الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الأول - 13 - وحدة وتعدد

الفصل الأول
(الرثاء في شعر شوقي)

13- وحدة وتعدد:

     في طائفة من مراثي شوقي نجد لوناً من الوحدة، حيث تدور القصيدة حول المرثي ولا تعاني من امتدادات جانبية، نجد هذه الوحدة في مراثي الشاعر في: مولانا محمد علي – سليمان أباظة – عمر المختار – عبدالحليم العلايلي- محمد عبدالمطلب – عبدالحي حلمي- عبدالعزيز جاويش – ذكرى محمد فريد- عمر لطفي – ذكرى الخديوي إسماعيل – عبده الحمولي – سلامة حجازي، فمعظم معاني هذه القصائد تنصب على موضوعاتها.

     ولما كانت مراثي شوقي كثيرة جداً، فمعنى ذلك أن الغالبية العظمى لمراثيه تفتقد الوحدة ولهذا الأمر أكثر من سبب، منها أن الشاعر كان يكثر من اتخاذ المرثي وسيلة ليعبر من خلاله عن خواطره وأفكاره، فيمضي هنا وهناك، ومنها إعجاب شوقي بشعره، وهو إعجاب أكثر من الإشارة إليه بشيء من المبالغة أحياناً، وجعله يفخر به ويتحدث عنه بإلحاح غريب في بعض الأحيان، ومنها أن شوقي كان يجد في المضي يميناً ويساراً فرصة للهروب يستر بها برودة عاطفته فيشغل نفسه وقارئه بمثل الحديث عن الكورنيش في رثاء حافظ، وعن المنجزات العصرية الداخلة إلى مصر في رثاء رياض باشا. ومنها خوفه الشديد من الموت الذي جعله يكثر الحديث عنه، وجعله يتخيل نفسه هو الميت الذي يحمل على النعش وينزل في القبر.

     على أن مطالبة الشاعر بالوحدة دائماً، فيها نوع من التحكم، ذلك أن الشاعر ليس كاتب مقالة علمية تحكمها قواعد صارمة، بل هو عقل وقلب وخواطر، والأولى أن نطالبه بصدق العاطفة وجودة الأداء، فإذا كان له ذلك، فليس لنا أن نلومه إذا وحد أو عدد.

     وفي مراثي شوقي امتدادات قد لا يرضى عنها المطالبون بالوحدة، لكنها تقع موقعاً محموداً مناسباً، فهو حين رثى بطرس غالي اتخذ من رثائه دعوة للوئام بين المسلمين والأقباط، وحين رثى فوزي الغزي دعا السوريين إلى الوحدة واجتماع الكلمة، وحين رثى مصطفى كامل في ذكراه (شهيد الحق) ناشد الأحزاب والساسة أن يتجمعوا وتخوف على الوطن من اختلافهم، وفي رثائه كارنافون أشاد بالإبداع الذي يحقق الخلود لصاحبه، وفي رثائه للطيارين العثمانيين يمجد الخلافة العثمانية التي كانت تربط المسلمين، ويدعو الخليفة إلى إطلاق سراح عزيز المصري، وفي شهداء العلم والغربة يحمس الشباب المصري ويدعوه إلى الصبر والجد، وفي رثائه للملك حسين يعاتبه لتعاونه مع الإنجليز، وفي تصويره لموت عروس النيل يثني على الإيمان لكنه يحذر من الخرافة التي تلحق به، وفي سينيته الأندلسية ينهي رثاءه فيها لبني أمية بالتحذير من وهن الأخلاق الذي يدمر الممالك ويطالب بالتماس العبرة مما جرى في الماضي، ولما بكى الخلافة العثمانية مرتين بكاء مراً، حذر مما يراد بالأمة والدين، ومن الفتن التي سوف تطل برؤوسها، ومن تولية الخلافة من لا يستحقها، ومن التسلط الفردي الذي طالما أنهك قوتها، ولما رثى أدرنة في قصيدته (الأندلس الجديدة) بدا لنا فيلسوفاً يعرف سنن الله في الدول والحضارات، ويحذر من عواقب الغفلة عنها، ومثل ذلك يمكن أن يقال عن قصيدته الشهيرة في دمشق لما قصفها الفرنسيون، فقد بدا لنا فيها داعية للوطنية والجهاد، وناظراً في قوانين الحياة ونواميسها.

     لذلك يمكن القول: إن إلزام الشاعر بالوحدة أمر فيه تحكم كبير، لما سبقت الإشارة إليه من أن الشاعر ليس كاتب مقالة علمية محكومة بقواعد صارمة بل هو عقل وقلب وخواطر فيها الشعور الواعي وفيها الشعور الباطن، وحين يبدأ الشاعر قصيدته لا يدري هو بالتحديد ما الذي سيرد عليه.

     والأولى أن نظل نطالب الشاعر بالصدق والجودة، فإذا امتلك هذين الشرطين فزنا منه بفن رفيع سواء التزم الوحدة أم لا، ولذلك نجد في قصائد شوقي التي يلتزم فيها الوحدة والتي يعدد فيها ما هو جيد وما هو غير جيد، فليست الجودة
بالضرورة حبيسة قالب جامد لا يعدوه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة