الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الأول - 14 - ملحق: مراث من نوع آخر

الفصل الأول
(الرثاء في شعر شوقي)

14- ملحق: مراثٍ من نوعٍ آخر:

     في ديوان شوقي لون من الرثاء لا يرثي فيه أعلاماً أو أصدقاء أو أقرباء بأعيانهم وإنما يبكي كوارث عامة، كحريق أو زلزال أو وباء أو سقوط دولة أو عزل حاكم، وهو ما ينبغي أن نقف عليه لاتصاله الوثيق بالرثاء، وهو نوع قديم في الأدب العربي، يشكل فيه باباً واسعاً، وفي ديوان شوقي الكثير الذي يستحق الوقوف عنده استكمالاً لدراسة مراثيه.

     من أجمل مانقع عليه بكاؤه بني أمية بكاء حزيناً مرتين، الأولى في سينيته المشهورة التي حاكى فيها البحتري، والثانية في نونيته الجميلة التي قالها في زيارته لدمشق.

     في القصيدة الأولى، يجد شوقي نفسه في حال مماثل لحال البحتري، فكلاهما محزون مصاب، وكلاهما يلتمس العبرة من خلال آثار باقية لدولة زائلة. وقد أحس شوقي بذلك فأشار إليه في مقدمة القصيدة، ثم ذكره في أحد أبياتها:

وعـــظ البحتري إيوان كســرى     وشفتني القصور من عبد شمس

     والأبيات التي يرثي فيها شوقي بني أمية وملكهم الزائل في الأندلس، آية في البيان الجميل، والتصوير الحي، والعظة النابضة بالحزن في حس تاريخي مرهف، يبدؤها على النحو التالي:

أيــن مروان في المشـــــارق عرش     أمــوي وفي المغـــــارب كــــرسي
سقــــمت شمســــهم فرد علـيـــــــها     نـــــورها كل ثـــاقب الرأي نطــس
ثم غـــابت وكل شمس سوى هاتيـــ     ــك تبـــلى وتنطـــوي تحــت رمس
وعـــظ البحتري إيوان كســــــــرى     وشفتني القصور من عبد شمس[1]

     ثم يصف أطلال القوم البالية في ربوع الأندلس الزاهية الجميلة، وصفاً ينتهي بالعبرة التي يلمسها بأصابعه الخمسة في قرطبة، حاضرة الدولة الأموية في الأندلس، وبدعاء جميل لها:

رب ليل سريت والبرق طرفي     وبســاط طويت والريح عنسي
أنظم الشرق في الجزيرة بالغـر     ب وأطوي البــلاد حزناً لدهس
في ديـــــار من الخلائف درس     ومنــــــار من الطوائف طمس
وربى كالجنان في كنف الزيتو     ن خضر وفي ذرا الكرم طلس
لم يرعني ســوى ثرى قرطبي     لمست فيه عبـرة الدهر خمسي
يـــــا وقى الله ما أصبــــح منه     وسقى صفوة الحيــــا ما أمسي

     ويعتز شوقي بقرطبة، تلك المدينة الصغيرة التي جعلها بنو أمية شيئاً مهماً جداً، لا في إسبانيا فحسب، بل في القارة الأوربية كلها:

قريـــة لا تعد في الأرض كانت     تمسك الأرض أن تميد وترسي
غشيت ساحل المحيــط وغطت     لجة الروم من شــــــراع وقلس

     ويمضي شوقي مع خواطره وأحلامه، فيخيل إليه أنه في تلك الديار أيام مجدها، في قصورها الباذخة، ومساجدها الجليلة أيام الجمع، والخليفة تأتيه الوفود باذلة الطاعة، وجامعة قرطبة يفد إليها الطلبة من مسلمين ونصارى للتعلم فيها، لكن السنة لا تلبث أن تزول عن عينيه والغفلة عن قلبه، فيرى الدار خاوية خالية:

ركب الدهر خــاطري في ثراها     فـــأتى ذلك الحــمى بعد حـــدس
فتجـــلت لي القصـــور ومن فيـ     ـــهـا من العز في منـــازل قعس
وكــأني بلغـــت للعــــلم بيتــــــاً     فيه مــال العقـــول من كل درس
قـدســـاً في البلاد شـرقاً وغربــاً     حجــــه القوم من فقيــــه وقـــس
وعلى الجـــمعة الجـــلالة والنــا     صر نور الخميس تحت الدرفس
سنـــــة من كرى وطيـــف أمان     وصحا القلب من ظلال وهجـس
وإذا الــدار ما بهـــا من أنيــــس     وإذا الـقــــوم ما لهـــم من محس

     ويبدع شوقي في تصوير المسجد الشهير في قرطبة وهندسته وسواريه ونقوشه ومنبره وقدمه، في مقطع جميل ينهيه بهذا البيت الذي يذكر فيه صقر قريش فارس بني أمية الأكبر في الأندلس ومؤسس دولتهم والبادئ ببناء الجامع العظيم:

صنعة الداخل المبارك في الغر     ب وآل له ميــــــــــامين شمس

     ثم ينتقل شوقي من قرطبة إلى غرناطة ليصور لنا حمراءها الشهيرة البديعة التي مشت فيها الكوارث، كما يمشي الموت في دار عرس فبقي لها رواؤها الرائع ودخل عليها حزنها الفاجع، فصارت أعجوبة يزورها الناس، يقرؤون فيها تاريخاً عزيزاً حزيناً، وينقلون الطرف في عجائبها، وخاصة في ((بهو السباع)) أغلى ما بقي منها، حيث بقيت الأسود تمج الماء في قاعة أقفرت من رباتها اللاتي كن يمشين فيها وكأنهن الأقمار:

مشت الحادثات في غرف الحمـ     ــراء مشي النعي في دار عرس
هتكت عزة الحجــــاب وفضــت     ســـدة البـــاب من سميــر وأنس
عرصـــات تخلت الخيـــل عنها     واستراحت من احتــراس وعس
لا ترى غير وافـدين على التــــا     ريخ ساعين في خشــوع ونكـس
قــلوا الطرف في نضــــارة آس     من نقوش وفي عصــارة ورس
وقبــــاب من لازورد وتبــــــــر     كالربى الشـــم بين ظل وشـمس
وخطـــوط تكـفـــلت للمعـــــاني     ولألفـــاظها بـــأزين لـبـــــــــس
وتـــرى مجلس السبــاع خـــلاء     مقفر القــــاع من ظبـاء وخنــس
لا الثريــــا ولا جواري الثريـــا     يتنـــــزلن فيه أقــــــمار إنــــس
مرمر قـــــامت الأســـــود عليه     كلة الظفــــر لينــات المجـــــس
تنثــر الماء في الحيــاض جماناً     يتـــــــــنزى على ترائــب ملـس

     ويبدع شوقي في تصوير آخر عهد المسلمين بالجزيرة الأندلسية، حيث تنكس راياتهم ويغلبون، ويسلم آخر ملوكهم أبو عبدالله الصغير مفاتيح الحمراء للغالب الإسباني، ثم ما يلبث أن يطرد المسلمون فتحملهم السفن كما تحمل النعوش الموتى، على عكس حال أجدادهم الفاتحين الذين كانوا فيها كالملوك على عروشهم:

آخـر العـــــهد بالجزيـرة كانت     بعد عرك من الزمان وضرس
فتــــراها تقول راية جيـــــــش     بــــاد بالأمس بين أســر وحس
ومفـــاتيحــــها مقـــــاليد مــلك     بــاعها الوارث المضيع ببخس
خـــرج القوم في كتــــائب صم     عن حفاظ كموكب الدفن خرس
ركبـــوا بالبحـــار نعشاً وكانت     تحت آبـــائهم هي العرش أمس

     وينتهي شوقي إلى حكمة فلسفية هي: خلاصة عبرة، وعصارة تأمل، وزبدة تجربة، يختم بها قصيدته الرائعة، ملتمساً العبرة من تغير الدنيا وتنقلها، مؤكداً فيها المعنى الذي ظل يكرره حتى عرف به واشتهر، وهو أن الأخلاق هي قوام الأمم والدول، والذي يخسرها يخسر كل شيء، وأن التاريخ سفر من العبر والدروس يستفيد من النظر فيه من يلتفت إليه، ويخسره من يصد عنه:

رب بـــــان لهــــــادم وجمـــوع     لمشـــــت ومحســــن لمخـــــس
إمـرة النـــــاس همة لا تــــــأتى     لجبــــان ولا تســــنى لجبـــــس
وإذا ما أصـــاب بنيـــان قـــــوم     وهي خـــلق فــــــإنــه وهي أس
وإذا فــــاتك التفـــــات إلى المــا     ضي فقد غاب عنك وجه التأسي

     أما القصيدة الثانية التي يبكي فيها شوقي بني أمية، فهي قصيدته الرائعة التي نظمها إبان زيارته لسورية عام 1925م، حيث كرمه المجمع العلمي في دمشق، ومطلعها:

قم نـــاج جلق وانشد رسم من بــــانوا
               مشت على الرسم أحداث وأزمان[2]

     واقتران دمشق ببني أمية أمر حي في وجدان العربي والمسلم، فقد كانت عاصمة دولتهم منذ آلت إليهم أمور الخلافة حتى انتزعها منهم بنو العباس. وفي دمشق عظم مجدهم وعزت كلمتهم ومنها خرجت فتوحاتهم المظفرة.

     يشيد شوقي بأعمال بني أمية التي جعلت سلطانهم يعلو شرقاً وغرباً كأنه الشمس فدخلوا التاريخ بجدارة وقوة:

بنـــــو أمية للأنبـــــاء ما فتــــحوا     وللأحـــاديث ما سادوا وما دانـــوا
كانوا ملوكاً سرير الشـــرق تحتهم     فهل ســألت سرير الغرب ما كانوا
عالين كالشمس في أطراف دولتها     في كل نـــاحيـــــة ملك وسلطـــان

     ثم يبكيهم شوقي لزوال دولتهم، كما بكاهم على طلولهم في الأندلس ويشيد بمجدهم الباقي على الزمان، الذي لا ينقصه أن مالت به الدنيا كما لا ينقص الذهب أن يكون في التراب، ويذكر بدور دمشق الرائد في بناء مجد الأندلس وبغداد:

ياويح قلبي مما انتــــــاب أرسمهم     سرى به الهم أو عادته أشجــــــان
بالأمس قمت على الزهراء أندبهم     واليوم دمعي على الفيحـــاء هتـان
في الأرض منهم سـماوات وألوية     ونيـــــرات وأنـــــواء وعقبــــــان
معـادن العــز قـد مال الرغام بهـم     لو هان في تربه الإبريز ما هـانوا
لولا دمشـــق لما كانت طليــــطلة     ولا زهت ببــــني العباس بغــدان

     وفي أبيات شجية مؤثرة يقارن بين حال المسجد الأموي في دمشق بالأمس يوم كان خلفاؤها يصلون فيه ويقودون منه دولتهم، وبين حاله اليوم، وأهل دمشق في ضعف تحت حكم الفرنسيين، وبنو أمية خبر من الأخبار:

مررت بالمسجد المحـزون أســـــأله
               هل في المصلى أو المحراب مروان
تغيـــر المسجد المحزون واختـــلفت
               على المنـــــابر أحرار وعبــــــــدان
فـــلا الأذان أذان في منــــــــــــارته
               إذا تعــــــــــــــــالى ولا الآذان آذان

     وقصيدة شوقي هذه من درر قصائده، وأبياتها في بني أمية وفي مسجدهم الشهير قمة رائعة، موضوعاً ولغة وموسيقى وعاطفة وتصويراً.

ولشوقي عدة مراث رائعة يتحسر فيها على ما أصاب الخلافة العثمانية لما ألغاها مصطفى كمال، تذكرنا بالمراثي الشهيرة التي قيلت في الأندلس، حيث تلتقي معها في بكاء دين يحارب، ودولة تزول.

في القصيدة الأولى يهنئ شوقي أنقرة بجعلها عاصمة الدولة، ويعزي إستامبول بسلبها هذا الأمر، ويناجي الخلافة التي بدت أمارات غروبها مناجاة حزينة، يتخوف فيها على رايتها التي أفلت وعلى الدين الذي مثلت، ويهيب بها أن تعود إلى ما كانت عليه في فجرها الأول. ولقد كانت مخاوف شوقي في مكانها، إذ لم تلبث الخلافة أن ألغيت في العام التالي:

قـــل للخـــلافة قول بـــــاك شمســها
               بالأمس لمــــا آذنت بـدلــــــــــــــوك
يـــا جذوة التوحيــــــد هل لك مطفئ
               والله جـــــــل جـــــلاله مذكيـــــــــك
خلــــت القرون وأنت حرب ممــالك
               لم يغــف ضــــدك أو ينــم شـــــانيك
يرميـــك بالأمم الزمان وتــــــــــارة
               بالـفــــرد واستـبـــــــداده يرميــــــك
عودي إلى ما كنت في فجـــر الهـدى
               عـمر يسوســـك والعتــــيق يليــــــك
إني أرى الشورى التي اعتصموا بها
               هي حبــــل ربك أو زمام نبـــيك[3]

     ويدور العام وتتحقق مخاوف شوقي، فتلغى الخلافة ويسفر مصطفى كمال عن حقيقته ويحارب الإسلام حرباً شعواء، فينظم شوقي قصيدته الرائعة:

عادت أغاني العرس رجع نواح
               ونعيت بين معالم الأفــــراح[4]

     وهي قصيدة دامعة حزينة يبكي فيها الدين، ويبكي الدولة الزائلة، ويعتذر عن ثنائه على مصطفى كمال بالأمس، ويطلب من العالم الإسلامي نصحه لعله يرتدع، ويحذر من الشريف حسين الذي كان يطمع أن تؤول إليه الخلافة، وهو لا يراه جديراً بذلك خاصة أنه تعاون مع الإنجليز في الحرب العالمية الأولى. يبدأ شوقي قصيدته على النحو التالي:

عادت أغاني العرس رجع نواح     ونعيت بين معـــــــــالم الأفراح
كفنــــت في ليل الزفـــاف بثوبه     ودفنــــت عند تبلج الإصبـــــاح
شيعت من هلع بعبرة ضــــاحك     في كل ناحيــــة وسكرة صـــاح
ضجـــت عليك مــآذن ومنـــابر     وبكـت عليك ممــــالك ونـــواح
الهنــــد والهــة ومصر حزينــة     تبـــكي عليك بمدمع سحـــــــاح
والشــام تسأل والعراق وفارس     أمحا من الأرض الخـلافة مــاح
وأتت لك الجمع الجــلائل مأتماً     فقعــــدن فيه مقـــــــاعد الأنواح
يا للرجــــــــال لحـــرة موؤودة     قتــــلت بغير جريرة وجنــــــاح

     وهي أبيات حزينة فيها روعة المطلع الذي يصور حجم الكارثة، والمفاجأة التي قلبت الأفراح أحزاناً، وهو ما زاد في الاستغراب والذهول، فاختلطت معالم الأفراح الزائلة بمعالم المصيبة الداهمة، وشعر المسلمون في كل مكان بالمأساة، فبكوا خلافتهم بكاء مريراً شاركت فيه جميع ديارهم، وضجت به مساجدهم ومنابرهم ومنائرهم وأيام الجمع بكل جلالها وهيبتها.

     ويمضي في تصوير المأساة تصويراً حياً دامعاً، نجد فيه الخلافة وهي أعظم أمجاد المسلمين تزول، بعد حسب طويل عريق، جمعت فيه الناس على كل خير وبر، وعلى الصلاة خاصة وهي المظهر الأول للدين، فلا غرابة أن بكت ما جرى من الضلال البين والكفر الصريح:

هتـــكوا بأيديــــهم ملاءة فخــــرهم     موشيـــــة بمواهب الفتــــــــــــــاح
نزعـــوا عن الأعناق خير قــــلادة     ونضوا عن الأعطاف خير وشــاح
حســـب أتى طـــول الليــــالي دونه     قـد طـــاح بين عشيــــة وصبـــاح
وعلاقـــة فصمت عرى أسبـــــابها     كـانت أبــــر عـلائــــــــق الأرواح
جمعت على البر الحضور وربمــا     جمعت عليــــه سرائــــر النــــزاح
نظمت صفوف المسلمين وخطوهم     في كل غــــدوة جمعـــــــة ورواح
بكت الصـــــلاة وتلك فتـــنة عابث     بالحــــق عربيد القضاء وقـــــــاح
أفتى خـزعبــــــلة وقال ضـــــلالة     وأتى بكفـــــر في البـــــــلاد بـراح

     ويجد شوقي نفسه في موقف لابد له أن يدافع فيه عن نفسه ويبرر هجومه اليوم على من كان يمدحه بالأمس، وهو مصطفى كمال، ويحسن انتقاء العذر المنطقي، إذ يبين أن مصطفى كمال ومن معه هم قادة عسكريون لا يتفاهمون إلا بلغة القوة، ثم إن الحق أكبر من الناس، وحسب موقف الناس منه يلامون أو يمدحون:

إن الذين جـــــرى عليهم فقـــهه     خلقـــوا لفقه كتيبة وســـــــــلاح
إن حدثوا نطقوا بخرس كتــائب     أو خوطبوا سمعوا بصم رمــاح
أستغفر الأخلاق لست بجــــاحد     من كنــــت أدفــع دونـه وألاحي
مـــالي أطوقـــه الملام وطالمــا     طوقتـــه المــــأثور من أمـداحي
هو ركن مملـــكة وحـــائط دولة     وقريع شهبــــاء وكبش نطــــاح
أأقول من أحيا الجمــــاعة ملحد     وأقول من رد الحقوق إبـــــاحي
الحـــق أولى من وليــــك حرمة     وأحق منــــك بنصرة وكفـــــاح
فامدح على الحق الرجال ولمهم     أو خل عنك مواقف النصــــــاح

     ويناشد شوقي المسلمين أن يؤدوا النصح لمصطفى كمال، فربما ثاب، وربما رجع عن غروره الذي أسكره فصار يتعامل مع العقائد والمبادئ، كما يتعامل مع قطع الجيش في ساح المعركة، وفي لفتة ذكية يحمل شوقي الناس مسؤولية ما أصاب مصطفى كمال من غرور، ذلك أنهم أطاعوه، وأطلقوا يده دون قيد، فكادوا يجعلونه شبحاً يعبد:

أدوا إلى الغازي النصيحة ينتصح     إن الجــــواد يثوب بعد جمــــــاح
إن الغـــرور سقى الرئيس براحه     كيف احتيــــالك في صريع الراح
نقـــل الشرائع والعقائد والقــــرى     والنــــاس نقل كتائب في الســـاح
تركتـــه كالشبــــح المؤلـــــه أمة     لم تســـــل بعد عبادة الأشبــــــاح
هم أطلقــــوا يده كقيصـــــر فيـهم     حتى تنــــــاول كل غير مبــــــاح
غرته طاعــــات الجموع ودولــة    وجــد الســواد لها هوى المرتــاح
وإذا أخــــذت المجـــــد من أميــة     لم تعــــط غير سرابـــــه اللمـــاح

     ويبين شوقي دوره في الدفاع عن الخلافة، والنصح للمسلمين، ابتغاء مرضاة الله عز وجل، ويجعل من نفسه المصباح الذي يظل يضيء بكل طاقته لينير درب الحق لقومه:

من قـــائل للمسلمين مقـــــالة     لم يوحها غير النصيــحة واح
عهـــد الخلافة في أول ذائـــد     عن حوضها بيـــراعة نضاح
حب لــــذات الله كان ولم يزل     وهوى لذات الحق والإصلاح
إني أنا المصباح لست بضائع     حتى أكون فراشة المصبـــاح

     ويحذر شوقي المسلمين من الشريف حسين، شريف مكة المكرمة، ومن مطامعه في أن تؤول إليه الخلافة، فهو عاجز لا قدرة له، ثم هو الذي انضم بالأمس إلى الإنجليز في الحرب الأولى فكان من أسباب مصائبهم، ويختم قصيدته بالتنبيه إلى كثرة الفتن التي سوف تحل بالمسلمين بعد إلغاء خلافتهم:

لا تبـــــذلوا برد النبي لعـــــاجز     عزل يدافـــــع دونـــــــه بالراح
بالأمس أوهى المسلمين جراحة     واليوم مد لهــــم يــد الجـــــراح
فـلتســـمعن بكل أرض داعيــــاً     يدعــو إلى الكــذاب أو لسجــاح
ولتشــــهدن بكل أرض فتــــــنة     فيها يبــــــاع الدين بيع سمـــاح
يفتى على ذهب المعــــز وسيفه     وهوى النفوس وحقدها الملحاح

     والحقيقة أن قصيدة شوقي هذه درة من درره الخالدة تفيض بأحر الدمع على دولة تطوى، ودين يحارب، لتأخذ مكانها المتميز بين مثيلاتها التي قيلت في رثاء الدول والممالك.

     أما الرثاء الثالث فهو يأتي ضمن قصيدته التي قالها شوقي بمناسبة إطلاق سراح عدد من السجناء، وهي قصيدة تنتهي باثني عشر بيتاً في الخلافة الملغاة.

     وفي هذه الأبيات ينكر الشاعر صنيع الكماليين في الإلغاء فليس لهم الحق الذي يخولهم أمراً خطيراً يعني المسلمين جميعاً، ويقرر أن جهل المسلمين كان عوناً للكماليين، فلولا الجهل ما كان لهم أن يفعلوا دون خوف من غضب أو اعتراض، وأن عجز النواب كان سبباً من أسباب الكارثة، إذ إنهم سلبيون لا رأي لهم ولا إرادة، وأنهم مجرد تبع لمصطفى كمال:

مجــــــد الأمور زواله في زلـــة     لا ترج لاسمك بالأمور خلــــودا
الفــــرد بالشورى وبـــاسم نديها     لفظ الخليفة في الظـــلام شريــدا
خلعته دون المســــلمين عصابة     لم يجعــــلوا للمســــلمين وجودا
يقضــون ذلك عن سواد غافـــل     خـــــلق السواد مضللاً ومسـودا
جعـــــلوا مشيـــــئته الغبية سلماً     نحـــو الأمور لمن أراد صعـودا
إني نظرت إلى الشعوب فلم أجد     كالجهـــــل داء للشعوب مبيـــدا
الجهــــل لا يلـــــد الحياة مواتـه     إلا كما تلــــــد الرمـــــام الـدودا
لم يخل من صور الحيــاة وإنـما     أخطاه عنصرها فمـــــات وليدا
وإذا سبى الفرد المســلط مجلساً     ألفيــــت أحرار الرجـــال عبيدا
ورأيـت في صدر الندي منــوماً     في عصبة يتحــــــركون رقودا
الحـق سهم لا ترشـــــــه ببـاطل     ما كان ســـــهم المبطلين سديدا
والعـــب بغير ســـــلاحه فلربما     قتل الرجال سلاحه مردودا[5]

     ومن أحسن ما وفق فيه شوقي في هذه الأبيات التي بكى فيها الخليفة المعزول والخلافة الملغاة، تنديده بالجهل الذي يجعل عامة الناس قوة هزيلة ضائعة، وبعجز أعلى المؤسسات العامة التي لا تؤدي دورها في الرقابة والشورى والنظر، إذ تتحول إلى مؤسسات شكلية هزيلة، مهمتها الخضوع لأهواء الزعيم وإضفاء الشرعية عليها.

     أما الرثاء الرابع فهو قصيدة بعنوان ((الخلافة)) نشرها شوقي عام 1926م ومطلعها:

بعثوا الخلافة سيرة في النادي     أين المبايع بالإمام يناـدي[6]

     ذلك أن إلغاء الخلافة لم يكن أمراً عارضاً، فقد اهتز له المسلمون في كل مكان، وعلت أصوات تنادي بأن ما صنعه الكماليون باطل، وأن على المسلمين أن يختاروا خليفة جديداً تنتظم به أمورهم الدينية والدنيوية، وشكلت لجان، وعقدت مؤتمرات وطمع بالمنصب الكبير عدد من الحكام.

     في هذا المناخ جاءت قصيدة شوقي ليبدي رأيه فيما ينبغي أن تمتلكه الخلافة من أدوات، حتى يكون بوسع الخليفة أن يمارس مهامه فلا يبقى مجرد صورة، ولذلك يحذر شوقي من خلافة بلا قوة حقيقية تسندها وتحميها:

اليــــــوم لا سمر الرماح بعــــدة     تغني ولا بيض الظبـــــا بعتــــاد
هيهات عز سبيــــلها وتقطـــعت     دون المراد وســـــائل المرتــــاد
حلت على ذهب المعـــز طلاسـم     ومشت على سيف المعز عوادي
أين الكرامة والوقـــــار لجثـــــة     نبشـــوا عليها القبر بعد فســـــاد
والميت أقرب سلوة من غـــائب     يرجى فلا يزداد غيـــــر بعــــاد

     ويعود شوقي بنا إلى الوراء، ليذكرنا بموقفه من الخلافة العثمانية التي ألغيت من قريب، حيث شخص أمراضها وأجاد في هذا التشخيص، وحيث نصرها نصر المجاهد المحتسب، ثم بكاها بخير قصائده، حتى اتهمه بعض الناس أنه يحب الأتراك، وهي تهمة صدقوا فيها لأنه محب للبطولة، والأتراك مقاتلون أشداء، والأخ القريب وإن ظلم أحنى من الغريب المعتدي، ثم إن ولاءه للأتراك لم ينفرد به فقد كان شعور عامة الناس في مصر:

وأنـــا الذي مرضتــهــا في دائهــا     وجمعـــت فيه عواطف العــــــواد
غنيـــتها لحنــــاً تغلغل في البكـــا     يارب باك في ظواهر شــــــــادي
ونصــرتها نصر المجاهد في ذرا     عبد الحميد وفي جناح رشـــــــــاد
ودفنتها ودفنت خير قصـــــــائدي     معها وطال بقبـــــرها إنشــــــادي
حتى اتهمت فقيـــــل تركي الهوى     صدقوا هوى الأبطال ملء فـؤادي
وأخي القريب وإن شقيـــت بظلمه     أدنى إلي من الغــــريب العـــــادي
والله يعــــــلم ما انفــــــردت وإنما     صورت شعري من شعور الوادي
كنـــــــا نعظــــم للهــــلال بقيــــة     في الأرض من ثكن ومن أجنــــاد
ونســــن رضوان الخليفة خطــــة     ولكل جيـــــل خطة ومبــــــــادي

     ويحذر شوقي مشكوراً المعنيين بأمر إحياء الخلافة من عمل لا قوة فيه ولا حكمة، يمكن أن ينتهي إلى طغيان يفرض على الناس باسم الخلافة، وهو أمر سبق أن وقع في الخلافة العثمانية وغيرها:

أتحـــــاولون بلا جهـــــاد خطــة     لم يستطعها التــــرك بعد جهـــاد
نفضوا القنا المنصور من تبعاتها     والظـــافرات الحمر في الأغمـاد
كانت هي الداء الدخيل فأدبــرت     فتماثــــلوا من كل داء بــــــــادي
نزعوا من الأعناق نير جبـــــابر     جعلوا الخلافة دولة استعبــــــاد
من كل فضفاض الغرور ببـرده     نمـــــرود أو فرعون ذو الأوتــاد

     ولا تلبث روح شوقي المسلمة أن تحمله على نظر إيجابي، يرى فيه أن إلغاء الخلافة ما كان له أن يقضي على الإسلام كما توهم الكثيرون، ما بين محب مشفق مسرف في التشاؤم، وكاره شانئ مبالغ في التشفي، فالصلاة لا تزال قائمة والصوم باق، والحج يدعو الناس فيهرعون، وأعياد المسلمين توقظ شعورهم الديني وكلمة التوحيد تملاً كل حاضرة وبادية:

مضت الخلافة والإمام فـهل مضى     ما كــــان بين الله والعبــــــــــــــاد
والله ما نسي الشهــــــادة حاضــــر     في المســـــلمين ولا تردد بـــــادي
خرجوا إلى الصلوات كل جمــاعة     تدعو لصـــــاحبها على الأعــــواد
والصوم بـــــاق والصلاة مقــــيمة     والحج ينشط في عناق الحــــــادي
والفطـــر والأضحى كعـــــادتيهما     يترديــــــان بشـــــاشة الأعيــــــاد

     ولهذا الرثاء الرابع لشوقي في الخلافة ميزة محمودة، يحذر فيها شوقي من عمل بلا قوة تحميه، ويحذر من سطوة طغيان غاشم باسم الخلافة، ويبشر بمستقبل زاهر للإسلام .

     وإذا كانت الخلافة عرضاً لدى شوقي يدافع عنه كما قال عن نفسه، فإن ولاءه التام لها، لم يجعله يغفل عما انتابها من سيئات التنفيذ، فكان ولاؤه لها ولاء بصيراً واعياً يحمد له، وموقفه حين يغضب لخطأ منها مختلف تماماً عن غضب من يريدون بالخلافة شراً، فهو يريد لها أن تكون أكمل، وهم يريدون لها الفناء، وغضبهم هو غضب الكاره لوجودها، وغضبه هو غضب الكاره لأخطائها الراغب في إصلاحها، والمسافة كبيرة بينه وبينهم ولاءً وهدفاً.

     يقول الدكتور حلمي علي زقزوق: ((على أن شوقي لم يغفل قط هذا الظلم، ولا أغضى عن استبداد العثمانيين، إلا أن الفارق بين شوقي وبين هؤلاء الناقمين، هو الفارق بين حرب الظلم وحربهم الخلافة برمتها، أو هو الفارق بين الثورة بمثالب التخلف والاستبداد وثورتهم الظالمة بالخلافة الإسلامية وعامة نظمها في السياسة وشؤون الاجتماع. وما كان هذا الخلط من شيم الآباء والأجداد))[7]. ثم ينقل عن الأستاذ الإمام محمد عبده قوله: ((أنا أيضاً أكره السلطان، ولكن لا يوجد مسلم يريد بالدولة سوءاً فإنها سياج في الجملة وإذا سقطت فقدنا كل شيء))، وهو تفريق دقيق من الدكتور حلمي، يشكر عليه، ويشكر أيضاً لإيراده رأي الإمام محمد عبده الذي يعلن فيه ولاءه للدولة العثمانية مع رفضه لأخطائها.

     وليت الدكتور حلمي أورد رأي الإمام محمد عبده الآخر، الذي هو أصرح وأبلغ في إعلان ولائه للدولة العثمانية، وهو ما أورده السيد محمد رشيد رضا، ونصه: ((إن من له قلب من أهل الدين الإسلامي يرى أن المحافظة على الدولة العثمانية ثالثة العقائد بعد الإيمان بالله ورسوله، فإنها وحدها الحافظة لسلطان الدين، الكافلة بقاء صورته، وليس للدين سلطان في سواها، وإننا والحمد لله على هذه العقيدة عليها نحيا وعليها نموت))[8].

     وثمة قصيدة جيدة لشوقي تتصل بقصائده في الخلافة اتصالاً وثيقاً هي ((الأندلس الجديدة)) ومطلعها:

يــــا أخت أندلــــــس عليك سلام     هوت الخلافة عنك والإسلام[9]

     فهذه القصيدة قالها شوقي في رثاء مدينة أدرنة يوم استطاع البلغار هزيمة الأتراك فيها، فكانت هزيمة عسكرية وكانت هزيمة دينية، ذات طابع صليبي خاص، وكان الغرب الذي يناوئ الخلافة العثمانية، يتعامل معها بروح صليبية جلية، ولذلك فبكاء شوقي على أدرنة هو بكاء على الإسلام، وعلى الدولة العثمانية، فضلاً عن أنه بكاء على مدينة تستباح وشعب يشرد، والقصيدة من أحسن قصائد شوقي وأطولها، ويمكن لنا أن نلحظ إحساسه الحاد بالمأساة حتى في اختياره لعنوان القصيدة حيث سماها ((الأندلس الجديدة)) لأنه يرى في مأساة أدرنة اليوم صورة من مأساة الأندلس بالأمس:

يا أخت أندلـــس عليك ســــلام     هوت الخلافة عنك والإســـلام
نزل الهلال عن الســماء فليتها     طويت وعم العــــــالمين ظلام
جرحان تمضي الأمتان عليهما     هـذا يسيـــــــل وذاك لا يلتـــام
بكما أصيب المسلمون وفيـكما     دفن اليراع وغيب الصمصــام

     ويمضي شوقي ليتحدث عن الدهر الذي غفل المسلمون عن نواميسه فخسروا، حديثاً حزيناً فيه حكمة وعبرة وتأمل تاريخي فلسفي، لينتهي إلى تصوير بارع لجيش المتحالفين الزاحف على المدينة المنكوبة:

أخــــــذ المدائن والقرى بخنـــــاقها     جيــــش من المتحـــــــالفين لهـــام
غطت به الأرض الفضاء وجوهها     وكســـت منــــاكبها به الآكــــــــام
تمشي المنـــــاكر بين أيدي خيــله     أنى مشى والبـــغي والإجـــــــرام

     ويبرع شوقي في تصوير التناقض الصارخ في موقف القساوسة الذين يحثون على حرب يحرمها دينهم الذي يدعو للتسامح:

ويحثـــه باسم الكتـــــــاب أقسة     نشطوا لما هو في الكتاب حرام

     ويبدع في مناجاة عيسى عليه السلام ليضع بين أيدينا المفارقة الحزينة بين دعوته للحب والتسامح وبين القسوة الهائلة من المتحالفين الذين يحاربون باسمه، مع أنهم يؤمنون بأنه إنما مات فداء للناس، وأنه إنما احتمل العذاب لتخفيف الآلام عنهم، ويكشف الوجه الصليبي للحرب:

عيسى سبيــــلك رحمــة ومحبــة     في العــــالمين وعصــمة وسـلام
ما كنت سفــــاك الدمـاء ولا امرأ     هـــان الضعاف عليه والأيتـــــام
يــا حــامل الآلام عن هـذا الورى     كثــرت علينـــا بــــــاسمك الآلام
أنت الذي جعــل الأنــــام جميعهم     رحماً وباســـمك تقطع الأرحـــام
واليوم يهتف بالصليب عصــائب     هـــــم للإلــــه وروحـــــه ظــلام
خلطوا صليبك والخناجر والمدى     كـــــــــل أداة للأذى وحــــــــمام

     وينتقل شوقي بعد ذلك إلى تصوير الكارثة التي حلت بالمدينة تصويراً حياً مؤثراً، نرى فيه الناس تذبح كالأغنام، والرضع يفطمون على السيوف، والفتاة الطاهرة تغتصب، والشيخ الفاني يستباح، والجريح يجهز عليه، والمهاجرين هاموا في ترحالهم خوفاً ورعباً، يبكون ديارهم المشتعلة المنكوبة:

أو ما تراهم ذبحــــــوا جيــرانهم     بين البيــــوت كأنهم أغنــــــــــام
كم مرضع في حجر نعمته غـــدا     وله على حد السيــــــوف فطـــام
وصبيــــة هتكت خميلة طهــرها     وتناثــــرت عن نوره الأكـــــمام
وأخي ثمـــــانين استبيح وقـــاره     لم يغــــن عنه الضعف والأعوام
وجريــــح حرب ظامئ وأدوه لم     يعطفـــــهم جـــــــــرح دم وأوام
ومهـــــــاجرين تنكرت أوطانهم     ضلوا السبيل من الذهول وهاموا
يتلفتـــــون مودعين ديـــــــارهم     واللحـظ ماء والديــــــــار ضرام

     ومع فداحة الحالة بأدرنة لا يملك شوقي إلا أن يهنئها على بطولتها وشجاعتها وصبرها، ويعزيها بأن الدنيا دول، وأن كل ملك زائل، وأن البقاء لله الواحد العلام:

شرفاً أدرنة هكذا يقف الحــمى     للغــــاصبين وتثبت الأقـــــدام
وتــــرد بالدم بقعة أخـــذت به     ويموت دون عرينه الضرغام
والملك يؤخذ أو يرد ولم يـزل     يرث الحسام على البلاد حسام
صبـــراً أدرنــة كل ملك زائل     يوماً ويبـــقى المالك العــــلام

     ويبكي لها المصاب الديني بسكوت الأذان، وزوال الجمع، واندثار المساجد وعفاء قبور الفاتحين الأوائل من مؤسسي الدولة العثمانية:

خفت الأذان فما عليـــــــك موحد     يسعى ولا الجــمع الحسان تقـــام
وخبت مســــاجد كن نوراً جامعاً     تمشي إليــــــه الأســــــد والآرام
يدرجن في حرم الصلاة قوانتـــاً     بيـــــض الإزار كأنهن حمــــــام
وعفت قبور الفاتحين وفض عـن     حفـــر الخلائف جندل ورجــــام

     ويشيد شوقي بالشهور الخمسة التي مضت على حصار أدرنة حتى سقطت، حيث سطوة الغزو، وفتك المرض، وتفاقم الجوع، وسقوط الثلج، وحيث الأبطال المدافعون يصبرون صبراً جميلاً يكاد يجعلهم صحابة، ويستبسلون في الدفاع المجيد الذي جعل العدو يدفع ثمناً فادحاً لانتصاره، فكثر القتلى من الفريقين، فسقطت أدرنة سقوط العزيز الباذل لا سقوط الخانع المستكين:

في ذمة التـــــاريخ خمسة أشهــر     طالت عليـــك فكل يوم عـــــــام
السيـــــــف عار والوباء مســلط     والسيـــل خوف والثــــلوج ركام
والجوع فتــــاك وفيك عصــــابة     لو لم يجوعوا في الجهاد لصاموا
ضنوا بعرضك أن يباع ويشترى     عرض الحرائــر ليس فيه سوام
ضـــاق الحصـــار كأنما حلقـاته     فـــلك ومقذوفـــــــاتها أجـــــرام
ورمى العدى ورميـــــتهم بجهنم     مما يصـــــب الله لا الأقـــــــوام
بعــــت العدو بكل شبــــر مهجة     وكذا يبــــــاع الملك حين يـــرام
ما زال بينك في الحصـار وبيـنه     شم الحصون ومثـــــلهن عظـام
حتى حواك مقــــــــابراً وحويته     جثثـــــاً فلا غبـن ولا استذمـــام

     ومن هذا العرض للقصيدة يتبين بجلاء أنها رثاء دين، ورثاء مدينة، ورثاء دولة يتهددها الفناء لغفلة أهلها عن سنن الكون، في تصوير حي مؤثر، وحكمة ظاهرة، وتأمل فلسفي.

     ولشوقي في رثاء المدن قصيدة قالها في وصف زلزال أصاب المدينتين اليابانيتين، طوكيو، ويوكاهامه، عام 1926م برع فيها في تصوير الكارثة تصويراً حياً ظهرت فيه قدرته التصويرية بجلاء تام:

دنت الســـــــاعة التي أنذر النـــــــا     س وحــلت أشراطهــــا والعــــلامة
قف تأمل مصـــارع الـقـــوم وانظر     هــل تـــرى من ديــــار عاد دعامة
خســفت بالمساكن الأرض خســــفاً     وطــــوى أهلها بســـــاط الإقــــامة
طوفـــت بالمدينتـــــين المنــــــــايـا     وأدار الردى على القــــــوم جـــامه
لا تــرى العيــــن منهما أين جــالت     غيــــر نقض أو رمة أو حطـــــامه
حــــازهم من مراجل الأرض قبـــر     في مدى الظن عمقه ألف قامة[10]

     أما قصيدة شوقي ((روما)) فإنها قصيدة تنتمي إلى شعر الرثاء بأكثر من سبب، ففيها عبرة التاريخ الذي يديل بين الناس، وفيها الوقوف على الأطلال والتماثيل والهياكل، وفيها تحول الناس إلى دين كانوا يقاتلون ذويه بالأمس، وفيها زوال المجد عن المدينة التالدة التي سادت وطغت، والقصيدة فيها حس فلسفي، وتأمل تاريخي، ولا غرابة فشوقي شاعر تاريخ، ثم إن القصيدة نظمها وأرسلها إلى صديقه المؤرخ إسماعيل رأفت.

     يخاطب شوقي صديقه المؤرخ طالباً منه أن يقف على روما، ليشهد حركة الدهر، وزوال المجد عن الدولة التي سادت وعزت، فهدمت الأيام تاجها ومزقت صولجانها، فبقي من عزها العريق طلل وتمثال، وأشلاء قصر، وبقية هيكل:

قف بروما وشـاهد الأمر واشهـد     أن للملــــك مالـــكاً سبحــــــانه
دولة في الثرى وأنقــــاض ملـك     هدم الدهـــر في العــــلا بنيــانه
مزقت تـــــاجه الخطوب وألقت     في التراب الذي أرى صولجانه
طلل عند دمنــــة عنـــــد رســم     ككتـــــاب محا البـــلى عنــوانه
وتماثيــــل كالحقـــــــــائق تـزدا     د وضوحاً على المدى وإبــــانة
من رآها يقــول هـذي ملوك الـد     هر وهذا وقـــــــارهم والرزانة
وبقــــــايــا هيـــــــاكل وقصـور     بين أخذ البلى ودفع المتانة[11]

     ويوفق شوقي في تصوير تحول روما من الوثنية إلى النصرانية فبات ولاؤها لدين كانت تحاربه بالأمس وتبطش بذويه:

وجـــرت هاهنـــــا أمور كبـــــار     واصـــل الدهر بعدها جريـــــانه
راح دين وجــــــــاء ديــن وولى     ملك قــــوم وحــــل ملك مكـــانه
والـذي حصـــل المجـــدون إهرا     ق دمـــاء خليــقة بالصيــــــــانـة
بــــــلـد كان للنصــــــارى قتــاداً     صار ملك القسوس عرش الديانة
وشعــــوب يمحـــــون آية عيسى     ثم يعـــــلون في البرية شـــــــانه
ويهيـــنون صـــاحب الروح ميتاً     ويعـــــــزون بعـــده أكـفـــــــانه
عــــــالم قـلــب وأحـــلام خـــلق     تتبـــــــارى غبــــــــاوة وفطـانة

     ويسائل شوقي روما عن ملكها الذاهب الواسع، الذي كان قادراً على الغلبة والظفر، وجباية الأموال، وعن أشرافها الطغاة، وقضاتها المشاهير، وساستها وشيوخها، ويطلب منها أن تكف من غلوائها وترضى بحكم الدهر الذي يحقق العدل بالتداول بين الناس والشعوب والبلدان، ويذكرها أن حزنها وإن طال لن يرد عليها أيام مجدها الأول:

أين ملك في الشـرق والغرب عال
               تحسد الشمس في الضحى سلطانه
قــــــادر يمسخ الممـــــالك أعمـــا
               لاً ويعــطي وسيعـهـــا أعوانــــــه
أيــن مـــــال جبيتـــــه ورعايـــــا
               كـلـــهم خـــــازن وأنت الخــزانـة
أين أشرافك الذين طغوا في الــــد
               هـــــر حتى أذاقهم طغيــــــــــانـه
أين قاضيـــــك ما أنـــــاخ عليــــه
               أين نـاديــــك ما دهى شيخـــــانـه
قــد رأينــــا عليـك آثـــــار حــزن
               ومن الــدور ما تـــرى أحـزانــــه
أقصري واسألي عن الدهر مصراً
               هل قضـــت مرتين منه اللبـــــانة
إن من فـــرق البــــــلاد شعــــوباً
               جعــــــل القســـط بينها ميـــــزانه
هبـــك أفنيـــت بالحـــداد الليـــالي
               لن تـــردي على الورى رومـــانه

     وهكذا تتضح معالم الرثاء في هذه القصيدة، رثاء فيه تأمل تاريخي، ونزوع فلسفي، ينظر فيه الشاعر نظرة الدارس المتمعن أكثر مما ينظر فيه نظرة المتفاعل ذاتياً مع الأحداث والأشخاص.

     أما قصيدة شوقي ((نكبة دمشق)) فهي قصيدة من قصائد رثاء المدن، ولكن من نوع مخالف، ففيها يظهر انتماؤه العربي، وبعده الإسلامي، وحسه الوطني، ولا غرابة في ذلك فموقف الشاعر من دمشق غير موقفه من أثينا وروما. وهذه القصيدة الذائعة الصيت مطلعها:

ســــلام من صبــــا بردى أرق     ودمع لا يكفكف يا دمشق[12]

     وقصة القصيدة أن الشعب السوري ثار على فرنسا عام 1925م يطالب بحريته واستقلاله فقصف الفرنسيون عاصمته بالمدافع، ونهض العرب لعون السوريين وإغاثتهم، أما شوقي فكانت مساهمته بهذه القصيدة الخالدة.

     يصور شوقي توالي الأنباء بوقوع الكارثة التي تكاد العقول تحسبها خرافة لهولها وفداحتها:

لحـــــاها الله أنبــــــــاء توالت     على ســـمع الولي بما يشــــق
يفصــــــلها إلى الدنيـــــا بريد     ويجملها إلى الآفــــــــاق برق
تكاد لروعة الأحــــــداث فيها     تخال من الخرافة وهي صدق

     ويتحدث عن مجد دمشق العريق، الذي امتدت آثاره شرقاً وغرباً، والذي بنى دولة كبرى لا يشق غبارها:

ألســــت دمشق للإسلام ظئــــراً     ومرضـــعة الأبــــوة لا تعـــــق
وكل حضارة في الأرض طالت     لها من سرحك العـــــلوي عرق
سماؤك من حلى الماضي كتـاب     وأرضك من حلى التـــاريخ رق
بنيـــت الدولة الـكبـــــرى وملكاً     غبـــار حضــــارتيه لا يشـــــق
لــه بالشــــام أعــــلام وعـــرس     بشـــــائره بأنـــدلس تــــــــــدق

     ويوفق شوقي في تصوير الكارثة التي أوقعتها بدمشق حماقة القائد الفرنسي، فأصاب فرنسا في سمعتها كما أصاب دمشق في أهلها وبنيها:

رباع الخلد ويحك ما دهــــاها     أحــــق أنهـــا درست أحـــــق
وهل غرف الجنان منضـدات     وهل لنعيــــمهن كأمس نســـق
وأين دمى المقاصر من حجال     مهتـــكة وأستـــــــار تشـــــق
برزن وفي نواحي الأيــك نار     وخلف الأيـــك أفــراخ تـــزق
إذا رمن الســلامة من طريـق     أتت من دونـــه للموت طـرق
بليــل للقـــذائف والمنـــــــايـا     وراء سمــائـه خطف وصعـق
إذا عصف الحديـد احمر أفـق     على جنبـــــاته واســــود أفق
سلي من راع غيدك بعد وهن     أبيـــن فؤاده والصخر فـــرق
وللمستعــمرين وإن ألانـــــوا     قـــلوب كالحجارة لا تـــــرق
رماك بطيـشه ورمى فرنســا     أخو حرب به صـلف وحــمق
إذا ما جـــــــــاءه طلاب حق     يقول عصابة خرجوا وشقــوا

     والدم الذي أهرقه الفرنسيون، إنما هو دم أريق في سبيل الحق وهو نور يضيء سبيل الحرية، وهو سبب من أسباب الحياة كما أن المطر سبب من أسباب النماء، وموت الأبطال هو طريق التحرير، والوطن جدير بالتضحية، وله على كل أبنائه دين وحق، والحرية لا يصل إليها الناس إلا بالدم المبذول، وبابها لا يدق إلا بالأيدي المضرجة:

دم الثـــوار تعـرفه فرنســـــا     وتعـــــلم أنه نــــــور وحـــق
جرى في أرضها، فيه حيــاة     كمنـــهل الســماء وفيه رزق
بـــلاد مات فتيـــتها لتحيـــــا     وزالـــوا دون قومهم ليبقـــوا
وحررت الشعوب على قناها     فكيف على قناها تستــــــرق
بني سورية اطرحوا الأماني     وألقوا عنكم الأحلام ألـقــــوا
وقفتم بين موت أو حيـــــــاة     فإن رمتم نعيم الدهر فاشقــوا
وللأوطــان في دم كــــل حر     يد ســـــلفت ودين مســـتحق
ومن يسقي ويشــرب بالمنايا     إذا الأحرار لم يسـقوا ويسقوا
ولا يبني الممــالك كالضحايا     ولا يدني الحقــوق ولا يحــق
ففي القتــــلى لأجيال حيــــاة     وفي الأسرى فدى لهم وعتق
وللحرية الحمـــــراء بــــاب     بكل يــد مضـــــــرجة يـــدق

     إن قصيدة شوقي في دمشق قصيدة رثاء تتداخل فيه الوطنية بالعروبة بالإسلام، ويظهر فيها الشاعر رجلاً له انتماء محمود إلى هذه الدوائر الثلاث، وله موقف إيجابي إزاء الثورة وإزاء دمشق الثائرة وكل ما يربطها بالشاعر من صلات، وهي من درر شوقي، وفيها بيته الذائع المشهور الذي صار رمزاً للجهاد والتضحية:

وللحرية الحمراء باب     بكل يد مضرجة يــدق

     ولشوقي قصيدة باسم (( نكبة بيروت)) قالها لما ضرب الأسطول الطلياني مدينة بيروت عام 1912م إبان الحرب الليبية الإيطالية، والقصيدة لا تقترب في كثير أو قليل من قصيدته ((نكبة دمشق)) فهي هامدة باردة، لا نلمس فيها تفاعلاً مع الحدث، وكأنها بطاقة مواساة ومجاملة لاغير:

بيروت مات الأسد حتف أنوفهـم
               لم يشـــهروا سيفاً ولم يحــــموك
سبعون ليثـــاً أحرقوا أو أغرقـوا
               يا ليتــــهم قتــلوا على طبـــروك
كل يصيــــد الليث وهو مقيــــــد
               ويعـــز صيد الضيغم المفـــكوك
يا مضرب الخيم المنـــيفة للقرى
               ما أنصف العجم الألى ضربوك
ما كنت يوماً للقنـــــابل موضعـاً
               ولو انهـــا من عسجـد مسبـــوك
بيـــروت ياراح النزيــــل وأنسه
               يمضي الزمـان علي لا أســـلوك
تـــالله ما أحدثــــت شــراً أو أذى
               حتى تـراعي أو يـراع بنــــــوك
أنت التي يحمي ويمنع عرضــها
               سيف الشريف وخنجر الصعلوك
ســـالت دماء فيك حول مســـاجد
               وكنـــــــائس ومدارس وبنــــوك
لك في ربا النيل المبــارك جيـرة
               لو يقدرون بدمعهم غسلوك[13]

     ومما يتصل برثاء المدن قصيدة شوقي في ((حريق ميت غمر)) وهي قصيدة قالها بمناسبة حريق ميت غمر الذي شب عام 1902م، ودام أسبوعاً من الزمن، وكان كارثة عامة تنادى لها الناس من كل مكان لمساعدة المدينة المنكوبة وكانت لحافظ فيها قصيدة جيدة.

     وقصيدة شوقي مع ما فيها من صور وأخيلة، وإشارات تاريخية، والتماس للعبر من الحوادث المشابهة لما أصاب ميت غمر، يغلب عليها البرود والتكلف، فكأنها عمل ذهني تأملي أكثر مما هي قصيدة شعرية.

     يطلب شوقي من المدينة المنكوبة أن تصبر لأن أي خطب مهما جل، هو أقل من سواه، ويمضي يحدثها عن المدن المنكوبة مثلها من قبل:

الله يحـــــكم في المدائــــن والـقـــرى
               يا ميت غمر خذي القضاء كما جـرى
ما جــــل خطب ثم قـيـــــس بغيــــره
               إلا وهـونـــه القيـــــاس وصغـــــــرا
فســـلي عـــمورة أو ســـدون تأسيـــاً
               أو مرتنيــــق غـــداة ووريت الثــرى
مدن لـقيـــــن من القضاء ونــــــــاره
               شرراً بجنب نصيبها مستصغرا[14]

     وكأن شوقي كان يشعر أنه بعيد عن البؤس والبائسين فإذا به يقول في صراحة يشكر عليها إذ يعلنها على الجميع:

مـــا زلت أسمع بالشقاء رواية     حتى رأيت بك الشقاء مصورا

     ثم يمضي شوقي يصور الكارثة ويلاحق مشاهدها، لينتهي إلى أن يطلب من الله تعالى أن يتولى المنكوبين، ومن الميسورين أن يمدوا لهم يد العون.

     ولشوقي قصيدة بعنوان ((أثينا)) قالها يوم أن أوفدته حكومته إلى اليونان لحضور أحد المؤتمرات، مطلعها:

إن تسألي عن مصر حواء القرى     وقرارة التـــاريخ والآثـــار[15]

     وهو في هذه القصيدة يحدث أثينا عن عظمة مصر، وعن تاريخها العريق، وعن أهرامها الثلاثة، ومن هنا يفضي إلى الحديث عن الموت وعن الفراعنة الذين بنوا هذه الأهرام لتكون قبوراً لهم:

وثلاثـــــة شـب الزمــان حيـــــالهـا
               شــــــــم على مر الزمـــان كبـــــار
قامت على النيل العهيــــد عهيــــدة
               تـكســـوه ثوب الفخــــر وهي عوار
من كل مركوز كرضوى في الثرى
               متطـــاول في الجـــو كالإعصــــار
الجــن في جنبـــــــاتها مطروفــــة
               ببــــــدائع البنــــــاء والحفــــــــــار
والأرض أضيع حيـــلة في نزعهـا
               من حيلة المصلوب في المســـــمار
تلك القبـــــور أضن من غيـب بمــا
               أضفت من الأعـــلاق والأذخــــــار
نــــام الملوك بها الدهور طويـــــلة
               يجـــــدون أروح ضجعة وقــــــرار
كل كأهل الكهــــف فوق سريــــره
               والدهـــر دون سريـــــره بهجـــــار
أملاك مصر القاهرون على الورى
               المنـــــزلون منــازل الأقـــــــــمـار
هتـــك الزمان حجــــابهم وأزالهــم
               بعــــد الصيــــان إزالـــة الأســرار
هيهــــات لم يلمس جلالهـــم البــلى
               إلا بأيــــــد في الرغــــــام قصـــار
كانوا وطرف الدهر لا يســـمو لهم
               ما بــــالهم عرضوا عـلى النظــــار
لو أمهــــلوا حتى النشـور بدورهـم
               قـــــاموا لخالقهم بغيـر غبــــــــــار

     والقصيدة نظم محكم، وتصوير جيد، ويتداخل فيها الفخار بالأهرام وسطوة الفراعنة بالحديث عن الموت وجلاله، ويغلب عليها عمل العقل وحس المؤرخ أكثر مما يغلب عليها شعور الشاعر وعاطفته، وليس لأثينا في القصيدة من نصيب إلا العنوان.

     وقصيدة شوقي الشهيرة ((زحلة)) التي يغني محمد عبدالوهاب وفيروز أبياتاً ذائعة منها، نجده فيها يرثي شبابه، رثاء فيه بكاء على الماضي، وحسرة على الشباب الذاهب، وقوته التي كانت تعين على انتهاب اللذائذ، في تصوير جميل، ورنة أسى هادئة ظاهرة:

شيعت أحلامي بطرف بـــــــاكي     ولممت من طرق الملاح شبــاكي
ورجعـــت أدراج الشبـاب وورده     أمشي مكـانهما على الأشــــــواك
وبجـــــانبي واه كأن خفــــــــوقه     لمــا تلفـــت جهشة المتـبـــــــاكي
شاكي السلاح إذا خلا بضـــلوعه     فـــــإذا أهيـــب به فـليس بشــاكي
قــد راعه أني طويــت حبـــــائلي    من بعــــد طول تنـــاول وفكـــاك
ويــح ابن جنبي كل غــــاية لـــذة     بعــــد الشبــــاب عزيزة الإدراك
لم تبـــــق منـــــا يا فـــؤاد بقيـــة     لفـتــــوة أو فضـــــلة لعــــــــراك
كنـــا إذا صفقت نستبـــق الهـوى     ونشــــد شــد العصبـــــة الفتـــاك
واليــــوم تبعــث في حين تهـزني     ما يبعث الناقوس في النساك[16]

     والقطعة جميلة حية مؤثرة، فيها صدق، وفيها بكاء غير غاضب ولا ثائر، وإنما هو بكاء ينتهي إلى القناعة والاستسلام.

     أما قصيدة شوقي المشهورة ((النيل)) ففيها قطعة رائعة يصور فيها التقليد المصري القديم الذي يلزم المصريين بإلقاء فتاة فيه كل عام، وميزة القطعة: روعة التصوير والتحام جزئيات المشهد حتى يتكامل لوحة حية، والإشارة إلى عظمة الإيمان لولا الخرافة التي تخالطه أحياناً، وشوق عروس النيل إلى إغراق نفسها في المهرجان المعد لذلك، فيتلاقى العرس بالمأتم، وتقدم الفتاة حياتها وحياءها معاً:

ونجيــــبة بين الطفــــولة والصبــا
               عــذراء تشـــربها القـــلوب وتعلق
كان الزفـــاف إليك غــــاية حظـها
               والحــظ إن بـــلغ النهــــاية موبــق
لاقيـــت أعراســـاً ولاقت مأتـــــماً
               كالشيــــخ ينعم بالفتــــــاة وتزهـق
في كــل عــــــام درة تــلـقى بـــلا
               ثمن إليــــك وحـــــرة لا تصــــدق
حـــول تســــائل فيــه كل نجيــــبة
               سبقـــــت إليك متى يحول فتـــلحق
والمجــد عنــد الغانيـــات رغيـــبة
               يبـــغى كما يبغى الجمال ويعشـــق
إن زوجــــوك بهن فهي عقيــــــدة
               ومن العقــــائد ما يلــب ويحـــــمق
ما أجـــمل الإيمــــان لولا ضـــــلة
               في كل ديـــن بالهدايـــة تلصــــــق
زفــت إلى ملك الملـــوك يحثـــــها
               ديـن ويـدفعــــها هــوى وتشــــوق
ولربــما حســدت عليــك مكــــانها
               ترب تمســــح بالعروس وتحــــدق
مجـــلوة في الفـــلك يحــدو فلـــكها
               بالشـــاطئيــن مزغرد ومصفـــــق
في مهرجــــان هزت الدنيــــــا به
               أعطــــافها واختال فيه المشــــرق
فرعـــون تحــت لوائــه، وبنــــاته
               يجـــري بهن على السفين الزورق
حتى إذا بلغــــت مواكبـــها المـدى
               وجـــرى لغـــايته القضاء الأسبــق
وكـســـا سماء المهرجــان جــلالة
               سيــــف المنية وهو صلت يبــــرق
وتلفتـــــت في اليــــم كل سفيـــــنة
               وانثــــال بالوادي الجـموع وحدقوا
ألقـــت إليــــك بنفســـها ونفيســـها
               وأتتــــك شيــــقة حواهــــا شيــــق
خلعـــت عليك حيـــاتها وحيـــاءها
               أأعــــز من هذيـــن شيء ينفــــــق
وإذا تنـــاهى الحب واتفق الفــــدى
               فالروح في باب الضحية أليق[17]

     وهذه القطعة من درر شوقي، التصوير فيها رائع آسر وهو يمتد ويتكامل حتى يستحيل لوحة كاملة لا تنفك جزئياتها عن بعضها، والصياغة في غاية الإحكام، والوحدة الموضوعية تجعل الأبيات أكثر ترابطاً وانسجاماً وتسلسلاً، والحدث له بداية تتنامى وتتصاعد حتى تصل إلى الذروة في آخر الأبيات حين تقفز الفتاة المنتحرة من السفينة إلى النيل لتكون الضحية والفداء.

     ويبرع شوقي في تصوير الدافع النفسي لدى الفتاة للانتحار، إذ يجعل المجد غاية تسعى إليها الفتاة لتحظى بتاج المجد الذي يضاف لديها إلى تاج الجمال، فتزهق روحها وهي سعيدة، ويتلاقى الحزن بالفرح، والموت بالحياة، والخوف من الجدب بالأمل في النماء.

     إن قصيدة شوقي في النيل من درر شعره الذي لا يطويه الزمن، فقد تفوق فيها وتألق، والقطعة السابقة منها بالذات أعجوبة من أعاجيبه الفنية.

     ولشوقي قصيدة طريفة تتصل بما نحن فيه، وهي ((تحية غليوم الثاني لصلاح الدين في القبر)) وموضوع القصيدة أن غليوم الثاني ملك بروسيا وإمبراطور ألمانيا، كان صديقاً للدولة العثمانية فزار إستامبول عاصمة الدولة وزار دمشق التي كانت تابعة لها، وهناك زار قبر القائد الشهير صلاح الدين الأيوبي بجوار المسجد الأموي، وقد تبدو الزيارة غريبة جداً فما الذي يحمل ملكاً أوربياً على زيارة قبر رجل مات منذ قرون، خاض حرباً ضروساً ضد الصليبيين – أجداد الامبراطور الزائر – وهزمهم؟ لكن الغرابة تزول إذا عرفنا أن صلاح الدين الأيوبي احتل في الوجدان الغربي مكانة مهمة جداً حملتهم على الإعجاب به مع هزيمته لهم، وذلك بسبب ما كان يبدر منه من أخلاق عالية جداً، هي قمة أخلاق الفرسان، من وفاء بالعهود، واحترام للجرحى، وترفع عن الانتقام، والعفو عند القدرة، والكرم الذي يكاد يلحق بالأساطير، هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت المصالح السياسية تقرب بين ألمانيا وبين الدولة العثمانية، الأمر الذي يجعل زعيم ألمانيا يجامل حلفاءه ويحترم مشاعرهم وأبطالهم.

     يبدأ شوقي قصيدته بالثناء على غليوم لمعرفته قدر صلاح الدين، وإنما يعرف العظيم قدر العظيم:

عظيـــــم الناس من يبــــكي العظاما
               وينــــــدبهم ولو كانوا عظــــــــــاما
وأكـــرم من غمـــــام عنـد محــــــل
               فتى يحــــيي بمدحتــــــه الـكرامــــا
وما عـــــذر المقصـــر عن جـــزاء
               وما يجــــــــزيهـم إلا كـلامـــــــــــا
فهــــل من مبــــــــلغ غـليـــوم عني
               مقــــــالاً مرضيــــــاً ذاك المقــــاما
رعـــــاك الله من ملـــــك همــــــــام
               تعـــــهد في الـثـــرى ملكاً همـــــاما
أرى الـنسيـــــــان أظــمأه فـلمـــــــا
               وقفــــت بقبـــــره كنـــت الغـــــماما
تقــــــرب عهـــــــده للنــــــاس حتى
               تركت الجيل في التاريخ عاما [18]

     وبعد ذلك ينتقل شوقي إلى الحديث عن صلاح الدين وعظمته، وهيبته في الحرب، وشرفه في السلم:

أتــــدري أي سلطـــان تحـــيي     وأي مملك تهـــــدي الســــلاما
دعوت أجل أهل الأرض حرباً     وأشرفــــهم إذا ســكنوا سـلاما
وقفــــت به تـذكــــره ملــــوكاً     تعــــــود أن يلاقـــــــوه قيــاما
وكم جمعتــــــهم حرب فكـانوا     حــــدائدها وكان هو الحســاما

     ويشيد شوقي بزيارة غليوم وهو من سلالة المغلوبين لقبر غالبهم بالأمس، ويرى أن مثل هذا الموقف جدير بدفن الأحقاد وتضميد الجراح، ويربأ به أن يكون قد زاره استجابة لدوافع خسيسة لا تليق بمثله:

كـــلام للبـــــرية داميــــــات     وأنت اليوم من ضمد الكلاما
فـلمـا قلت ما قد قلت عنـــــه     وأسمعــت الممالك والأنــاما
تســـاءلت البرية وهي كلمى     أحبـــاً كان ذاك أم انتقـــــاما
وأنت أجــل أن تزري بميت     وأنت أبـــر أن تؤذي عظاما
فلو كان الدوام نصيــب ملك     لنال بحد صـــــارمه الدواما

     أما قصيدة شوقي في السلطان عبدالحميد حين عزل عام 1909م، بانقلاب قام به الجيش العثماني والتي مطلعها:

ســـل يـلـدزاً ذات القصور     هل جاءها نبأ البدور[19]

     فهي قصيدة جيدة، يبكي فيها شوقي السلطان المخلوع، ويقف منه موقفاً وفياً محموداً، ويستغفر الله له، ويترفع عن الشماتة به، ويود لو أخذ بالدستور الذي قيل إنه أطيح به من أجله، ويثني عليه في لباقة ظاهرة أسيراً عزيزاً، وعلى من غلبه آسرين منتصرين.

     ولا غرابة فيما يفعله شوقي، فقد كان عبدالحميد في عصره شخصية مهمة جداً وكان له أثر بالغ في السياسة العالمية والعربية والإسلامية، وكانت أنظار المسلمين تتعلق به وتنظر إليه كخليفة ينبغي أن يطاع، وكحام للدين والوطن. لقد كان في عصره ((المظهر الأول للوحدة الإسلامية، والصخرة الصامدة أمام معاول الغرب ومطامع حكوماته، ومكانته كانت توشك أن تكون مقدسة))[20]. كان من أعظم خلفاء الدولة العثمانية ذكاء، ودهاء، وصبراً، وحزماً، ومعرفة بمؤامرات الأوربيين عليها، وقدرة على رصد التناقضات بينهم وتوظيفها لصالح الدولة، وولاء للإسلام، وغيرة على المسلمين، وحرصاً على جمع كلمتهم، لكنه جاء والدولة قد شاخت وترهلت، فلم يلبث أن سقط هو، ولم تلبث أن سقطت هي.

     يضاف إلى ذلك أن صلة شوقي الشخصية به كانت جيدة، وصلة ممدوحه حاكم مصر آنذاك الخديوي عباس كانت صلة جيدة أيضاً، والأمر كله يتداخل فيه الولاء السياسي العام آنذاك، بالولاء الديني، بكراهية الإنجليز، بالدم الذي كان يربط بين هؤلاء جميعاً، الشاعر والخديوي والخليفة.

     بعد أن يتحدث شوقي عن وقع الكارثة على يلدز، قصر عبدالحميد، ومن فيه من أسرته وذويه، يصل إلى جوهر الموضوع وهو الحديث عن خطب السلطان المعزول، فيظهر وفياً كريماً من جانب، لبقاً حكيماً من جانب آخر:

خطب الإمـــام على النظيـــ     ـــم يعز شـــرحاً والنثــــــير
عظة الملــــوك وعبـــرة الـ     أيــــام في الزمن الأخيــــــر
شيــخ الملوك وإن تضعــــــ     ضع في الفؤاد وفي الضمير
نستغفــــر المـــــولى لــــــه     والله يعـفـــــو عن كثيـــــــر
ونـــراه عنـــــد مصـــــــابه     أولى بـبـــــــــاك أو عذيـــر
ونصــــــونـه ونجــــــــــلـه     بيــن الشـــــماتة والـنـــكيــر
عبد الحميــــــــد حساب مثـ     ـلك في يـــد الملـــك الغفـور
ســـدت الثـــــلاثين الطـــوا     ل ولـســن بالحـــكم القصير
تنـــهى وتـــــأمر ما بــــــدا     لك في الـكبيـر وفي الصغير
لا تستشيـــــر وفي الحــمى     عـــدد الكواكب من مشيـــــر

     ويسأل شوقي السلطان المعزول كيف غلب وهو الداهية المحنك ثم ما يلبث أن يلتمس له العذر في غلبة القضاء:

ماذا دهــــــاك من الأمو     ر وكنـــت داهية الأمور
ما كنت إن حدثـت وجلـ     ـت بالجزوع ولا العثور
أيــن الرويــة والأنــــــا     ة وحكمة الشيخ الخبيــر
إن الـقضـــــاء إذا رمى     دك القــواعد من ثبــــير

     ويصور كيف دخل عليه غالبوه يتحكمون به وهو سيدهم، وكان الجميع عظاماً في موقفهم، الغالب منهم المغلوب، وكانوا أسوداً يهاجمون بعضهم، وينتهي الأمر باعتزال الأسد المغلوب وتفويض أمره لله تعالى:

دخلوا السرير عليك يحــ     ـتكمون في رب السريــر
أعظـــم بهم من آســـريــ     ـن وبالخليـــفة من أسيــر
أسد هصــور أنشـــب الـ     أظفار في أســــد هصور
قالوا اعتزل قلت اعتزلــ     ـت، الحـــكم لله القــــديـر

     وفي لباقة ظاهرة يعاتب شوقي السلطان المعزول على موقفه من الدستور ويتمنى لو عمل به، عمل الفرح المسرور، لأنه زينة وعصمة، ومنه تستمد الدول قدرة على مغالبة الأحداث:

أوذيت من دستـــــــورهم     وحننـــت للحكم العسيـــر
وغضبـــت كالمنصور أو     هارون في خالي العصور
ضنـــوا بضـــــائع حقـهم     وضننت بالدنيـــا الغـرور
هـلا احتفظـــت به احتفــا     ظ مرحّب فــــرح قريــــر
هو حليــــة الملك الرشيــ     ــد وعصمة الملك الغرير
وبه يبـــــارك في الممـــا     لك والملوك على الدهـور

     ثم ينتقل شوقي بعد ذلك ليهنئ الجيش العثماني، ويهنئ السلطان الجديد، ويوصيه بإقرار الدستور والعمل به.

     والقصيدة تنطق بوفاء شوقي للسلطان المعزول، ولباقته المعهودة، وحسن تصرفه وفهمه، وهو في ذلك كله يتفوق على نظيره وقرينه حافظ حين تصدى للموضوع نفسه.

     وفي قصيدة شوقي التي قالها مهنئاً الخديوي عباس بعودته من تركيا عام 1902م، يتحدث عن وباء الكوليرا الذي اجتاح الصعيد آنذاك، مؤملاً أن تكون عودة الخديوي عوناً للناس المصابين والمنكوبين:

لهفي على مهج غوال غـــــالها     خـــافي الدبيب محجب الأظفـار
خمسون ألفاً في المدائن صادهم     شـــــرك الردى في ليلة ونهــار
ذهبـــوا فليـــت ذهابهم لعظيـمة     مرموقـــة في العصر أو لفخـار
فالموت عند ظلال موشا رائــع     كالموت في ظل القنــــا الخطار
أهلاً بلطـف الله بعد قضـــــــائه     سكن القضـــاء به فليس بجــار
لمـــا التمسنـــاه تمثــل فانجـــلى     قمراً برأس التيـن للنظار[21]

     والحقيقة أن كارثة الكوليرا كانت تحتاج وقفة من شوقي أكبر من وقفته هذه، سواء في تصويرها أو في استنهاض همم الناس لعون المنكوبين بها. والبرود فيها واضح جلي. والتكلف يظهر في أشد حالاته افتعالاً وثقلاً حين يجعل شوقي من وصول الخديوي إلى قصره في رأس التين مظهراً للطف الله عز وجل بالمنكوبين، وبمصر التي تتطلع إلى حاكمها الآيب من سفره ليكون سنداً وعوناً في مشكلاتها ومنها الكوليرا.

     ولشوقي قصيدة جيدة في ذكرى استقلال سوريا يوم حصلت على بعض حقوقها من الفرنسيين عام 1928م، كثمرة من ثمار ثورتها الشهيرة عام 1925م، ومطلع القصيدة:

حيــــاة ما نريــد لها زيـــالا     ودنيا لا نود لها انتقالا[22]

     وفي القصيدة يحيي شوقي جهاد الشعب السوري ضد الفرنسيين، ويوصيه بجمع الكلمة، ويرفع من شأن الأبطال، ثم يفرد مجموعة من الأبيات يمجد فيها يوسف العظمة البطل السوري في ميسلون، وهي أبيات تقع في صميم الرثاء:

ســأذكر ما حيـــيت جدار قبــر     بظـــاهر جـــلق ركب الرمـالا
مقيـــــم ما أقــــامت ميســـلون     يذكــر مصــرع الأسـد الشبـالا
لقـــد أوحى إلي بمــــا شجـاني     كما توحي القبور إلى الثــكالى
تغيــــب عظمة العظــمات فيه     وأول سيـــــد لـقي الـنبــــــــالا
كأن بنــــــاته رفعوا منـــــــاراً     من الإخلاص أو نصبوا مثــالا
سراج الحق في ثبج الصحارى     تهاب العــاصفات له ذبـــــــالا
ترى نور العقيـــدة في ثـــــراه     وتنشــق من جوانبه الخــــلالا
مشى ومشت فيالق من فرنسـا     تجـــر مطارف الظفر اختيـالا
مـلأن الجـــــو أسلحة خفـــافـاً     ووجــه الأرض أسلحة ثقــــالا
وأرســلن الريــــاح عليه نـاراً     فما حفل الجنوب ولا الشــمالا
ســـلوه هل ترجــل في هبـوب     من النيـــران أرجلت الجبـــالا
أقـــــام نهــــــــاره يلقي ويلقى     فـلما زال قرص الشــمس زالا
وطـــاح ترى به قيد المنــــايـا     ولست ترى الشكيم ولا الشكالا
فكفن بالصــــــوارم والعــوالي     وغيب حيث جال وحيث صالا
إذا مرت به الأجيــــال تتــرى     سمعت لها أزيــــزاً وابتــــهالا

     والأبيات قطعة رائعة يرثى بها شوقي القائد البطل الذي أصر على مقاومة الغزاة، دون مبالاة بالفارق الهائل بين القوتين حتى سقط شهيداً دون وطنه. وقد وفق شوقي في تصوير المعركة وشجاعة المرثي واستشهاده، وأحسن إذ وظف استشهاده توظيفاً وطنياً حيث جعل قبره رمزاً للبطولة وداعية لاستمرار الجهاد ضد المحتل، يذكر الأجيال الجديدة بواجبها إزاء بلادها، كما فعل مع عمر المختار فأحسن في المقامين.

     والأبيات رثاء حي وشعر يقع في صميم الوطنية العربية والإسلامية، التي كان لشوقي فيها دور بارز.

     وفي قصيدة شوقي ((دمعة وابتسامة)) التي قالها يوم عادت أم الخديوي عباس من تركيا إلى مصر بعد غيبة طويلة عام 1922م، قطعة في رثاء حفيدها الأمير عبدالقادر الذي كان في المنفى مع أبيه الخديوي عباس، فلما مات حملت رفاته إلى مصر لتدفن فيها. والقطعة رثاء للأمير الميت وعزاء لجدته العائدة، وفي الأبيات حكمة تذكر بالمعري:

إنما الدنيــــا شجــــــون تـلتــــقي     وحــــزين يتــــــأسى بحـــــزين
ضحـــك الدنيــا احتشــاد للبكــــا     وأغــــانيها معــــــــدات الأنيـــن
ســـرني أن قــــــــرب الله النوى     وشجاني في غد من تدفنين[23]

     والمرثي مات شاباً بسبب حنينه لوطنه والشاعر يشارك ذويه في حمل المصاب الذي يذكر بآل البيت، والشاب الفقيد له جلاله المشهود له، الذي استمده من جلال جدته المشهود له أيضاً:

قـمــر حيـــف عليــــه فانتحى     منـــزلاً بين الأصول الآفـلين
فأخذنــــا قسطنـــا من ثــــكله     علنـــا نحـمل عنكم أو نعيــــن
ورفعنـــــا في الضحايا ذكـره     وأذعنا يومه في الآخــــــرين
ووجدنــــــا عند ذكـــرى دمه     طيـب أبناء الحسين الطاهرين
وكــأن النـــــاس في موكبــــه     لجـــلال الموكب الآخر ديـــن
وكــــأن الآل فيــــه هــــاشــم     وكــــأن الميت زين العــابدين
جــل في الأعناق حتى خلتـــه     منـــــة فيها لأم المنعميــــــــن
أو يـــداً في كاهـــل العــلم لها     أو صنيعاً في رقاب الصانعين

     ولأن المرثي مات صغيراً، فإنه سوف يستأنف صباه في الجنة مع ولدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم اللذين ماتا صغيرين إبراهيم والقاسم:

لقـــد استــــأنف في الخلد الصبـا     بين حور قاصرات الطرف عين
حـــل بالقــــاسم مصبــاح الهدى     وبإبراهيـــم نــــور المتقيــــــــن

     ويعود في آخر الأبيات ليعزي الجدة المؤمنة، التي يعصمها إيمانها من الجزع ويحملها على الصبر:

ليس من قدري وقدر الشـعـر أن     نذكر الصبر لأم الصـــــــابرين
التي حجــــــــت وزارت ورأت     تحت هذا الترب خير المرسلين
حكـــمت فيه المنــــــايا مـــــرة     وجـــرى الحق عليه واليقيـــــن

     والمرثية باردة كأن الشاعر كتبها بداعي المجاملة، مع أنه قالها في ابن ممدوحه السابق وولي نعمته دهراً طويلاً الخديوي عباس، ولا تعوض صياغتها الجيدة وموسيقاها الجميلة عن هذا العيب البارز فيها.

     ولشوقي قصيدة في ((انتحار الطلبة)) قالها إثر انتحار بعض الطلبة بسبب رسوبهم في الامتحانات، مطلعها:

نــــاشئ في الورد من أيامه     حسبه الله أبالورد عثر[24]

     ومع اتصال موضوع القصيدة بالموت اتصالاً وثيقاً، إلا أنها لا تنتمي إلى شعر الرثاء ولا تتصل به، ذلك أن شوقي لم يرث من انتحر من الطلبة، بل مضى ينصح بالجد، ويحذر من اليأس، ويبين حقوق الوطن، فهي قصيدة تصطبغ باللون الاجتماعي أكثر مما تصطبغ بأي لون آخر.

    ولشوقي قطعة في ثمانية أبيات عنوانها ((الموت)) وهي في حقيقتها فلسفة باردة، وحكمة مصنوعة، ونظم جميل لاغير:

أرى الموت على الغبـــــرا     هو الجـــامعـة الكبـــــرى
هو الـــــدرب إلى الدنيــــا     هو الـــــدرب إلى الأخرى
هو المجـــــرى ونحن المـا     ء من حاجــــــاته المجرى
هو الأخــــــــذ هو الــــرد     هو الـنــــعي هو البشــرى
هو الســـــــلوة والــــــــرا     حــــة والعبــرة والـذكرى
فــــإن لم يــك غير المــــو     ت من عــــاقبـــــة تـدرى
ولا ما يمنـــــــــع المــــــو     ت ولا ما يصـــل العــمرا
فــــــإن شئت فمت عبـــداً     وإن شئت فمت حرا[25]

     ولشوقي بيتان قالهما ليكتبا على قبر حرم أحد أصدقائه، لتأريخ الوفاة على حساب الجمل وهما نظم ومجاملة[26].

     أما قصيدة شوقي في دنشواي فهي تستحق وقفة متأنية، لأهمية الحادثة وأثرها في تاريخ الوطنية المصرية. لقد وقعت الحادثة عام 1906م، وقصيدة شوقي قالها عام 1907م، فبين الحادثة والقصيدة سنة لم يقل فيها الشاعر شيئاً، وهذا الموقف يلام عليه شوقي، لأن مثله ليس له أن يسكت في مثل هذا المقام، ثم إن القصيدة تدور حول محورين، وصف الكارثة وأثرها على المحكومين وذويهم، ومهاجمة كرومر وتشبيهه بنيرون. وهذا ليس بكاف إذ كان على شوقي أن يوظف الحادثة توظيفاً إيجابياً أوسع للتنديد بالمحتل وجرائمه، وإهاجة الشعور الوطني المصري وتأجيجه. وفيما يلي قصيدة شوقي:

يــا دنشواي على ربـــــــاك سلام     ذهبت بـــأنس ربوعـــك الأيــــام
شهــــداء حكمك في البلاد تفرقوا     هيهات للشـــمل الشتيـــــت نظام
مرت عليـــهم في اللحـــود أهــلة     ومضى عليهم في القيــود العـــام
كيف الأرامل فيــــك بعد رجـالها     وبـــــأي حـــال أصبح الأيتـــــام
عشرون بيتــــاً أقفرت وانتـــابهـا     بعــد البشــــاشة وحشة وظــــلام
ياليت شعري في البــروج حمائم     أم في البــروج منــــية وحمــــام
نيــــرون لو أدركت عهد كرومر     لعـــرفت كيف تنفــــذ الأحكــــام
نوحي حــــمائم دنشواي وروعي     شعبــــــاً بوادي النيل ليس ينـــام
إن نـــامت الأحيــاء حالت بيـــنه     سحـــراً وبيـن فراشه الأحـــــلام
متـــوجع يتمثـــــل اليـــــوم الذي     ضجــت لشــــدة هولـــه الأقــوام
الســـوط يعــمل والمشــانق أربع     متوحـــدات والجنـــود قيـــــــــام
والمستشـــــار إلى الفظائع نــاظر     تدمى جـــــلود حولـــــه وعظــام
في كـــل ناحيــــة وكل محــــــلة     جزعــاً من الملأ الأسيف زحـــام
وعلى وجــوه الثــــاكلين كـــــآبة     وعلى وجوه الثاكلات رغام[27]

     على أن خطأ شوقي في موقفه من دنشواي أقل بكثير من خطأ حافظ، الذي كان ضعيفاً مستكيناً خائراً في الموقف نفسه.
     
     وإذا كان حافظ قد أضاف إلى خطئه هذا خطأ جديداً في قصيدته في وداع اللورد كرومر، فإن شوقي قد أحسن إحساناً بالغاً في قصيدته التي قالها في وداع كرومر، فكأنه مسح بإحسانه هنا تقصيره هناك، ومطلع قصيدته:

أيـــــامكم أم عهـــد إســـــماعيــلا
               أم أنت فرعون يسوس النيلا[28]

     وقد مضى شوقي في هذه القصيدة يهاجم كرومر هجوماً عنيفاً، ويسخر منه، ويندد بأعماله التي يعدها مفاخر وإنجازات حميدة، ويدافع عن الإسلام الذي انتقص منه، ويهزأ به لفقدانه أدب المجاملة واللباقة، ويذكره بقدرة الله تعالى الغالبة، وبسطوة فرعون الغاربة، ويعيب على الحكومة الإنجليزية إخلافها العهود وعدوانها على مصر، وإضاعتها لاستقلالها وحريتها.

     والحقيقة أن قصيدة شوقي هذه من درر شعره، يرتقي فيها ذروة عالية في سلم الوطنية، ويدافع فيها عن دينه وبلاده دفاعاً مشكوراً. وهكذا يتبين لنا أن لشوقي سبقاً لا يخفى في الرثاء العام الذي يرثي دولة أو سلطاناً أو يصور كارثة أو زلزالاً أو مدينة مقهورة، وهذا السبق ذو جانبين، الأول: أنه يكثر في شعره، والثاني: أنه يظهر لنا فيه رجلاً بعيد النظر، حكيماً فيلسوفاً ينظر في سنن الكون ونواميس الحياة ويتجاوز العرض إلى الجوهر ويقدم لنا خبرة غنية وتجربة عميقة.

----------------
[1] الديوان 1/203.
[2] الديوان 1/160.
[3] الديوان 1/356.
[4] الديوان 1/328.
[5] الديوان 1/332.
[6] الشوقيات المجهولة 2/200.
[7] شوقي وقضايا العصر والحضارة، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1981م، ص 15.
[8] تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، مطبعة المنار، القاهرة، 1931م، 2/560.
[9] الديوان 1/385.
[10] الديوان 1/144.
[11] الديوان 1/154.
[12] الديوان 1/348.
[13] الديوان 1/353.
[14] الديوان 2/51.
[15] الديوان 1/201.
[16] الديوان 1/121.
[17] الديوان 1/232.
[18] الديوان 1/247.
[19] الديوان 1/341.
[20] عبدالعليم القباني: موقف شوقي والشعراء المصريين من الخلافة العثمانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1988م، ص 67.
[21] الديوان 1/469.
[22] الديوان 1/364.
[23] الديوان 1/551.
[24] الديوان 2/42.
[25] الديوان 2/207.
[26] الديوان 2/224.
[27] الديوان 2/545.
[28] الديوان 1/369.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة