الأحد، 2 يناير 2022

الأستاذ عبد العزيز السالم صورة كلية

الأستاذ عبد العزيز السالم

صورة كلية

     حين دعاني صديقاي الفاضلان الأستاذان عبد الرحمن مرداس، والأستاذ عبد الرحمن المعمر للمشاركة في الملف الصحفي الذي أعدته ونشرته جريدة الجزيرة الغراء في «18/ 2/ 1426هـ، 28/ 3/ 2005م»، عن الأخ النبيل الشهم العف الفاضل معالي الأستاذ عبد العزيز السالم ـــ حفظه اللَّه - وجدت نفسي بين مخافتين.

     الأولى: أن كتابتي قد تؤولها ظنون سوداء تتهمني بالانحياز والثناء رعاية لحقوق الأخوة والزمالة والصداقة الطويلة لا أكثر، أي أني أقول أشياء لا أؤمن بها، وهذا أمر يقع باستمرار في الحياة عامة، وفي الصحف والمجلات خاصة، والدوافع كثيرة، منها المحمود، ومنها المذموم.

     الثانية: أن اعتذاري سوف يمنعني من قول الحق فيمن يستحقه، وإزجاء الثناء حيث ينبغي أن يزجى، وفي هذا إحجام مرفوض، وحساسية مفرطة، خصوصاً إذا انتفت الدوافع الدنيا وتأكدت الدوافع العليا لدى القائل والمقول فيه.

     ظلَلْت بين هاتين حتى استطاع أخي عبد الرحمن المعمر، بدعاباته المعهودة، وذكائه ومودته، وحسن تأتيه للأمور، ودالته عليّ، ومعرفته الطويلة بنا نحن الاثنين، أن يحسم الأمر معي، فأغلق جميع منافذ الاعتذار، وفنّد كل الظنون السوداء، وأبرز كل الدواعي الحميدة، فأقنعني بالكتابة، وحسناً فعل، فله الشكر الجزيل.

***

     بدأت الصلة في قسم اللغة العربية في كلية الآداب، جامعة القاهرة عام «1380هـ/1960م»، حيث كنا طالبين متفرغين للدراسة تماماً، اخترنا تخصصنا فيها عن قصد سابق، ورغبة قوية، وحب للعربية يبلغ درجة العشق، وحماسة للدراسة أوصلتنا إلى التفوق، ذلك أننا كنا - ولا نزال - نرى العربية ديناً يصان، وعرضاً يحفظ، وسياجاً للهوية، وحارساً للتراث، ونرى أن محبتها واجبة، والوفاء لها أمانة، والغيرة عليها عهد، وأنها أم اللغات، ولغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والأداة الأولى لفهم الإسلام، فضلاً عما فيها من غنى، وخصب، وامتداد، وجمال باهر، وقدرة على التجديد الذي يستوعب ضرورات العصر من مكتشفات وأساليب، مع حفاظ على الثوابت التي تحفظ لها أصالتها وكيانها.

     تلاقى فينا التخصص الدراسي مع هذه النظرة الرسالية إليه، فإذا بنا بعد قليل من اللقاء وكأننا أخوان ورفيقان وصاحبان منذ أول الدهر.

     كان هذا هو الخيط الأول الذي بدأت من خلاله الصلة، ثم تكشفت الخيوط الأخرى من ولاء للإسلام واعتزاز به، وحب للعروبة وإشادة بمكارمها، ونفور فطري أصيل من المبادئ المنحرفة التي كان لها يومذاك صولة وسلطان، وبذلك وقعت الألفة من دون كلفة، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، كما جاء في الحديث الشريف.

***

     هو مسلم عميق الإسلام من دون إفراط ولا تفريط، لم يحرص كثيراً على الشكل وإن لم ينتقص منه، ولكنه حرص على الجوهر كثيراً وحسناً فعل، فكانت عقيدته صحيحة سليمة، وإيمانه عميقاً نقياً، وعباداته كما يفعل الأخيار، وأخلاقه كما يحب الصالحون، نقي السريرة، نقي العلانية، ولعل الأولى خير من الثانية.

     سويُّ الفطرة يكره التكلف والشذوذ والتشدق والادعاء، يعيش بوضوح، ويعمل بوضوح، ويتحدث بوضوح، ويكتب بوضوح.

     يكره النفاق والمنافقين ويضيق ذرعاً بهم، ويراهم عبئاً على الحياة عامة وعلى الدعوة خاصة، وتزداد هذه الكراهية حين يلبس هذا المنافق أو ذاك لبوس الدين، ويتحول الدين عنده إلى حرفة لا رسالة.

     فيه ميل فطري إلى الزهد، لاحظت أنه آخذ بالازدياد في السنوات الأخيرة، ومما يجدر أن يروى هاهنا أنه لقي الشيخ الصالح أبا الحسن الندوي رحمه الله، في منتدى الأستاذ عبد العزيز الرفاعي رحمه الله، وكانت عنده فكرة كاملة عن زهد الشيخ وعفته ونقائه وترفعه، وتحدث الشيخ ما شاء اللَّه تعالى أن يتحدث والجميع مبهورون به مشدودون إليه، وحين انتهى سمعته يكلم نفسه بصوت خفيض - وكان مقعدي إلى جوار مقعده - فيثني على الشيخ، ويهنئ أي مسلم يموت فيسكن قبراً مثل قبره، وقد سررت بهذا المعنى كثيراً وفرحت به، وحين توفي الشيخ الصالح أكرمني اللَّه تعالى بقصيدة موفقة فيه، أودعتها هذا المعنى.

     عصامي صبور، بدأ السلم الوظيفي من درجاته الأولى، واستطاع بعون اللَّه تعالى قبل كل شيء، ثم بالصبر، والأناة، والإتقان، وحسن الخلق، وكتمان السر، ودقة العمل، وحسن التأني، ونظافة العقل والقلب واللسان واليد، أن يبلغ ذروة لعله زانها أكثر مما زانته.

     في مناصبه الدقيقة الحساسة؛ استطاع أن يحقق التوازن الحكيم والمطلوب والذكي، بين أمرين، بين واجبات هذه المناصب بما تستدعيه من دقة، وسرية، وأمانة، ووعي، وبين حقوق مراجعيه وزائريه من بشاشة الوجه، ولين الحديث، وخفض الجناح، وقضاء الحوائج، فظفر بثقة رؤسائه وحبهم، وظفر أيضاً بحب الناس.

     هذا النجاح المشهود له به في هذا الميدان يذكرني بأسماء أخرى ظفرت بمثله مثل معالي الشيخ صالح الحصين رحمه الله، ومعالي الدكتور عبداللَّه نصيف رحمه الله، وسعادة الأستاذ عبد الرحمن العبدان رحمه الله، وسعادة اللواء جميل الميمان رحمه الله. وأنا لا أستقصي؛ ولكني أتحدث عمن عرفت، لقد كان هؤلاء نماذج مشرفة لهذا النجاح، وقبل ذلك كله وبعده نماذج للاستقامة والإخلاص، وقوة الأمين، وأمانة القوي، وزهد القادر، وعفة الشريف، ممن يراقب سلوكه قبل أن يراقبه الآخرون، ويخاف على دينه قبل أن يخاف من القانون، ويضع نفسه حيث يدعوه الحق والشرف، وينأى بها عن مزالق الضعف والهوى، وبذلك سار بنفسه ولم تسر به، وقاد رغابه ولم تقده، وتلك سمة المعادن العالية، والنفوس النبيلة.

     محب للخير مفطور عليه، صنع الكثير منه في الخفاء والعلانية، ولعل ما صنعه في الخفاء أضعاف ما صنعه في العلانية.

     فيه تواضع أصيل يصدر عن نفس سوية أصيلة، لذلك تراه يعامل مَنْ دونه معاملة الأنداد، وفيه إباء مرده إسلامه وعروبته واستقامته، لذلك بقيت له شخصيته المستقلة وهو يتعامل مع رؤسائه، يحفظ لهم أقدارهم، ويحفظ لها قدرها.

     منظم، ملتزم، دقيق، في حياته كلها، في النوم، واليقظة، والطعام، والعلاقات الاجتماعية، وقد أعانه هذا على إدراك ما أدرك من النجاح في عمله الوظيفي الطويل، وفي التزامه بالكتابة الدورية المستمرة في الصحف، لكن هذا النجاح جار على جانب آخر من شخصيته هو جانب الأديب الدارس فانصرف عنه، مع أن في برديه الإمكانية المطلوبة ليكون دارساً جيداً، فهو طالب متفوق، وهو قارئ، دائم، وهو متابع للجديد، وهو حريص على الوقت، ثم إنه قادر على التركيز وضبط الأولويات.

***

     وأستأذن القارئ الكريم في رواية بعض الوقائع، التي شهدتها فيه، وهي تنطق بجوهره النبيل بأصدق لسان، وهي غيض من فيض.

· كنت أزوره في مكتبه في الرياض بين الحين والآخر، وأشهد صبره على المراجعين، ورغبته في قضاء حوائجهم، وبشاشته في وجوههم، وتزاحمهم عليه بما يعطل قدرته على خدمتهم في بعض الأحيان، فاقترحت عليه أن يجعل في جانب من مكتبه مجلساً صغيراً خاصاً يتيح له أن يخلو بهذا المراجع أو ذاك بعض الوقت، فهذا أنفع له وللمراجع، وأعون على تنظيم المراجعين حسب أدوارهم فأبى، وقال لي: دعني أكن كالأرض السهلة يؤمها الماء بسهولة ويسر.

· خرج ذات مرة من بيته ليصلي الفجر في مسجد مجاور ولم يكن الأذان قد رفع، فرأته دورية من رجال الأمن فاستوقفته وأخذت تسأله عن خروجه في هذه الساعة المتأخرة كما لو كان مشبوهاً، وهو يؤكد أنه ذاهب للصلاة، ولم يرض أن يخبرهم تصريحاً أو تلميحاً عن منصبه ومكانته، وخلال النقاش ارتفع صوت الأذان فتركته الدورية يذهب إلى المسجد وكأنها قد عفت عنه.

· تخرجنا من الجامعة عام «1383هـ/1963م»، وكنا طالبَيْن متفوقَيْن بفضل اللَّه تعالى، وكان الطلبة يحرصون على الحصول على شهادات التخرج، المتفوقون منهم وغير المتفوقين، أما هو فلم يحرص على شهادته في قليل أو كثير.

· افترقنا بعد التخرج خمس سنوات، ثم التقينا حين ذهبت أزوره في مكتبه في الطائف دون أن أخبره بذلك، ودخلت مع سواي من المراجعين، ولم أقل شيئاً حين وقفت أمام مكتبه واعتصمت بالصمت التام، فلما رآني وثب من مكانه محيياً ومرحباً ومعانقاً، وكأننا لم نفترق قط، فعلمت أنه هو هو، بل ازداد أصالة ووفاء وتواضعاً، خلافاً لسواه ممن يطيش صوابهم ويركبهم الغرور لبعض ما آتاه اللَّه تعالى إياه، وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال: (الناس معادن)، حقاً إنه معدن نبيل كريم.

     وكان نعم العون، ونعم الناصح، وأذكر أنه رآني في حاجة ماسة، منعني حيائي من ذكرها، ولكنه فطن إليها بذكائه ومروءته فقضاها لي، فتذكرت بموقفه هذا قول الشاعر القديم:

ولي صاحب كالسيف أبيضَ مصلتاً
               وهيهــــات منه كلُّ أبيضَ مصـــلتِ
رأى حاجتي من حيث يخفى مكانها
               فكانت قـــذى عينيه حتى تجــــــلتِ

     · كان له مقال أسبوعي في جريدة الرياض ظل ملتزماً به سنوات، مع كثرة أعبائه ودقتها وأهميتها، وذلك أمر يحسب له في سجل المزايا، وكان لا يوقع باسمه الحقيقي، بل يوقع باسم «مسلم بن عبد اللَّه المسلم» وهو ميزة أخرى له، وفيهما ما يدل بوضوح على دقة الالتزام، وعلى الزهد في الشهرة والأضواء.
***

     وبعد؛ فمعاذ اللَّه أن أدعي لأخي النبيل، أو لأحد من الخلق أجمعين، كمالاً أو عصمة، فالكمال للَّه تعالى وحده، والعصمة للأنبياء الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام وحدهم، ولكني أقرر - وعن معرفة يقارب مداها ستة عقود من الزمان - أنه مسلم صادق الإسلام، عربي نقي العروبة، حاز مجموعة من الفضائل الوَهْبية والكَسبية سكنت شخصه في إطار من التوازن والاعتدال فزانته وجعلته شامة بين الناس.
***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة