الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الأول - 11 - الصورة الشعورية

الفصل الأول
(الرثاء في شعر شوقي)

11- الصورة الشعرية:

     شوقي شاعر مصور مقتدر، تكثر صوره في مراثيه من حيث العدد، وتتنوع من حيث المادة والعناصر، والتفصيل والتكثيف، والتكامل الذي يصير أحياناً لوحات فنية كأنها مشاهد رائعة، وقد أعانه على امتلاك هذه القدرة التصويرية القوية، خيال وثاب، وثقافة واسعة، واطلاع واسع على الأدب الغربي، وأسفار كثيرة شاهد فيها كثيراً من عجائب خلق الله، وحياة مترفة منعمة، ولذلك كان الخيال القوي القادر أحد جوانب عبقريته وتفرده.

     يقول الدكتور شوقي ضيف وهو يتحدث عن الصورة عند شوقي: ((كان من الأسس المكونة الثابتة في هذه الصناعة خيال متألق، إذ كان شوقي واسع الخيال، غني التصوير، وشعره من هذه الناحية متحف لصور وأشباح متحركة تفد عليك من كل جانب، وكأنها تريد أن تأخذ عليك كل طرقك حتى تعلن إعجابك بصاحبها، وإن الإنسان ليخيل إليه أنه لم تكن تفوته لفتة أو حركة لشيء أو لصورة إلا اختزنها في ذاكرته ووعاها في حافظته ليلقي بها عند الحاجة رسماً أو لوحة باهرة ... كان يعرف كيف يجسم الصورة وكيف يركبها وكيف يحشد جزئياتها وعناصرها، فإذا هي تتحول إلى لوحة كبيرة كهذه اللوحات التي نراها في معارض الرسامين ... إنك تراه لا يزال يضم الخط إلى الخط حتى تتم له الصورة الكبيرة التي يريدها، ولم تكن هناك صورة تستطيع أن تتأبى على هذا الخيال الخالق الذي ترتسم فيه صور الأشياء تامة كاملة، فلا نقرؤها حتى نحس كأنها فعلاً تحت أبصارنا، وكأننا نراها رؤية المشاهد لا رؤية الغائب، وهذا كله يكسى بأردية الحلم وأكسية الوهم))[1]. والحقيقة أن النظر في صوره التي نلقاها في مراثيه يشهد بذلك بوضوح وقوة وغزارة.

     في رثائه لعمر المختار يجعل رفاته لواء يدعو إلى الثأر، ومناراً لا ضياء فيه، بل فيه دم يدعو أجيال الغد إلى الانتقام، وجرح يصيح، وضحية تجاهد بالدم:

ركزوا رفاتـــــك في الرمال لواء     يستنهض الوادي صبــــاح مسـاء
يا ويحهم نصبوا منـــــاراً من دم     يوحي إلى جيــــــل الغد البغضاء
جرح يصيح على المدى وضحية     تتـــلمس الحرية الحمــــــراء[2]

     والشهيد عمر المختار، رجل لا تفارقه شجاعته، لقد كان شجاعاً في الميدان وهو كذلك شجاع في أيدي جلاديه، فقلبه الذي لم يخش إلا الله لم يضعف، وجبينه لم ينخفض وكأنه سقراط بين قضاته، والأسد يزأر لكنه لا يبكي، لقد جاء إلى المحكمة يجر قيوداً كالحية الرقطاء لم تضعفه سنوات عمره المديد التي لو أصابت جبلاً لهدمته، فقد بقي معها صابراً مجاهداً. ها هنا مشهد رائع تتكامل عناصره، كأنه لوحة فنان مقتدر يجمع فيها الجزئية إلى الجزئية ليبهر الناس:

لبى قضاء الأرض أمس بمهـــجة
               لم تخــش إلا للســــماء قضــــــاء
وافــــاه مرفــــوع الجبيــــن كأنه
               سقـــراط جر إلى القضــــاة رداء
شيــــخ تمـــالـك نفســه لم ينفجــر
               كالطفل من خوف العقـــــاب بكاء
وأخــو أمــور عــاش في سرائـها
               فتغيـــــرت فتوقـــــع الضــــــراء
الأسد تزأر في الحديـــد ولن ترى
               في السجن ضرغاماً بكى استخذاء
وأتى الأسيـــر يجر ثقــــل حديـده
               أســـد يجـــرر حيــــة رقـطــــــاء
عضت بســــاقيه القيود فلم ينـــــؤ
               ومشت بهـــــيكله السنون فنـــــاء
تســــعون لو ركبت مناكب شاهق
               لترجـــلت هضبــــــاته إعيــــــاء

     وفي قصيدته في شكسبير تقع على مشهد رائع يصور فيه شوقي مصير جمجمة أديب كبير، منهل العطاء، صارت في التراب جوفاء غبراء كأنها أصيص مهمل:

بمن أماتـــك قل لي كيف جمجمة     غبراء في ظلمات الأرض جوفاء
كانت سماء بيـــان غير مقـــــلعة     شؤبــوبها عسل صاف وصهبــاء
فأصبحت كأصيص غير مفتقــــد     جفته ريحـــانة للشعر فيحـاء[3]

     ويصور شوقي لسان شكسبير الذي كانت له صولة وجولة في مهاجمة الظلم والظالمين، وكيف صار مثل ذنابى عقرب بال، لكنه لا يزال يؤدي دوره في محاربة الظلم:

وكيف بات لسان لم يدع غرضاً     ولم تفتـه من البـــــاغين عوراء
عفا فأمسى ذنابى عقــرب بليت     وسمها في عروق الظلم مشـــاء

     وأما يده التي كانت تفعل بما تكتب أفعالاً عظيمة، لأن في كل أنملة منها قدرة على التأثير البالغ، فإنها صارت بفعل الدود كالدود:

وما الذي صنعت أيدي البــــــلى بيد
               لهـــــا إلى الغيــــب بالأقـــلام إيماء
في كل أنمــــلة منها إذا انبجســـــت
               بـــرق ورعـــد وأرواح وأنـــــــواء
أمست من الدود مثل الدود في جدث
               قفـــــازها فيه حصبـــــاء وبوغــــاء

     إن مصير شكسبير بعد الموت يقدمه لنا شوقي في مشهد رائع متكامل، الجمجمة التي تفكر، واللسان الذي يتحدث، والأنامل التي تكتب، آلت مع التراب والبلى إلى عظام جوفاء غبراء، وذنابى عقرب هالك، وتربة هينة رخوة.

     وفي مشهد جميل مؤثر يصور لنا في رثائه لحافظ، شوقه إلى أستاذه الإمام محمد عبده، وهو شوق جعله يذوب حنيناً إليه، وهناك في المدفن تلاقى التلميذ مع الأستاذ، فوجد التلميذ أستاذه مع الأبرار والصالحين وأثر النعيم على جبينه، فتشاكيا الفرقة، وسرا باللقاء:

وأتيت صحراء الإمام تذوب من     طول الحنيـــن لساكن الصحراء
فـلقيــــت في الدار الإمام محمداً     في زمرة الأبـــرار والحنفــــاء
أثـــر النعيـــم على كريم جبيـنه     ومراشـــد التفسيــــر والإفتـــاء
فشـــكوتما الشوق القديم وذقتـما     طيب التداني بعد طول تناء[4]

     وفي رثائه للشاعر محمد عبدالمطلب يطلب شوقي من المرثي أن يصف النعيم الخالد في الجنة كما يتوقع له أن يكون، حيث الثمار في ربا كاليواقيت، والخمر في أباريق من الذهب، وحيث المرثي ينثر الشعر على الأبرار من ساكني الجنة، مترنماً في إنشاده بناي يسستعيره من رضوان خازن الجنة:

قم صـف الخــــلد لنا في ملـــــكه     من جـلال الخلق والصنع العجب
وثمـــــار في يواقيــــــت الربـــا     وســــــلاف في أبــــاريق الذهب
وانثـــر الشعر على الأبــرار في     قــدس الســــاح وعلوي الرحــب
واستعـر رضوان عودي قصــب     وترنـــم بالقــــــوافي في القصب
واسق بالمعـــــنى إلهيــــــــاً كما     تتســـاقون الرحيق المنسكب[5]

     وفي رثائه للأديب محمد تيمور، يجعل الموتى ضيوفاً على البلى، والبلى ذئب، بل هو شر الذئاب:

نزلوا على ذئــــب البلى     فتضيفوا شر الذئاب[6]

     والصورة رائعة مؤدية مثيرة، فالموتى ضيوف، والعادة أن المضيف يكرم ضيفه، لكن الأمر هنا على النقيض من ذلك، إنه المضيف الفاتك إزاء الضيف العاجز عن كل حيلة.

     وفي رثاء يعقوب صروف يقدم لنا شوقي الدنيا في مشهد تصويري رائع جداً، نرى فيه الدنيا جالسة في طريق البشر، الذين يهلكون فريقاً إثر فريق وهي تودعهم بنظرة كليلة ساخرة، ذلك أنها لم تفرح بهم يوم أقاموا فيها ولم تجزع عليهم يوم غادروها، وهي كقائد عسكري جبار يسوق جنوده إلى الموت دون أن يحزن لهم حتى كأنهم ذباب هين، لأنه يرى في استمرار القتل والقتال، سلامة له وسلطة يضحي من أجلهما بجنوده حتى لو هلكوا جميعاً:

قعدت من الأظعان في مقطع السرى
               ومــروا ركابــــــاً في غبـــار ركاب
وجـــدت عليهم في الوداع بســـــاخر
               من اللحـــظ عن ميت الأحبة نــــابي
أقـــاموا فلم يؤنسـك حاضر صحبــة
               ومالوا فلم تستــــوحشي لغيــــــــاب
تســــوقين للموت البنيـــــن كقــــائد
               يرى الجيــــش خـلقـــاً هيناً كذبــاب
رأى الحرب سلطانــــاً له وســلامة
               وإن آذنت أجنـــــاده بتبــــــــاب[7]

     وفي صورة جميلة يقدم لنا شوقي ما يرغبه ليعقوب صروف من سلام، ومن رحمة تساقط من السحاب الماطر، ومن ريحان رفاف يضوع عطره:

سلام على شيخ الشيوخ ورحمة     تحدر من أعطاف كل سحــــاب
ورفاف ريحان يروح ويغتـــدي     على طيبات في الخلال رطـاب

     وفي بيتين رائعين يقدم لنا شوقي صورة رائعة جداً لجهد كارنافون في الكشف عن مقبرة توت عنخ آمون:

أفضى إلى ختــــــم الزمان ففضه     وحبا إلى التـــاريخ في محـــرابه
وطوى القرون القهقرى حتى أتى     فرعون بين طعامه وشــرابه[8]

     إن كارنا فون بذل جهداً هائلاً فيما فعل، لقد ظل يزحف حتى وصل إلى قدس التاريخ ومحرابه حيث وجد الزمان وعليه قفل مختوم ففضه، وأعاد ما قد مضى فنشره ثانية، فكأنه أعاد الزمن إلى الوراء ليصل إلى فرعون بين طعامه وشرابه، ويقدمه بالتالي إلى الناس اليوم.

     وفي صورة رائعة أخرى يقدم لنا شوقي توت عنخ آمون حال اكتشافه، فهو يكاد يكون حياً بكل ما له من وقار الملك وأبهة الغنى، فالطيب يفوح حول سريره، واللؤلؤ الزاهي يلمع في ثيابه، والتحف الغالية لا تزال جديدة إلى جواره، كأنها الفاكهة يقدمها قاطفها في أبهى حلة وأسرع وقت لتظل ناضرة:

المنـــدل الفياح عود سريــــره     واللـــؤلؤ اللماح وشي ثيــــابه
وكأن راح القاطفين فرغن من     أثماره صبحــــــاً ومن أرطابه

     ويطلب شوقي من اللورد كارنافون أن يصف له ما بعد الموت، فيقدم لنا ذلك في تصوير بديع، فما بعد الموت هو النزل الذي يرجع فيه الإنسان عن ضلاله، ويدع لعبه، وينام العدو عن حقده ويسلو الصديق عن هوى من يحب:

يا صاحب الأخرى بلغت محلة     هي من أخي الدنيا مناخ ركابه
نزل أفــــاق بجانبيه من الهوى     من لا يفيق وجد من تلعــــــابه
نــــام العدو لديه عن أحقــــاده     وسلا الصديق به هوى أحبـابه

     وفي رثائه لرياض باشا يقدم لنا شوقي مشهداً تصويرياً متكاملاً عن الموت وساعته وأنواعه وعن حال الروح بعده، مشهد تتكامل عناصره ويقود بعضها إلى بعض حتى كأنه لوحة فنية لا يستقيم أمرها إلا بأن ينظر إليها مكتملة:

رهيــــن الرمس حدثني ملياً     حديث الموت تبد لي العظات
هو الخبر اليقين وما ســــواه     أحـــاديث المنى والترهـــات
سـألتــك ما المنـــية أي كأس     وكيف مذاقهـــا ومن السقــاة
وماذا يوجس الإنسـان منــها     إذا غصت بعــلقمها اللهــــاة
وأي المصرعين أشــد موت     على علم أم الموت الفـــوات
وهل تقع النفــوس على أمان     كما وقعت على الحرم القطاة
وتخــــلد أم كزعم القوم تبلى     كما تبلى العظام أو الرفــات
تعــــالى الله قـــابضهـــا إليه     ونــاعشها كما انتعش النبات
وجازيها النعيم حمى أمينـــاً     وعيشــــاً لا تكــدره أذاة[9]

     إن الشاعر يحدث الفقيد ويطلب منه أن يخبره عن الموت ليتعظ فهو وحده اليقين وما سواه باطل، وفي سؤال ذي طبيعة استقصائية تدل على فزع الشاعر من الموت يسأله عن طعم الموت وسقاته وماذا يشعر المرء أثناءه، ويطلب منه أن يخبره عن الموت المفاجئ والموت المعلوم وأيهما أشد، وعن مصير الروح بعد مغادرة الجسد أتخلد أم تبلى؟ وينهي شوقي مشهده المصور المتكامل بالإيمان الكامل، فالروح يقبضها الله تعالى إليه، وينعشها كما ينتعش النبات ويجزيها النعيم إن كانت محسنة والعذاب إن كانت خلاف ذلك، إن جزئيات المشهد تتكامل لتشكل اللوحة في نسق واحد يروع ويعجب، ومما يزيده روعة وإعجاباً الحوار والتساؤل والاستقصاء في التساؤل، والنهاية التي انتهى إليها، وهي نهاية سكينة وتسليم.

     وفي صورة مكثفة رائعة يصور لنا شوقي واقعة أسر جدته وهي بنت عشر سنوات في جزيرة المورة في اليونان، وما أدى إليه هذا الأسر من خير لها باعتناقها الإسلام وإخلاصها له:

عنــــنت لهم بمورة بنت عشر     وسيف الموت في هام الكمـاة
فكنت لهم وللرحـمن صيـــــداً     وواسطة لعقد المسلمات[10]

     وفي رثائه لعبد الخالق ثروت نجد عدداً من الصور المكثفة البديعة، فالتصريح الذي حصل عليه الفقيد هو إكليل فخار على رأسه، لكن الفقيد لا يجد في مقابل ذلك بعد موته إكليلاً من هام الرجال يحمله:

مكلل الهـــــام بالتصريح ليس لــــه
               عود من الهام يحويه ولا نضد[11]

     ومصر سعيدة بحماية الله التي انبسطت فاحتمت بها، بعد أن انطوت حماية المحتل، وجمال الصورة يبدو جلياً في إظهار حماية تطوى وأخرى تنشر، وبلد يحتمي بالله لا بالناس:

طوى حمايته المحتل وانبسطت
               حماية الله فاستـــــذرى بها البلد

     والفقيد نشأ في عز وفخار، فهو من الدنيا في جبينها وفمها، وهذا المجد يستدعي حسد الأقران فالمجد والحسد دائران مقترنان مع الفقيد وعليه:

نشأت في جبهة الدنيا وفي فمها    يدور حيث تدور المجد والحسد

     ومرثاة شوقي في الفقيد تتساقط دموعه من حولها، كما تتساقط حبات البرد حول السوسن العاطر، فللدموع سقوط وللبرد سقوط، والقصيدة سوسن والسوسن قصيدة:

أرســلتها وبعثت الدمع يكنفها     كما تحدر حول السوسن البرد

     ويفتتح شوقي قصيدته في محمد فريد بهذا البيت الذي نجد فيه صورة غنية، تضع أمامنا حقيقة الموت الماثلة، الجديدة القديمة:

كل حي على المنيــــة غــــــــــادي
               تتوالى الركاب والموت حادي[12]

     فالأحياء في سفر لا ينتهي يفضي بهم إلى المنية، وهم قوافل متوالية، يشجعها ويحدو بها الموت حتى لا تمل من السفر الدائب، هو يحدو وهم يمضون والمنية تبتلع الجميع.

     وفي صورة أخرى مكثفة غنية يجعل شوقي الأجساد طعاماً للرحى التي تطحنها وتجعلها غباراً ما يلبث أن يتطاير، فالغبار المتطاير إنما هو ثمرة الطحن الذي لا يتوقف:

والغبار الذي على صفحتيها     دوران الرحى على الأجساد

     ويقدم لنا شوقي عدالة المصير الذي ينتهي إليه الناس في التراب في صورة جميلة، فالتراب إنسان عادل ينهض بحقوق العباد بالتساوي، وهو من عدله يجمع القوي إلى الضعيف، والملك إلى الزاهد، والتراب كتاب مبسوط نقي مبرأ من الحقد حتى كأنه قلوب الأنبياء في طهرها ونقائها:

هل ترى كالتراب أحسن عـدلاً     وقيـــــاماً على حقوق العبــــاد
نزل الأقويــاء فيه على الضعـ     ـفى وحـــل الملـــوك بالزهــاد
صفحــــات نقية كقـــــلوب الر     ســـل مغسولة من الأحقــــــاد

     وفي قصيدته في اللورد كتشنر، يصور لنا الشاعر سطوة الموت وقدرته وجبروته، فما ينجو منه لا حذر ولا محتاط في هذا البيت البديع:

رب ثــــــاو في الظبى ممتـــــنع
               سله المقدار من جفن الحذر[13]

     فللحذر جفن يرقب به من يحب حتى لا يصل إليه الموت، لكن الموت الغالب يسله سلاً من بين كل ما يحتمي به فيصرعه، والموت وهو يتسلل لواذاً إلى الميت يتقي ويحذر ويترقب حتى يفوز بما يريد.

     وفي بيت بديع يصور شوقي غرق السفينة التي كان فيها كتشنر، وهو بيت عجيب، فيه إحكام وإيجاز وحركة:

طعنت فانبجست فاستصرخت     فأتـــــاها حيــــنها فهي خبــــر

     ففي ثلاثة أفعال متوالية حكى قصة السفينة كاملة، تطعن فتثقب فتستنجد لكن الهلاك يجعلها خبراً من الأخبار، ومما يمنح الصورة حيوية وإثارة، تعاقب الفاءات في الأفعال وهو ما يوحي بالسرعة التي هلكت فيها السفينة.

     ولما رثى شوقي صديقه عمر لطفي صور لنا آخر لقاء جرى بينهما في مشهد رائع مؤثر:

سهرنــــا قبيل الردى لـيــــــــلة
               وما دار ذكر الردى في الســـمر
فقــــمت إلى حفــــرة هيــــــئت
               وقـــمت إلى مثــــلهـا تحتـــــفـر
مددت إلـيـــــك يــــــــداً للوداع
               ومد يـــداً للقـــــاء القـــــــــــدر
ولو أن لي عـــــلـم ما في غـــد
               خبأتك في مقلتي من حذر[14]

     لقد سهر الصديقان سهرة جميلة لم يأت فيها ذكر الموت الذي كان لهما بالمرصاد، فقام الفقيد إلى حفرته، وقام الشاعر إلى أخرى تعد له ينتظرها وتنتظره، والوداع يقتضي السلام، فأما يد الشاعر فقد امتدت إلى الفقيد، لكن يد الفقيد بخلاف ما ينبغي امتدت إلى القدر تصافحه وتستجيب لداعيه، ولو أن الشاعر كان يعرف الغد لجعل من عينه مخبأ يحمي فيه صديقه الفقيد. صورة رائعة بل مشهد حي، الصديقان يسهران ويسمران، والأيادي تذهب كل في طريقها، يذهب أحدهما إلى حفرة ليسكن فيها ويقوم الآخر إلى حفرة لا تزال تعد له، والمقلة تحمي من الموت حذراً من خطفه للفقيد لكن الشاعر لا يعلم بالغيب المضروب، فيغلب الحذر ويفوز الموت.

     وفي صورة مكثفة رائعة يقدم لنا شوقي الدنيا على حقيقتها حيث يقول عنها في رثائه إسماعيل صبري:

نعــــماؤك الريحــــــان إلا أنــه     مست حواشيه نقيع زعاف[15]

     فالدنيا في بهجتها ونعيمها كالريحان بطيبه المعهود، لكن السم القاتل يسكن في هذا الريحان، وبذلك تتجاور التناقضات في الدنيا وأهمها هنا الهناء والفتك.

     والفقيد الذي كان ينادم الملوك صارت الذئاب تنادمه، وشتان ما بين منادمة الأمس وبين منادمة اليوم:

ومنادم الأملاك تحت قبابهم     أمسى تنادمه ذئاب فيــــافي

     وهي صورة عجيبة جداً فيها تقابل ساخر، فالمنادمة لم تنقض بل استمرت تحت التراب كما كانت فوقه، لكن الذي كان ينادم الملوك أصبحت تنادمه الذئاب، والمنادمة الأولى يحفها النعيم والثراء والجاه والسرور، بخلاف المنادمة الثانية التي يحفها الافتراس والوحشة والحزن والوحدة.

     وفي مشهد رائع متكامل يقدم لنا شوقي ما يؤول إليه الناس في قبورهم، وهو في هذا المشهد، يجيد التصوير من ناحية، ويجيد عرض مخاوفه النفسية من ناحية:

في منــزل دارت على الصيد العلا
               فيـــه الرحى ومشت على الأرداف
وأذيل من حسن الوجــــوه وعزها
               ما كــــان يعبد من وراء سجــــاف
من كل لـمـــــاح النعيــــم تقــــلبت
               ديبــــاجتــاه على بلى وجفـــــــاف
وترى الجماجم في التراب تمـاثلت
               بعد العقـــول تماثـــــل الأصــداف
وترى العيــــون القاتـــلات بنظرة
               منهوبة الأجفــــان والأسيــــــــاف
وتراع من ضحك الثغـــور وطالما
               فتنـــــت بحــــلو تبســـم وهنــــاف

     إن الصورة هاهنا تحولت إلى مشهد متكامل تأخذ جزئياته مواقعها فيه لتظهر أمامنا لوحة حية، فالقبر منزل يطحن القادة ومن يليهم طحن الرحى، وفيه تكشف الستور عن الوجوه التي كانت من عزها وتمنعها كأنها تعبد، فيتقلب على البلى والجفاف كل منعم مترف، وهو تقلب مناقض بطبيعة الحال لما كان عليه الساكن، والجماجم التي كانت تتفاوت في منزلتها بعقول أصحابها ومواهبهم ومواقفهم صارت متماثلة في التراب كأنها أصداف على شاطئ بحر، وعيون الحسان التي كانت تقتل المعجبين وتنهب أنظارهم صارت في محاجر بالية وقد نهب الموت منها أجفانها الساحرة وسيوفها القاتلة، والأفواه التي كانت تفتن الناس بجمالها وابتسامها آلت إلى ضحك مخيف مريع.

     ويقدم لنا شوقي الشمس في صورة عجيبة، فيها ذكاء وغرابة وإدانة، وفيها ندرة أيضاً:

غزت القرون الذاهبين غزالة     دمهـــم بذمة قرنها الرعـــاف

     فالشمس تحب أن تفتك وتسطو، ولذلك غزت الأجيال الذاهبة من البشر فأهلكتهم، فهي القاتلة الواترة، وهي مطالبة بدمهم الذي لا يزال يتساقط من قرنها الراعف.

     وفي صورة عجيبة أخرى يقدم لنا شوقي الشمس وهي تنسج ثلاث عمائم ليرتديها الناس في مراحل أعمارهم الثلاث، الشباب حيث الشعر أسود، والكهولة حيث الشعر أشهب، والشيخوخة حيث الشعر أبيض، ولما كان الموت هو المصير الذي سوف تلقي بالناس إليه، فإنها سخرية بهم تنسج لهم أكفان الموت من ثياب الزفاف، فالشمس في هذه الصورة البديعة نساجة محترفة دائبة، وساخرة أيضاً:

نسجت ثلاث عمائم واستحدثت     أكفان موتى من ثيــــاب زفاف

     وفي مشهد بديع يصور لنا شوقي في رثائه لفوزي الغزي، بطش القائد الفرنسي بدمشق بحماقة ورعونة، فيقول لها:

أنسيــــت نـــــار الباطشين وهـــــزة
               عــرت الزمــــان كأن روما تحــرق
رعنــــاء أرســــــلها ودس شواظهـا
               في حجــــرة التـــاريخ أرعن أحمـق
فمشـــت تحطـــم باليميـــن ذخيـــرة
               وتــلص أخرى بالشــــمال وتســرق
جنـــت فضعضعها وراض جماحها
               من نشئـــك الحمس الجنون المطبـق
لقي الحديـــــد حميــــــة أمويــــــــة
               لا تكتسي صدأ ولا هي تطرق[16]

     ففي هذا المشهد نرى بطش المستعمر بدمشق وهو بطش ظلوم هز الزمان فتذكر الناس بحريق دمشق حريق روما من قبل، والقائد الفرنسي الذي قصف المدينة أرعن أحمق يرسل هجمة رعناء حمقاء، طفقت تبطش وتسرق وقد استبد بها جنون لم يضعضعه إلا حماسة أبناء دمشق الذين تصدوا لها، فغلبت الحماسة الأموية الأصيلة، عسف المستعمر وظلمه وجنونه.

     عناصر المشهد واضحة: نار تحرق، وزمان يهتز، وقائد مجنون، وهجمة مجنونة، ناهبة باغية، وشباب شجعان ينتصرون لمدينتهم، ومن هذه العناصر تتكامل جزئيات المشهد وجوانبه المختلفة لنجد أنفسنا أمام لوحة تروع.

     ويقدم شوقي لنا الحزن في الشام على الفقيد في صورة جميلة، تضفي الحياة الإنسانية على غير الإنسان:

بردى وراء ضفــــافه مستعبــر     والحور محلول الضفائر مطرق
والطير في جنـــــبات دمر نوح     يجد الهموم خليـــهن ويــــــأرق

     فبردى إنسان يبكي، والحور في غوطة دمشق محزون متهدل الأغصان تهدل ضفائر المرأة التي أذهلها الحزن عن شعرها، والطير في دمر يبكي بكاء مراً، يعدي الهم إلى الخلي فإذا به أرق ساهر.

     وفي رثاء شوقي لأمين الرافعي يقدم لنا الشاعر مشهداً متكاملاً لقافلة الموت التي سبقت الفقيد وجعلته يمضي وحده يريد اللحاق بهم، والمسافرون في القافلة يصنع الموت بهم صنيعه وينتهي بهم إلى ثرى نقي يجدون معه طعماً لم يكن ليخطر لهم:

مــــال أحبــــابه خليــلاً خليــلاً     وتــــولى اللــــدات إلا قليـــــلا
فصلوا أمس من غبار الليـــالي     ومضى وحـــــده يحث الرحيلا
سكنـــت منهم الركـــاب كأن لم     تضطرب ساعة ولم تمض ميلا
جردوا من منـــازل الأرض إلا     حجــــراً دارساً ورملاً مهيـــلا
وتعـــروا إلى البلى فكســـــاهم     خشـنة اللحد والدجى المســدولا
في يبــــاب من الثـرى رده المو     ت نقيـــاً من الحقــــود غسيـــلا
طرحوا عنـــــده الهموم وقــالوا     إن عبء الحياة كان ثقيلا [17]

     ففي هذا المشهد نرى أصدقاء الفقيد وقد مضت بهم قافلة الموت، ففصلوا من غبار الزمن وتركوه وحده يحاول اللحاق بهم، وفي منزل القافلة الذي حطت به نرى السكون كأن الناس لم تتحرك ساعة من الزمن ولم تقطع ميلاً من الأرض، والمنزل الجديد جردهم مما كان لهم بالأمس في منازلهم وكساهم لحداً خشناً وليلاً مسدولاً، لكنه وضعهم جميعاً في أرض نقية طاهرة من الأحقاد فوجدوا فيها سعادة لم يكونوا يتوقعونها، وتخلصوا بها من همومهم التي كانت عبئاً ثقيلاً عليهم في حياتهم.

     وفي صورة رائعة يتخيل شوقي نفسه وقد مات، وجاء من ينوح عليه ويبكي، ويلقي المراثي التي صيغت من الدمع والحزن والحرقة، لكن الشاعر لا يستطيع أن يتكلم فالردى لا يأذن له بذلك:

رب يــــوم يـنـــــــاح فيه عـلينا     لو نحس النـــــواح والتـرتيـــلا
بمـراث كتبـــن بالـدمع عنــــــا     أسطراً من جوى وأخرى غليلا
يجـــد القــــائلون فيها المعـاني     يوم لا يــــأذن البــــلى أن نقولا

     وما أروع صورة البلى الذي جعله الشاعر وكأنه إنسان له أن يأذن وله أن يمنع، لكنه في هذا الموقف اختار المنع.

     وفي رثاء الطيارين العثمانيين فتحي ونوري يروعنا شوقي بصوره الحية المؤثرة التي وفق فيها أبعد توفيق. يصور لنا شوقي في مشهد حي قصر الحياة وتناقضاتها فيقول:

لا تحفــــلن ببــــؤسها ونعيـــــــمها
               نعـــمى الحيـــــاة وبؤسها تضــليل
ما بيــــن نضرتها وبين ذبــولهــــا
               عمـــر الورود وإنــــه لقــليــــــــل
هذا بشيــر الأمس أصبــــح ناعيــاً
               كالحـــلم جـــــــاء بضده التــــأويل
يجـــري من العبرات حول حديثــه
               ما كـــــان من فــرح عليــه يسيـــل
ولرب أعـــراس خبـــــأن مآتـــــما
               كالرقط في ظل الرياض تقيل[18]

     إن شوقي يريد أن يهون من شأن الدنيا فجمع عدداً من الأضداد فيها وجعلها متساوية، حتى لا يفرح ولا يحزن بها أحد، فبؤسها ونعيمها ضلال ليس لأحد أن يحزن بالأول أو يفرح بالثاني، وهي ما تكاد تزهر حتى تذبل كالورد المعروف بقصر عمره، والذي كان بالأمس يبشر هو اليوم ينعى، كالمنام الذي جاء الواقع على عكسه، وسرور البشير أمس هو عبرات الناعي اليوم، وقد تذهب إلى الرياض الخضراء لتسعد بها فتروعك الأفاعي، كما تروع المآتم المخبوءة في حفلات الأعراس حيث لا يتوقع الناس.

     وفي مشهد رائع جميل يصور لنا شوقي الطيارين الشهيدين اللذين قتلا في الفضاء، وقد صارت السماء بمالها من طهر وعلو وإيمان قبراً لهما:

أي الغزاة أولي الشـــــــهادة قبلكم     عرض السماء ضريحهم والطول
يغــــدو عليــــهم بالتحيـــة أهلــها     ويرفــــرف التسبيـــــح والتهليـل
إدريس فوق يميـــــنه ريحـــــانة     ويســـــوع فوق يميـــــنه إكليـــل
في عـــــالم ســـكانه أنفــــــاسهم     طيب وهمس حديثــــــهم إنجيــل

     إن السماء بطولها وعرضها قبر للشهيدين، وأهل السماء من الملأ الأعلى يذهبون للسلام عليهما حيث يشيع الإيمان تسبيحاً وتهليلاً، وهناك نبيان كريمان يقفان لتحية الشهيدين أحدهما يحمل الإكليل والآخر يحمل الريحان، وسكان السماء حيث قبر الشهيدين أهل تقوى وعفة ونقاء، أنفاسهم كالطيب وحديثهم كالإنجيل.

     ويقدم لنا شوقي وقع الكارثة على دمشق حيث دفن الشهيدان في صورة حية، تحزن فيها دمشق ويحزن أهلها، وتذبل بساتينها، والحزن عام في كل مكان، حتى إن المسجد الأموي انتابه حزن غامر جعله طلولاً:

هلعت دمشــق وأقبلت في أهلها     ملهــــوفة لم تدر كيف تقـــــول
مشت الشجون بها وعم غياطها     بين الجــــداول والعيون ذبــول
في كل سهــــل أنة ومنــــــاحة     وبكـــل حــزن رنـــة وعويــل
وكــــأنما نعيــــــــت أمية كلها     للمسجــد الأموي فهو طلــــول

     وفي رثائه لجورجي زيدان يصور لنا الموت صورة غريبة لكنها دقيقة، فالموت رفيق دائم للإنسان يلازمه في حله وترحاله، والعهد بالرفيق أن يكون حارساً لرفيقه، لكن الموت رفيق غير حارس بل غير مؤتمن، يظل مع الإنسان في سفر أو إقامة حتى يظفر به:

وما علــــمت رفيــــقاً غير مؤتمــــن
               كالموت للمرء في حل وترحال[19]

وفي رثائه لشهداء العلم والغربة يصور كيف استقبل هؤلاء الشهداء في مصر تصويراً جميلاً حياً كأنه لوحة:

يطـــاف بهم نعشــــاً فنعشــــاً كأنهـــــم
               مصاحف لم يعل المصلي على التـــالي
توابيـــــت في الأعنــــاق تترى زكيــة
               كتــــــابوت موسى في منـــاكب إسرال
ملففـــــــــة في حـلــــــة شفقـيـــــــــــة
               هلاليــــة من رايــة النيـــــل تمثــــــال
أظل جــــلال العــــلم والموت وفـــدها
               فــــلم تــــلق إلا في خشوع وإجـــــلال
تفـــــارق داراً من غــــــرور وبـــاطل
               إلى منزل من جيرة الحق محلال[20]

     فالشهداء لهم مكانة علية تجعل المشيعين يتناقلونها نعشاً نعشاً في ترتيب محكم، ولهذه النعوش الزكية قدسية خاصة تجعلها فوق أعناق الرجال الحريصة عليها، مثل تابوت موسى الذي كان يجري في اليم والملائكة تحوطه، وهي ملفوفة في راية النيل الخضراء، يحفها جلالان: جلال العلم وجلال الشهادة لذا لا يلقاها المشيعون إلا بخشوع وإكبار، يرمقونها وهي تفارق دار الغرور إلى دار البقاء.

     إن جمال هذا المشهد يظهر في تكامله وما فيه من حركة ولون وقدسية دينية وظلال، تتجمع عناصره لتضفي عليه الحياة وتملأه بالتأثير.

     وفي رثائه للشريف حسين، سأل المرثي كيف غامر إلى جوار الإنجليز، وكيف انخدع بهم ويعتذر منه بأنه لا يريد لومه، ويعتذر له في بيتين جميلين بأنه لم يكن الوحيد الذي طمع فكان هلاكه في طمعه:

كلنـــــــا وارد الســـــــراب وكل     حمل في وليمة الذئـــــب طــاعم
قد رجونــــا من المغــــــانم حظاً     ووردنا الوغى فكنا الغنائم [21]

     والصورة بديعة جداً، فيها السراب الذي يريده المتوهم، وفيها الحمل الذي يصبح طعاماً للذئب، وفيها من يقدم يدفعه الرجاء للحصول على غنيمة يفوز بها، فإذا به غنيمة يفوز بها أعداؤه.

     ويجعل شوقي العزيمة البعيدة وهي حركة نفسية، ثماراً تظهر بعد حين، ربما لا يستفيد منها زارعها بل الأجيال التالية:

إنما الهمة البعيـــــدة غرس     متأتي الجنى بطيء الكمائم
ربما غــاب عن يد غرسته     وحوته على المدى يد قـادم

     والصورة تجمع الحركة النفسية إلى الحركة المادية، لتؤدي دورها في الإشادة بالمرثي الذي ستظهر آثاره النافعة في قابل الأيام.

     ويوفق شوقي في تصويره لسرعة النبأ الذي وصله إلى الأندلس بوفاة أمه وأثره الدامي عليه توفيقاً بعيداً:

طوى الشرق نحو الغرب والماء للثــرى
               إلي ولم يــركــــب بســــاطاً ولايــــــــما
أبــــان ولم ينبـــــس، وأدى ولم يفـــــــه
               وأدمى وما داوى، وأوهى ومارما[22]

     فالنعي يطوي المسافة من مصر إلى الأندلس طياً سريعاً، وما وصل حتى بلغ دون كلام، وأدى دون قول، وجرح دون أن يداوي، وأضعف دون أن يعين.

     وفي مشهد متكامل بديع يصور لنا شوقي كيف جاءه خبر الموت ليقطع آماله التي أخذت تملأ قلبه مع انتهاء الحرب:

فلما بدا للنـــــاس صبــــح من المنى
               وأبصر فيه ذو البصيــرة والأعـمى
وقرت سيوف الهنــــد وارتكز القنـا
               وأقـلعـــت البـــلوى وأقشعت الغمى
وحنـــت نواقيـــس ورنت مــــــآذن
               ورفت وجوه الأرض تستقبل السلما
أتى الدهر من دون الهنــاء ولم يزل
               ولـوعـــاً ببنيـــان الرجـــاء إذا تمــا

     لقد ظهر للناس فجر من الآمال رأى فيه الجميع خطورة الحرب فعملوا على وقفها، فتوقف القتال ومضى البلاء، وحنت المساجد والكنائس إلى السلم وفرحت الأرض وطربت، وفي هذا الموعد الجميل جاء الموت ليعكر على الهناء صفوه، وتلك عادته التي أولع بها من قديم. إن المشهد متكامل فيه مقدمات تقطعها المفاجأة بغير المتوقع، فتبلى آمال الشاعر ويزول هناؤه لما صنعه به الدهر الذي حرمه من أمه التي كان يتوقع لقاءها مع نهاية الحرب.

     وفي رثائه لمصطفى كامل، يخاطب الشاعر الفقيد:

شهيــــد الحق قـــــم تره يتــــيماً
               بــــأرض ضيعت فيها اليتـــامى
أقــــام على الشفاه بها غريبــــــاً
               ومر على القلوب فما أقاما[23]

     إن الشاعر يجعل من المرثي شهيداً للحق، ثم يأسى لحال الحق الذي بات يتيماً حيث لا يحفظ اليتامى ولا يصانون، وقد بلغ الأمر بالحق اليتيم الذي زهد فيه الناس أن صار غريباً منبوذاً ليس له محل لا في القلوب ولا حتى في الأفواه. والصورة بديعة جداً يجمع فيها الشاعر بين المحسوس وغير المحسوس، والغربة على الشفاه والقلوب، لتروع السامع وتحزنه على الحال العسير الذي صار إليه الحق.

     وفي صورة مكثفة تومض صور لنا جنازة الفقيد التي ملأت الأرض، والتي حملت على النعش الهمة والدين والمروءة والزعامة:

ولم أر مثـــل نعشك إذ تهادى     فغطى الأرض وانتظم الأناما
تحـــمل هـــمة، وأقـل دينــــاً     وضم مروءة وحـــوى زماما

     وفي مشهد بديع يصور لنا شوقي في رثائه لأبيه المودة التي كانت بينهما، والتي كانا بها يأكلان معاً ويشربان معاً ويتمشيان معاً، في بساطة وعفوية، لا توحي لمن يراهما بأنهما أب وابن يتعاملان بما تلزمهما به قواعد التعامل بين الآباء والأبناء، بل هما صديقان يتعاملان بعفوية وندية:

مــــا أبي إلا أخ فـــــــــارقتـه     وده الصــدق وود الناس مين
طـــالما قـمنـــــا إلى مائـــــدة     كانت الكســرة فيها كســرتين
وشربنــــا من إنــــاء واحــــد     وغســـلنا بعد ذا فيه اليــــدين
وتمشــــــــينـا يــدي في يـــده     من رآنا قال عنا أخوين[24]

     وفي رثائه لمصطفى كامل نجد هذه الصورة المكثفة التي تومض وتوحي، وتجعل المتلقي يتعامل مباشرة مع غناها وجمالها وجلالها:

ومشى جلال الموت وهو حقيقة     وجلالك المصدوق يلتقيان[25]

     ففي هذه الصورة جلال للموت، وجلال للميت، وهذان الجلالان يلتقيان، فيكون بينهما تقدير لبعضهما من جانب، وخضوع أحدهما للآخر من جانب، ثم لا تفصل لنا الصورة شيئاً بعد ذلك بل تترك لخيال الواحد منا أن يتعامل معها كما يشاء.

     وفي القصيدة نفسها مشهد رائع متكامل، لشجاعة الفقيد قبيل موته وصبره وبعد همته واستبساله في خدمة وطنه:

ولقد نظرتك والردى بك محـدق     والداء ملء معــــــالم الجثـــمان
يبغي ويطغى والطبيـــب مضلل     قنط وســـــاعات الرحيل دواني
ونواظر العـــــواد عنـــك أمالها     دمع تعــــــالج كتــمه وتعــــاني
تمـــلي وتكتب والمشــاغل جمة     ويداك في القرطاس ترتجفــــان
فهششت لي حتى كأنك عائـــدي     وأنـــا الذي هد السقــــام كيــاني
ورأيت كيف تموت آساد الشرى     وعرفت كيف مصارع الشجعان

     فالشاعر ينظر إلى صديقه قبيل موته، الردى محدق به، والداء يملأ أركانه، والطبيب قنط حائر، والباقي من الحياة قليل، وعيون الزوار ملأى بالدموع تحاول كتمها عن الزعيم، والزعيم مع هذا كله، لا يزال يكتب مرة ويملي مرة تحدوه رغبة في إنهاء مشاغله الجليلة الجمة فيما بقي له من ساعات وفاء منه لوطنه، وعلو همة، ومضاء عزيمة، والأعجب من ذلك أنه هو الذي يبتسم للشاعر، وكأن الشاعر مريض جاء الزعيم يعوده ويشجعه، وهذا منه موقف جدير بالإعجاب يتعلم منه الناس كيف تموت الأسود وكيف يقضي الشجعان.

     إن هذا المشهد متكامل رائع يشكل لوحة تتجمع جزئياتها وتفاصيلها من موت ومرض، وطبيب يائس، وزمن يسرع، وعيون تبكي، وسباق بين المشاغل والموت، وبسمة صابرة راضية تجعل المريض زائراً والزائر مريضاً، وخاتمة يموت فيها البطل الميتة اللائقة به، لنجد أنفسنا أمام منظر درامي ينتزع منا الإعجاب والحزن معاً.

     وهكذا يستبين لنا بجلاء أن شوقي شاعر مصور مقتدر، الصورة أداة أساسية يكثر من استعمالها، ويعدد في موادها وينوع في أشكالها فهي مرة صورة مكثفة غنية تومض وتوحي أكثر مما تفصل وتستقصي، وهي مرة مشهد متكامل تتجمع فيه الجزئيات والتفاصيل لتتعاون معاً في إخراج لوحة تامة الأبعاد والنسب تروع وتعجب، وأحياناً يأتي بالحوار والتساؤل وهو ما يضفي الحياة والحركة على المشهد، وأحياناً يجمع المتناقضات والأضداد ليسوي بينها، وأحياناً يلجأ إلى التناقض الساخر، وكما تروعنا قوة تصويره للأشياء المادية، تروعنا قوة تصويره للحركة النفسية، ولجمعه الموفق بين المحسوس وغير المحسوس.

     لذلك للأستاذ أحمد محفوظ أن يشيد بملكة شوقي المبدعة في قوة التصوير فيقول فيها: ((كان شاعر وصف من الطراز الأول، كان يصور الروضة فيجيد عرض محاسنها ويجلوها في جمال أخاذ ويصف القصر فتأخذك روعة أبهائه وجمال شرفاته، ويصف البحر فتحس بأمواجه الدافقة المتدفعة تغمرك برشاشها، وزرقته الزاهية تسلبك النظر إليها والتحديق فيها ... وشوقي كان بعيد الرمية في التصوير عندما يصف، كان كامل الصورة عندما يبرز اللوحة الفنية من الغرض الموصوف، وهو ثاني اثنين في الشعراء ابن الرومي وهو، وحسبه مجداً أنه تال لأفحل شاعر وصاف عرفه الشعر العربي))[26].

     وللدكتور شوقي ضيف أن يصف شوقي بأنه كان ((واسع الخيال، غني التصوير، وشعره من هذه الناحية متحف لصور وأشباح متحركة تفد عليك من كل جانب، وكأنها تريد أن تأخذ عليك كل طرقك حتى تعلن إعجابك بصاحبها، وإن الإنسان ليخيل إليه أنه لم تكن تفوته لفتة أو حركة لشيء أو لصورة إلا اختزنها في ذاكرته ووعاها في حافظته، ليلقي بها عند الحاجة رسماً أو لوحة باهرة))[27].

     كان شوقي إذن شاعراً مصوراً مقتدراً أعانته ملكته القوية وظروفه المواتية على اختزان الكثير مما يقرأ ويسمع ويشاهد، فيسعفه هذا المخزون المليء وقت الحاجة خير إسعاف في تقديم صور جميلة رائعة. يقول الدكتور محمد حسن عبدالله:((إن الطبيعة بكل ما تنطوي عليه من أشياء وجزئيات وظواهر، هي المصدر الأساسي لإمداد الشاعر بمكونات الصورة، ولكنه لا ينقلها إلينا في تكوينها وعلاقاتها الموضوعية، إنه يدخل معها في جدل فيرى منها أو تريه من نفسها جانباً. يتوحد معه بإدراك حقيقة كونية وشخصية معاً))[28]. والنظر في صور شوقي على ضوء هذا الرأي النقدي، يؤكد لنا أنه كان شاعراً غنياً في امتلاك مكونات الصور، قادراً على التفاعل معها، بما يجعله في النهاية مصوراً مقتدراً رائعاً.

------------
[1] شوقي شاعر العصر الحديث، ص 46 – 49.
[2] الديوان 2/344.
[3] الديوان 2/350.
[4] الديوان 2/359.
[5] الديوان 2/366.
[6] الديوان 2/369.
[7] الديوان 2/373.
[8] الديوان 2/377.
[9] الديوان 2/386.
[10] الديوان 2/398.
[11] الديوان 2/427.
[12] الديوان 2/434.
[13] الديوان 2/441
[14] الديوان 2/447.
[15] الديوان 2/486.
[16] الديوان 2/492.
[17] الديوان 2/496.
[18] الديوان 2/503.
[19] الديوان 2/512.
[20] الديوان 2/516.
[21] الديوان 2/526.
[22] الديوان 2/532.
[23] الديوان 2/538.
[24] الديوان 2/558.
[25] الديوان 2/574.
[26] حياة شوقي، ص 103 – 107.
[27] شوقي شاعر العصر الحديث، ص 46.
[28] الصورة والبناء الشعري، دار المعارف، القاهرة، 1988م، ص 33.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة