد القصصي ميلاً واضحاً يزيد كثيراً على ما وجدناه في قصيدة «خالد»، فنحن نرى المولد الشريف الذي يجعل أقيال بني هاشم في سعادة وحبور، ونرى أبا طالب يقدم الأضاحي شكراً وابتهاجاً، ونرى الطفل الكريم في ديار بني سعد مع مرضعته وحاضنته، ونراه يعاني من موت أمه كما عانى من قبل من موت أبيه، ونرى شبابه العفيف المترفع عن لهو أترابه، ونرى عزلته في غار حراء ونزول الوحي عليه، ونرى الهجرة بظروفها وأحداثها المثيرة، ونرى المدينة المنورة سعيدة بالمهاجر الكريم، ونرى معركة بدر بمقدماتها وأحداثها ونتائجها، ونرى الفتح الذي تطهر فيه الكعبة المشرفة من الأصنام.

     لم يذكر عمر أبو ريشة بطبيعة الحال كل أحداث السيرة الشريفة، ولكنه اختار منها طائفة أحسن انتقاءها، وسردها سرداً قصصياً ملفعاً بالخيال والجمال دون مبالغة أو أسطورة أو خرافة، وبذلك اقتربت قصيدته من أصول الشعر الملحمي، واكتسبت سمة مهمة من سماته، وحققت قدراً كبيراً من المتعة الأدبية، وارتفعت درجات في مضمار الجلال والجمال، جلال القصص الشائق الواقعي، وجمال التصوير الحي البديع، وتجاوزت كثيراً من جوانب القصور التي عابت من سبقه، وحققت وحدة متجانسة نفسياً وشعورياً هيأت لعمله نوعاً من التفرد والامتياز.
❊❊❊

     هذا وإن لعمر أبو ريشة قدراً جيداً من القصائد، فيه سمات من الشعر الملحمي تتفاوت وتتناوب بدرجات مختلفة، من حيث: الإشادة بالبطولة، ومتانة الصياغة، وسطوة الألفاظ، وجلال المعاني، وحفز الهمم، وإشاعة الأمل، ووصف المعارك، واتقاد الحماسة، وقوة الموسيقى، وطول النص، والوجدان الجمعي، والعرض الشيق، والتصوير القصصي، قالها في مراحل عمره المختلفة، في شبابه، وفي كهولته، وفي شيخوخته، وهي من أجمل شعره وأفضله، وأجدره بالبقاء.

     واستعراض هذه القصائد يقود إلى النتائج التي خرجنا بها من قصيدتيه الشهيرتين «خالد» و«محمد» لذلك نكتفي بالإشارة إليها، وهي:

❊ قصيدته في المتنبي «شاعر وشاعر» التي قالها في عام 1935م، وتقع في ثلاثة وتسعين بيتاً، ومطلعها:

شاخص الطرف في رحاب الفضاء
               فـــوق طــــود عالي المناكــــب ناء

❊ قصيدته «قيود» التي قالها في ذكرى إبراهيم هنانو في عام 1937م، وتقع في أربعة وأربعين بيتاً، ومطلعها:

وطن عليـه من الزمان وقار     النور ملء شعابــــــه والنار

❊ قصيدته «شهيد» التي قالها في رثاء سعيد العاص في عام 1937م، وتقع في خمسة وستين بيتاً، ومطلعها:

نام في غيب الزمــــان الماحي     جبل المجد والنــــدى والسماح

❊ قصيدته «يا عوادي» التي قالها في رثاء الملك غازي في عام 1939م، وتقع في ستة وسبعين بيتاً، ومطلعها:

شهقة في الدجى وراء البـــوادي
               روعت خاطر الضحى المتهادي

❊ قصيدته «هذه أمتي» التي قالها إثر خروجه من السجن في عام 1945م، وتقع في اثنين وستين بيتاً، ومطلعها:

ما صحا بعد من خمار زمانه     فليرفه بالشــــدو عن أشجانه

❊ قصيدته «يا رمل» التي قالها في عام 1945م، وتقع في خمسين بيتاً، ومطلعها:

يا رمل ما تعب الحـادي ولا سئما
               ولا شكا في غوايات السراب ظما

❊ قصيدته «بلادي» التي قالها في رثاء سعد الله الجابري في عام 1947م، وتقع في سبعة وسبعين بيتاً، ومطلعها:

هيكل الخلد لا عدتك الغوادي     أنت إرث الأمجــــاد للأمجاد

❊ قصيدته «عرس المجد» التي قالها ابتهاجاً باستقلال سورية في عام 1947م، وتقع في تسعة وخمسين بيتاً، ومطلعها:

يا عروس المجد تيهي واسحبي     في مغانينا ذيــــــول الشهـــــب

❊ قصيدته في رثاء عدنان المالكي التي قالها في عام 1955م، وتقع في ثمانية وستين بيتاً، ومطلعها:

لا تحل بين جرحـه وضماده     
وترفق إن كنـــت من عـواده

❊ قصيدته «حكاية سمار» التي قالها في حفل تكريم الأخطل الصغير في عام 1961م، وتقع في ثلاثة وثمانين بيتاً، ومطلعها:

هل في لقائك للخيــال الزائر     إغضاء سال أم تلفـــت ذاكر

❊ قصيدته «الفارس» التي قالها في رثاء إميل البستاني في عام 1963م، وتقع في ثلاثة وخمسين بيتاً، ومطلعها:

كيف يرتد عن مداه مـراده     وعلى ملعب الخلود طراده

❊ قصيدته «بنات الشاعر» التي قالها في رثاء الأخطل الصغير في عام 1969م، وتقع في أربعة وخمسين بيتاً، ومطلعها:

نديك السمح لم يخنـق لـــه وتر     ولم يغب عن حواشي ليله سمر

❊ قصيدته «من ناداني» التي ألقاها في موسم الحج في عام 1972م، وتقع في ثلاثة وستين بيتاً، ومطلعها:

رد لي ما استرد مني زماني     فأراني ما الحلــم كان أراني

❊ قصيدته «أنا في مكة» التي ألقاها في موسم الحج في عام 1974م، وتقع في مئة بيت وبيتين، ومطلعها:

لم تزالي على ممـــــر الليالي     موئل الحق يا عروس الرمال

❊ قصيدته «أمرك يا رب» التي قالها في رثاء الملك فيصل بن عبد العزيز في عام 1975م، وتقع في اثنين وخمسين بيتاً، ومطلعها:

يا رب أمرك هذا لا أطيق له      رداً فأمرك يا ربـــي تولاني
❊❊❊

     وبعد: فإن بوسع الدارس أن يقرر أن لعمر أبو ريشة جهداً متميزاً في الشعر الملحمي، ومحاولة جادة مشكورة. صحيح أنه لم يتابع النموذج اليوناني متابعة دقيقة ولكنه حسناً فعل، فذلك النموذج لا يناسب العصر أولاً، ولا يناسب أبطال الشاعر وهو مسلم وهم مسلمون ثانياً. ولعل من الحكمة والإنصاف أن ندرك ما يلائم العصر والظرف والشاعر وأبطاله، في أي عمل ملحمي إدراكاً يوسع أمامنا دائرة الاختيار والتطوير، بحيث يكون لكل عصر وشاعر نوع خاص لملحمته، يعبر فيه عما يريد ويوصل للمتلقي الرسالة التي يريد.

     ولا يسع الإنسان المنصف إلا أن يشيد بشعر عمر أبو ريشة الملحمي، ويراه نسيجاً متفرداً عبر فيه عما أراد، واختار له الأسلوب الذي أراد، ووظفه توظيفاً إيجابياً لصالح دينه وأمته وبلاده، فذكر بالأمجاد، وأشاد بالبطولة، وأعلى من مكانة الإيمان، وحفز الهمم، وحارب العجز، وقارع البغي والطغيان، ودعا إلى بناء الغد على هدي الأمس، فكان شاعراً ذا رسالة كريمة، وهموم إسلامية وقومية ووطنية عامة، وكان مناضلاً ضد الاستعمار، وكان لسان صدق، وكان داعياً للجهاد، وكان حادياً للأمة، وكان رائداً لا يكذب أهله وكان بشيراً ونذيراً.
❊❊❊

-------------
[1] انظر: جورج غريب في كتابيه: "الشعر الملحمي تاريخه وأعلامه"، بيروت، دار الثقافة، 1985م، ص8. وسليمان البستاني في مقدمة الإلياذة" ص54.
[2] شعر الحرب في أدب العرب في العصرين الأموي والعباسي إلى عهد سيف الدولة، ص23.
[3] شعر الحرب في أدب العرب في العصرين الأموي والعباسي إلى عهد سيف الدولة، ص26-27.
[4] شوقي شاعر العصر الحديث، القاهرة، دار المعارف، ص54.
[5] عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، ص321.
[6] البارودي رائد الشعر الحديث، ط3، القاهرة، دار المعارف، ص93.
[7] شوقي شاعر العصر الحديث، ص26.
[8] بلابل من الشرق، ص60.
[9] شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ط3، القاهرة، دار المعارف، 1985م، ص12.
[10] أعلام الشعر العربي الحديث، بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، 1970م، ص53.
[11] شوقي أو صداقة أربعين عاماً، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1936م، ص22.
[12] شوقي شعره الإسلامي، ط2، القاهرة، دار المعارف، ص170.
[13] في أصول الأدب، ص176.
[14] شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص56.
[15] شوقي شاعر العصر الحديث، ص54.
[16] حلمي محمد القاعود، القصائد الإسلامية الطوال في العصر الحديث قراءة ونصوص، ص11.
[17] دراسات في الشعر العربي المعاصر، ص44-57.
[18] تطور الأدب الحديث في مصر من أوائل القرن التاسع عشر إلى قيام الحرب الكبرى الثانية، ص285-287.
[19] قضايا الشعر المعاصر، ص308.
[20] بلابل من الشرق، ص180.
[21] الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، ص199.
[22] قضايا الشعر المعاصر، ص343.
[23] الشعر والشعراء في العراق، بيروت، دار المعارف، 1959م، ص51.
[24] دراسات في الشعر العربي المعاصر، ص280.
[25] بلابل من الشرق، ص147.
[26] شعر الحرب في أدب العرب في العصرين الأموي والعباسي إلى عهد سيف الدولة، ص167.
[27] ديوان الخليل، 3/51.
[28] دراسات في الشعر العربي المعاصر، ص138.
[29] الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف، ص263.
[30] خليل مطران شاعر الأقطار العربية، القاهرة، دار المعارف، ص146.
[31] الشعر القصصي، القاهرة، دار النهضة المصرية، 1980م، ص115.
[32] شعر الحرب في أدب العرب في العصرين الأموي والعباسي إلى عهد سيف الدولة، ص23.
[33] في أصول الأدب، ص350.
[34] الأدب العربي المعاصر في سورية، ص385.
[35] فن الشعر، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ص8-9.
[36] الأدب وفنونه، القاهرة، دار نهضة مصر، 1974م، ص55.
[37] الشعر المصري بعد شوقي، 2/29.
[38] الشعر العربي المعاصر روائعه ومدخل لقراءته، ص74.
[39] واقع القصيدة العربية، ط1، القاهرة، دار المعارف، 1984م، ص88.
[40] محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر الحديث، ط1، المنصورة، دار الوفاء، 1408هـ/ 1987م، ص384-385.
[41] المرجع السابق، ص523-524.
[42] المرجع السابق، ص521-522.
[43] قضايا في الأدب والنقد رؤية عربية وقفة خليجية، ص93-94.
[44] المرجع السابق، ص97.
[45] المرجع السابق، ص125.
[46] حلمي محمد القاعود، محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر الحديث، ص385.
[47] المرجع السابق، ص385-386.
[48] المرجع السابق، ص524.
[49] المرجع السابق، ص524.
[50] المرجع السابق، ص183.
[51] المجلة العربية، الرياض، جمادى الثانية 1398هـ= مايو 1978م.
[52] عنوان المقال: التبشير الإسلامي وأثره في بلاد الغرب، وقد نشرته مجلة الجهاد الحلبية، في 6 مارس 1932م.
[53] شعر الحرب في أدب العرب في العصرين الأموي والعباسي إلى عهد سيف الدولة، ص23.
[54] واقع القصيدة العربية، ص89.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة