الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الثاني - 01 - حافظ وشعره

الفصل الثاني
(الرثاء في شعر حافظ)

01- حافظ وشعره:

     ولد حافظ عام 1872م في ديروط لأب مصري وأم ذات أصل تركي، في ظل ظروف كانت تعد بحياته هانئة إذ كان أبوه مهندس ري وعلى صلة طيبة ببعض الأعيان حيث كان يعمل، لكن القدر حول الأمر تحويلاً بعيداً، إذ مات الأب ولم يخلف للأسرة ما يكفيها، فعادت الأم إلى القاهرة لتعيش مع أخيها الذي عني بتربية حافظ.

     اتجه حافظ إلى الجيش عام 1888م ليتخرج بعد ثلاث سنوات ضابطاً، وليخدم ثلاث سنوات أخرى يحال بعدها إلى الاستيداع عام 1894م. لكنه لا يلبث أن يعاد إلى الجيش عام 1896م، ليخدم في السودان أربع سنوات يحال بعدها للاستيداع عام 1900م وللمعاش عام 1903م، ولتمر به فترة بطالة مدتها ثماني سنوات تنتهي بعام 1911م حيث عين في دار الكتب الوطنية ليبقى فيها حتى أواخر حياته.

     تزوج حافظ عام 1906م لفترة قصيرة، وماتت أمه وخاله عام 1908م، فعاش مع زوجة خاله التي كفلها وأحسن رعايتها والتي قامت على شؤون منزله قياماً حسناً.

     تدرج راتب حافظ حتى وصل إلى ثمانين جنيهاً في آخر خدمته وهو مرتب ممتاز في ذلك الحين، وهكذا يتضح أن حياة حافظ حفلت بقدر من الشدة، حيث عرف اليتم والفقر والطرد من الوظيفة فضلاً عن خلو حياته من أسرة خاصة به. وقد ظلت بصمات هذه الشدة تحكم نفسية حافظ وتصرفاته حتى إبان الفترة التي كانت فيها ظروفه مواتية وحياته سهلة، وهو ما كان له أثره البين على حياته وعلى شعره عامة وعلى مراثيه خاصة.

     لم يدرس حافظ دراسة نظامية، لكنه مع ذلك حصل على ثقافة واسعة من كثرة قراءته فقد كان محباً للقراءة فقرأ كثيراً في التراث العربي، لذلك كانت ثقافته عربية خالصة، وهي ثقافة وضعت بصماتها على شعره بوضوح، وقد أعانه في هذا المجال أنه كان ذا ذاكرة قوية جداً استطاعت أن تختزن قدراً كبيراً من روائع الأدب العربي.

     وقد كانت المجالس الأدبية والدينية والسياسية في بيوت سراة تلك الأيام بمثابة نواد للثقافة والاطلاع والإحاطة بالجديد والاستماع إلى الآراء المتفقة والمختلفة، وكان حافظ يغشى هذه المجالس ويحبها وكان الناس فيها يحبونه ويأنسون به وكانت مصدراً غنياً له في الأدب، والسياسة والدين والاجتماع.

     يضاف إلى ذلك صلته الخاصة بعدد من أعلام عصره، وعلى رأس هؤلاء الأستاذ الإمام محمد عبده الذي كان حافظ أثيراً لديه، فاستفاد حافظ منه ومنهم فوائد جمة.

     كان حافظ رجلاً طيب القلب نقي السريرة محباً للخير، وكان كريماً متلافاً، وكان أيضاً مهملاً ملولاً قليل الصبر، وقد جنى هذا – فيما جنى – على شعره حيث ضاع منه الكثير بسبب عدم عنايته بحفظه اعتماداً على ذاكرته الجيدة، فلما مات ضاع بموته شعر كثير.

     وكان رجلاً مطبوعاً على السماحة والوفاء، كما كان مفطوراً على الكرم الذي يلحقه بالسفه والحماقة، الأمر الذي أثر في حياته عامة، وأثر في شعره وخاصة في باب الرثاء حيث بكى رفاقه وأعلام عصره بصدق وحرقة.

     تتداخل في شخصية حافظ ثلاث دوائر تداخلاً يتكامل ولا يتضاد، وهي مصريته، وعروبته، وإسلامه، فقد كان حافظ مصرياً صميماً بكل ما للشخصية المصرية من سماحة ودعابة ويسر، وكان عربياً صميماً أشرب حب العرب وتاريخهم وثقافتهم ولغتهم وأبطالهم، كان أيضاً مسلماً عميق الإيمان شديد الاعتزاز بإسلامه دون مبالغة أو تعصب مذموم.

     لم يكن له لون سياسي ثابت، وكانت مواقفه الوطنية تتأرجح كثيراً، فمرة يقول ويتشجع، ومرة يجبن ويخاف، وربما أسف فأشاد بالعدو الذي كان يحكم بلاده ويعيث فيها فساداً.

     كان خفيف الظل حلو المعشر، صاحب نوادر وطرائف تجعله زينة المجلس، وبهجة الملتقى، وكان صاحب بديهة وذكاء واقتدار في هذا المجال، تجعله علماً من أعلامه لا في عصره، بل في تاريخ الشعر العربي كله، وهو في هذا امتداد لشخصية النديم التي كادت تصبح صفة لازمة للشاعر من قبله، كما هو الحال لدى علي الليثي وعلي أبو النصر وحفني ناصف، وهي صفة لها آثارها السلبية على الشاعر حيث تضيق عليه مجاله، وتخنق مطامحه وتهبط باهتماماته.

     احتل حافظ مكانة بارزة في الشعر العربي الحديث، تجاوز بها الدائرة المصرية إلى الدائرة العربية ليصبح واحداً من أعلامها الكبار يقترن دائماً بشوقي، اقتران الزمان والمكان والمنافسة والمقارنة.

     وقد جدد حافظ في موضوعات شعره، فارتقى بها عن حالتها الهابطة التي شاعت في عصور الضعف ولدى شعراء الإحياء الأوائل، ويظهر هذا التجديد في حديثه عن نفسه وعن القضايا التي كانت تشغله وتشغل الناس في مصر والعالم العربي، بحيث عبر عن هموم أمته وبلاده وآمالها وآلامها وهي خطوة رائدها البارودي، لم يلبث تلميذه حافظ أن سار على هديها واتسع بمداها.

     أما في لغته وبيانه وصوره فلم يجدد، فقد كان محافظاً بل ومقلداً لكنه كان على الجادة المحمودة في حسن السبك وجودة الصياغة وروعة الموسيقى، خلافاً لصوره التي لم يستطع فيها أن يحلق ويبدع، وهكذا قلد في الصياغة وجدد في الموضوع، فكان أحد جناحيه دون الآخر وهو ما أضعف جهده في حركة التجديد، وأضعف قدرته عن مسابقة نده ومنافسه شوقي.

     كان رجلاً عربياً صميماً ثقافة وتراثاً، وإعجاباً وولاء، والمؤثرات غير العربية ليس لها موقع في حياته وبالتالي في شعره، الذي يمكن أن يوصف بأنه كان شعراً عربياً خالصاً.

     كانت ظروف شوقي مواتية جداً لتعينه على التفرغ لشعره، وكانت ظروف حافظ مختلفة، فقد كانت شاقة حيناً، مواتية في كثير من الأحيان، لكنه لم يحسن الانتفاع منها انتفاعاً جيداً لا في رعاية مصالحه الشخصية ولا في تنظيم ثقافته واطلاعه، وتطوير موهبته القوية، وفطرته السليمة، وطبعه المستقيم الواضح، ولو أنه حاول ذلك لأدرك حظاً من النجاح زاد من مكانته الشعرية وأثره في عصره، وأوضح ما يدل على ذلك عمله في دار الكتب، حيث ظل في هذا المكان يعيش مع كنوز الثقافة، في يسر ورخاء وسعة من الوقت عشرين عاماً، كان بوسعه أن يقفز فيها بنفسه وثقافته وشعره، وبالتالي مكانته في وجدان مصر والعروبة قفزات تجعله أكثر شهرة وأهمية وأثراً وخلوداً، لكن – مع الأسف – حال دون ذلك إهماله وفوضاه، وإضاعته جهوده وأوقاته في التوافه في كثير من الأحيان، ذلك أنه كان أقرب إلى التواكل المذموم منه إلى التوكل المحمود.

     لقد عد الدارسون فترة دار الكتب في حياة حافظ فترة خمول وركود، بسبب خوفه على وظيفته فيها أن يفتقدها لو أنه أدى دوراً وطنياً يغضب السلطة، ولكن كان بوسع حافظ أن يتفوق وأن يخدم بلاده ولغته وأمته بأساليب كثيرة لا تستعدي عليه السلطة إلا أنه مع الأسف لم يفعل.

     شعر حافظ سهل قريب المأتى، فكما أن شخصيته كانت سهلة قريبة لا عمق فيها ولا غموض ولا التواء، فشعره هو الآخر سهل قريب واضح، لا يجد فيه قارئه أي مشقة أو عنت، وقد زاد من قوة هذه الظاهرة وامتدادها، أنه كان شاعر جمهور يلقي شعره عليه ويستأثر باهتمامه، ولابد للتأثير في الجماهير والفوز برضاها أن تخاطبها بما يسهل عليها استيعابه من المعاني والألفاظ، وكما أدت جماهيريته وخطابيته إلى سهولة المعاني وقربها، أدت أيضاً إلى انتقائه الألفاظ القوية والصياغة الجزلة والموسيقى الفخمة المؤثرة.

     وتشيع المبالغات في شعر حافظ وتصل إلى درجة لا تقبل بحال وهي مظهر من مظاهر شخصيته وجماهيريته وأحزانه، وإذا كانت تقبل لسبب أو لآخر في أوائل عهده بالشعر فهي لا تقبل منه في أواخر عمره حيث نضجت ملكته وشخصيته معاً.

     احتل الرثاء في ديوانه حيزاً كبيراً، ظهرت فيه شخصيته الطيبة الوفية وعاطفته الصادقة حيث يبكي نفسه، ويبكي من حوله في شعر دامع حزين يجود فيه ويتفوق بسبب خصائصه النفسية المعينة على ذلك، وبسبب ظروف حياته التي جعلته يشعر دائماً بالحزن والبؤس والحرمان.

     وربما كان الرثاء أهم فن من فنون الشعر تفوق فيه حافظ، وبلغ به غاية بعيدة، وإذا كان هذا الحكم هو من حيث الجودة والمضمون، فإنه يماثل نظيره من حيث الكم، ذلك أن مجموع مراثيه يبلغ اثنتين وستين مرثية وهو قدر كبير من الشعر بالنسبة لديوانه.

     وقد اجتمعت طائفة من الأسباب لتؤدي إلى تفوق حافظ في هذا الفن، بحيث تشعر فيه – في الغالب – بصدق العاطفة والحزن الممض والألم العميق وهو ما يحس به القارئ بعد قليل من قراءته فيه.

     وأول هذه الأسباب خوف حافظ الشديد من الموت، فقد كان كثير التفكير فيه، وكان أي مرض يصيبه يتوهم أنه نهايته، فإذا مات صديق له رأى أن ذلك نذير له بقرب وفاته، ولذلك كان في كثير من الأحيان يرثي نفسه من خلال رثائه لمن يبكيهم.

     يضاف إلى ذلك أن حافظ مر بظروف صعبة جعلت الحزن يحتل مساحة كبيرة في وجدانه، فقد قد أصابه اليتم وهو طفل، وعرف العسف والتشرد والفقر أكثر من مرة. ولقد كان متلافاً يبذر ما يأتيه أيام الرخاء فيظل خاوي الوفاض ويظل من خوف الفقر في فقر، وهكذا كان الفقر – حقيقة أو وهماً – شبحاً يملاً حياة الشاعر ونفسه بالمخاوف، وهكذا التقى الفقر مع اليتم مع الطرد من الوظيفة مع شعوره الدائم أنه لم ينل المكانة التي يستحقها كما نالها شوقي ليجعل الحزن رفيقاً دائماً له. ومن هنا كان الرثاء عنده باباً لشكوى حظه الذي كان يتوهم أنه حظ عاثر.

     وكان حافظ رجلاً وفياً والوفاء حافز قوي لدى الشاعر ليرثي من حوله، وليجيد في الرثاء، وقد حمله هذا الوفاء على أن يرثي القريب والبعيد، والمسلم وغير المسلم، بل يرثي حتى من كان بينه وبينهم عتب أو نفور. لقد كان يرى ذلك ديناً عليه لا بد من أدائه.

     ثم هو ذو نفس طيبة صافية تغضب ولا تحقد، وتختلف ولكن تسامح، كان قلبه بسيطاً راضياً كأنه قلب طفل صغير سريع الغضب سريع الرضا، ولكن لا يبقى فيه في النهاية إلا الخير والسماحة والنقاء، والوفاء والطيبة من أعظم ما يعين على الصدق، والصدق من أهم مقومات العمل الفني الناجح.

     وحين كان يرثي الأعلام الكبار في الجهاد والوطنية، كان يشعر بفداحة الكارثة ويشتد به الحزن، وتسعفه بساطته وطيبته وطبيعته المتوجسة ببيان متدفق يبكي فيه الفقيد ويبكي الوطن، فتتحول المصيبة من كارثة خاصة إلى كارثة عامة فيجيد ويتفوق وإن كان يصل أحياناً إلى مبالغات عجيبة.

     وكأن حافظ بخصائصه النفسية العامة، وجماهيريته، وظروفه التي مر بها، وشعوره أنه لم ينل ما يريد، واتساعه بدائرة المصيبة بالمرثي، كان مهيأً ليكثر في الرثاء، وليجيد في الرثاء ويتفوق، وليكون ما يبقي عليه الزمن من مراثيه أكثر مما ينسخه منها ويطويه. سوف تبقى لحافظ طائفة جيدة من شعره، من المراثي وغير المراثي، لا يطويها الزمن، وسيبقى هو في تاريخ الأدب العربي المعاصر شخصية لها حضورها المؤكد وطعمها المتميز، لكن هذا الشاعر الذي أضاع مجموعة من الفرص الممتازة كان بوسعه الانتفاع منها، ليكون أعظم شعراً وأبقى خلوداً، سيظل شاعراً متوسطاً في جملته، ويعجبني هنا جداً وصف الأستاذ العقاد له، بأنه حلقة وسطى بين الشاعر النديم والشاعر المستقل، وحلقة وسطى بين شاعر الحرية القومية وشاعر الحرية الشخصية، وحلقة وسطى بين المطلعين على الآداب الأجنبية والجاهلين بها، وحلقة وسطى بين مبالغة الأقدمين وقصد المحدثين[1]. كما يعجبني جداً ما انتهى إليه أستاذنا الدكتور شكري عياد، وهو المعروف بأناته ودقته، عن حافظ بأنه لا هو الشاعر المظلوم ولا هو الشاعر العظيم[2].

----------
[1] شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ص 13 – 16.
[2] مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، فبراير – مارس 1983م، ص 27.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة