الاثنين، 24 يناير 2022

جود عرابة الأوسي

جود عرابة الأوسي

     كان الرجل يتحدث عن جودٍ قَلَّ أن وُجِدَ له مثيل، جودٌ يدل على صفاءِ نفس، ومضاءِ عزيمة، وثقةٍ باللّه عز وجل لا تشوبها شائبة.

     كان يتحدث وهو واثق أنَّ قصة ما عرفه من كرم عرابة الأوسي إنما هي حادثة نادرة، ستشد إليها الأعناق، وتجذب إليها الأسماع، وتنتزع الإعجاب الكبير المثير.

     ولم يكن الرجل يصول في غير ميدان، أو يحارب إذ لا فرسان، بل كان في حلبة سبقه إلى الحديث فيها صاحبان له، واحد يروي قصة كرم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وواحد يروي قصة كرم قيس بن سعد بن عبادة. وقد وقف هذا الصاحبان فجاء كل منهما في حديثه بالرائع المعجب. وإذن.. فإن الأمر خطير، وإذن.. فإن التنافس جدي، فالفرسان كرام، والسباق حاد عنيف.

     وقف الرجل يتحدث عن كرم عرابة الأوسي، بعد أن سبقه إلى الحديث صاحباه.. لكنَّ علائم الثقة كانت بارزة عليه.. وقف وقال:

     مضيت إلى عرابة، فوجدته قد خرج من داره إلى الصلاة، وإذا هو كفيف لا يبصر.. وإذا هو يتوكأ على عبدين له.. هما جناحاه يستعين بهما حيث يذهب، وحيث يعود.

     وحين شاهدت هذا المنظر، اشتدت بي الدهشة، وتملكني إحساس حار بالعطف والرثاء على هذا الرجل النبيل الذي لم تكد الأيام تُبقي له ما يستعين به.

     كادت قواي تتلاشى، وكاد وعيي يزول، ذلك أن الحزن استبد بي لمنظر عرابة، وهو متعب مهزول مكفوف. تمشت في مفاصلي رعدة قوية، واجتاح فؤادي تيار حزنٍ جارف، وهممت أن أعود من حيث أتيت.. لكنني كنتُ مندفعاً في أعماقي لأثبت للجميع أن عرابة الأوسي هو حقاً أسخى الناس.

     وتقدمتُ من هذا الضرير المتعَب فألقيت عليه السلام. وسارع إلى رده مسروراً حفياً، ووقف ينتظر.. لكأنه قد أحسّ أنني صاحب حاجة، جئت إليه أطلب منه العون والرفد.. لكنني وقد أحزنني المنظر، وجدت لساني حبيساً في فمي فما أنا بقادرٍ على الكلام.. ووقفت وأنا ساكت، ووقف عرابة وهو منتظر.

     وكأن ما اعتاده عرابة من جود قديم عُرِف به واشتُهِر، جعل له حاسة خاصة يعرف بها حوائج العفاة المعوزين.. لذا سارع إليَّ يقول: مَنْ.. وماذا تريد؟

     وسكت ينتظر.. ووجدتُ أنه لا بد لي من الكلام.. فقلت له: إني ابن سبيل، ومنقطع. ورأيت أسارير عرابة يعلوها الحزن الشديد، فقدّرت في نفسي عذراً لهذا الرجل النبيل، وأحسست أن ظني قد صدق حين قال لي: والله ما تركت الحقوق مالاً لعرابة، وهممت أن أعتذر منه، وأن أطيب خاطره، وأن أنطلق من فوري دفعاً لإحراج الشيخ الجليل النبيل الكفيف.

     وكِدت أحث خطاي، وأجمعت على النجاء مِن هذا الموقف الثقيل.. لكنَّ صوت عرابة جمَّد حركتي، ذلك أنه هتف بي قائلاً: خذ العبدين.

     وتساءلتُ في نفسي كيف آخذ العبدين وهما جناحاه؟ إني إنْ فعلتُ ظالمٌ ظالمٌ ظالم. لقد عرفتُ جوده وكفى!.. وقد فزتُ في السباق حيث أكدت أن عرابة الأوسي هو أسخى الناس.. وإذن فلْيَبْقَ للرجل الكفيف جناحاه، ولأذهب من فوري فقد كفاني ما شهدت من عرابة، حزناً وشفقة، وجوداً وإيثاراً وكرم نفس.

     جئتُ لعرابة فقلت له: بورك فيك، وجزيت خيراً، ما كنتُ لأقطع جناحيك.

     وحسبتُ أني أدليتُ عند عرابة بالحجة البيّنة التي لا تنقطع، والبرهان الناصع الذي لا يُرَد.. على أني قد كرمت عطاءه بالقبول في الوقت الذي هيّأت فيه كل أسباب الاعتذار.

     حسبت ذلك وأكدت له قولتي: "ما كنتُ لأقطع جناحيك"، لكنَّ الرجل فاجأني بما لم أكن أحسب.

     لقد قال لي: إنْ لم تأخذهما فهما حُرّان.. فإن شئت فخُذ، وإن شئت فأعتق.

     وأذهلتني المفاجأة التي لم أكن أتوقع، وعقد لساني الدهشة التي سيطرت على الموقف، وتركتني لا أملك شيئاً إلّا أن أعتصم بالسكوت.

     لكنَّ عرابة كان يتصرف بأسرع مما كنت أقدر.. لقد نفّذ في الحال أمره في العبدين.. فقد تركهما، وأخذ يتلمس الحائط في طريقه إلى المسجد.

     وكان منظراً لا يُنسى، منظرُ شيخٍ كفيفٍ مُتعب، يعتمد في طريقه إلى الصلاة على حائطٍ يتلمّسه بيديه، يحاول بذلك أن يدفع عن نفسه عثار الطريق.

     ومضى عرابة، ومضيت أنا، وقد أيقنت أنَّ عرابة أسخى الناس، ذلك أنه أعطى إذ أعطى عن ضيقٍ وقلة، حين أعطى الآخرون عن فضلٍ وسعة.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة