الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الأول - 08 - الحس التاريخي

الفصل الأول
(الرثاء في شعر شوقي)

8- الحس التاريخي:

     كان شوقي مولعاً بالتاريخ، قرأ فيه كثيراً، ونظم فيه عدداً من قصائده، وكان يكثر من التجوال في بعض الآثار والتأمل والخلوة فيها. يقول الأستاذ أحمد محفوظ عنه، وهو من أعرف الناس به وأقربهم إليه:(( كان شوقي شاعر آثار من الطراز الأول، كان يعجبه أن يندمج في القديم ويوغل فيه إيغالاً بعيداً، كان يزور الهرم أسبوعياً، ويلم بالمتحف المصري كثيراً للوقوف على التاريخ والنظر فيه بخيال شاعر كان يستهويه القديم ويحب الماضي ... وهو أبرز شاعر عربي احتفل بالتاريخ، فقد شمل شعره تاريخ مصر كله من فرعوني إلى إسلامي، وقد كان ينفذ بخياله اللماح إلى الزوايا من تاريخ أجدادنا فيجلوه في أروع صورة وأبهى رواء))[1].

     أما الدكتور شوقي ضيف فيرى أن شوقي مؤهل للتفوق في الشعر التاريخي، لأنه كان شاعراً ((غيرياً)) إحساسه بنفسه غير تام. يقول: ((ومهما يكن فنحن لا نستطيع أن ننكر أن إحساس شوقي بنفسه غير تام في شعره، لأنه من الشعراء الغيريين وهو من هذه الناحية كان معداً ليتفوق لا في الشعر الغنائي، وإنما في الشعر القصصي، ولعله من أجل ذلك يرتفع إلى القمة حين يترك المدائح والمراثي والشعر الغنائي الخالص إلى التاريخ، حينئذ ينفسح الأفق أمامه إذ يجد مادة خصبة لشعره وغيريته، فشوقي إنما تلائمه الموضوعات الخارجية التي لا ينسج فيها نفسه وإنما ينسج غيره، فهو لم يعش لنفسه، وإنما عاش لغيره، وكان من آثار ذلك براعته في تحويل التاريخ، وتاريخ بلده بالذات إلى شعر رائع، ومن قبله نظم الشعراء في التاريخ، نظم ابن المعتز أرجوزة في أحداث عصر المعتضد بالله الخليفة العباسي، كما نظم نشوان بن سعيد الحميري قصيدته الحميرية في ملوك اليمن، ونظم أبو طالب الأندلسي في قصص الأنبياء ودول الإسلام، وأيضاً نظم لسان الدين بن الخطيب تاريخ الممالك الإسلامية في أرجوزته (( رقم الحلل في نظم الدول )) ونظم غيرهم، ولكنك تقرؤهم جميعاً فتحس أنك تقرأ شعراً تعليمياً أو شعر متون علمية، لا روح فيه ولا حياة، ولا محاولة لفهم التاريخ وتعليل الحوادث، وإنما هو سرد ورواية حوادث مسلسلة، وكأننا نقرأ أثباتاً للتاريخ مرقومة. وربما كان الشيء الوحيد عند شوقي الذي لم يحلق فيه هو ديوانه ((دول العرب وعظماء الإسلام)) وكأنما بناه بناية هذه الأراجيز السابقة، ولكن اترك هذا الديوان إلى شعره في تاريخ مصر، تر التاريخ يتحول إلى شعر وفن،وقصيدته ((كبار الحوادث في وادي النيل)) هي آية شعره الأولى المنزلة،فقد صور فيها عصر بناة الأهرام وخلفائهم تصويراً مبدعاً إذ تحدث حديث المؤرخ الذي ينفعل مع التاريخ ...وتعرض لما أذاعه مؤرخو اليونان عن استبداد الفراعنة ... ثم خطا نحو عصر الرعاة المظلم فتأسف وتحسر ... ولم تلبث أضواء الفجر أن انتشرت فظهر رمسيس، ثم دخلت مصر في الظلام ثانية لعهد الفرس وقمبيز، واستنقذها الإسكندر واختط الإسكندرية، وكانت دولة البطالسة ثم احتلال الرومان، وكل ذلك يجسمه شوقي وكأنه مثال، فالتاريخ يعاد خلقه، يعيده خيال موسيقار مبدع، وهو لا ينسى دخول موسى وعيسى مصر، ولا دخول الإسلام، فيقف وقفة طويلة عند الأديان وينطلق في مصر الإسلامية، فيختار أروع عصورها، وهو عصر الأيوبيين وصلاح الدين، ويعرض لعصر العثمانيين وحملة نابليون، ... ويتحدث عن الأسرة العلوية ... واقرأ قصائده في توت عنخ آمون، وفرعونياته جميعاً، فستجده يسوقك إلى ما يشبه المعبد.))[2].

     وبهذا يتضح إلى أي مدى تغلغل حب التاريخ في شوقي وظهر في شعره، تاريخاً حياً تقترن فيه الواقعة التاريخية بالخيال المبدع بالموسيقى المصفاة، وهذا الأمر يظهر في مراثي شوقي كما يظهر في سائر شعره، ولا غرابة في ذلك فهو يقول في مقدمة قصيدته ((رومة)) التي نظمها عام 1900م وأهداها إلى صديقه المؤرخ إسماعيل رأفت: ((والشعر ابن أبوين: التاريخ والطبيعة))[3].

     قي رثائه لعمر المختار، يجعل قبره في الصحراء كقبور الموتى من شباب أمية وكهولتهم:

تلك الصحارى غمد كل مهنــــد
               أبـلى فأحسن في العـــدو بـــلاء
وقبور موتى من شبــــاب أميـة
               وكهــــولهم لم يبــــرحوا أحياء
لو لاذ بالجــــوزاء منهم معقــل
               دخلوا على أبـراجها الجـــوزاء
فتحوا الشـــمال سهوله وجبــاله
               وتوغلوا فاســتعمروا الخضراء
وبنوا حضـارتهم فطاول ركنها
               دار الســـلام وجلق الشماء[4]

   والاستدعاء التاريخي في هذه الأبيات جميل إذ يقرن في خلد الإنسان بين المختار وبين الفاتحين من بني أمية الذين لا يزالون أحياء بكريم فعالهم، والذين فتحوا البلاد وبنوا الحضارة فكان لهم فيها مقام رفيع.

   ومن أجمل ما وفق فيه شوقي تشبيهه عمر المختار بسقراط الفيلسوف اليوناني، الذي حكم عليه قضاته بالموت، فتلقى الحكم شجاعاً صابراً، وحين عرض عليه بعض تلاميذه أن يساعدوه على الهرب أبى، ورفض أن يخرق نظام أثينا الذي كان هو أحد من وضعوه وأقروه، لذلك تجرع السم راضياً، وكان مثل عمر المختار مثل سقراط، فهو الآخر وقف أمام قضاته من الطليان صابراً عزيز النفس، هان عليه قضاء الأرض لأنه ربط نفسه بقضاء السماء:

لبى قضاء الأرض أمس بمهجة     لم تخــــش إلا للسماء قضـــــاء
وافـــاه مرفوع الجبين كـــــــأنه     سقراط جر إلى القضــــاة رداء

     وفي رثائه لمحمد تيمور يصور شوقي حزن الوالد المفجوع على ولده الفقيد، تصويراً جميلاً، بحيث لو كان للوالد سر يوشع مع الشمس لرد شمس حياته عن المغيب، كما فعل يوشع بن نون الذي حارب الجبارين فهزمهم لكنه خشي أن يفلتوا منه بدخول الليل فلا يتم انتصاره عليهم، فدعا الله عز وجل أن تقف الشمس فلا تغرب حتى يظفر بالنصر التام فاستجاب الله تعالى له. يقول شوقي:

وانظــر أبــــــــاك وثكــــــله     ورزوحـــه تحـــت المصـاب
لو كــــان يملــك ســـر يـــــو     شع رد شمسك من غياب[5]

     وفي قصيدة شوقي في اللورد كارنافون، نجد التاريخ عنصراً حياً يملأ جوانب القصيدة التي كانت عن شخص كشف آثار أحد الفراعنة المهمين، وكان لكشفه دوي عظيم يومها. وفي هذه القصيدة يذكرنا شوقي أن الكشف عن توت عنخ آمون لا يعني عودته إلى الدنيا، بل عودته هي يوم القيامة حيث الحساب، لذلك يطلب أن يظل مغمداً حيث هو، لأن المستبد يطاق وهو في مقبرته لكنه لا يطاق وهو في ملكه وجبروته:

ما آب جبــــار الـقــــرون وإنـــما     يوم الحســــاب يكون يوم إيــــابه
فذروه في بلد العجـــــائب مغــمداً     لا تشـــهروه كأمس فوق رقــــابه
المســـتبد يطــــاق في نـــاووسـه     لا تحت تـــاجيه وفوق وثـــــــابه
والفــــرد يؤمن شـره في قبــــره     كالسيف نام الشر خلف قرابه[6]

     وفي تصوير رائع بديع يقدم لنا شوقي مشهداً تاريخياً كاملاً، نجد فيه جهد اللورد المكتشف كما نجد عظمة الفرعون المكتشف، أما اللورد فقد صابر وصبر حتى ظفر بكشفه النادر، وأما فرعون فإننا نراه، وكأنه لا يزال على عرشه، ثيابه موشاة باللؤلؤ، والعطر يملأ أرجاء عرشه، والثمار حوله طازجة فرغ قاطفوها منها للتو:

لم يـــــأله صبـــراً ولم ين همـــــة
               حتى انثنى بكنــــوزه ورغـــــــابه
أفضى إلى ختـــم الزمان ففضــــه
               وحبــــا إلى التـــاريخ في محرابه
وطوى القرون القهقـرى حتى أتى
               فرعــــون بين طعـــــامه وشرابه
المنــــدل الفياح عود سريـــــــره
               واللؤلــــؤ اللمــــاح وشي ثيــــابه
وكأن راح القــــاطفين فرغن من
               أثمــــاره صبحـــاً ومن أرطــابه

     وجدث الفرعون المكتشف حوى من المجد ما يضيق به قصر غمدان الشهير في اليمن، ففيه حضارة وفيه عمران:

جدث حـوى ماضاق غمدان به     من هـــالة الملك الجسيم وغابه
بنيان عمران وصرح حضـارة     في القبـــر يلتقيان في أطنـــابه

     ويجعل شوقي من حسين شيرين، زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، لما كان فيه من دين وخلق وإيمان:

أرأيت زين العــــــابدين مجهزاً     نقلوه نقل الورد من محرابه[7]

     وفي رثائه لرياض باشا يشير شوقي إلى عمر الفقيد الطويل الذي عاش قرابة قرن قام فيها بأعمال مجيدة، تجعل دجلة والفرات يتمنيان مثل أيامه وهما اللذان عاصرا الخليفة المأمون، وتجعل قيصر الروم يود لو كان لروما شيء من عبقرية المرثي وجهوده:

رياض طويت قرنـــاً ما طوته     مع المــأمون دجـــلة والفـرات
تمنـــت منه أيـــــاماً تحــــــلى     بها الدول الخــوالي البــاذخات
وود القيصـــــران لو ان روما     عليها من حضارته سمات[8]

     وفي رثائه لعثمان غالب يطلب ممن يلومه أن يتذكر أن أمثاله من بناة الوطن، هم في منزلة أهل بدر الذين غفر الله لهم لعظيم بلائهم من أجل الإسلام فلا يؤاخذون على خطأ، كما في قصة الصحابي الشهير حاطب بن أبي بلتعة، الذي بعث لأهل مكة المكرمة يخبرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قادم لفتح مدينتهم، وهو ما جعل بعض الصحابه الكرام يطالبون بعقوبته:

قـــل للمريب إليــــك لا     تأخذ على الحر الهنـات
إن النـــــوابغ أهل بــــد     ر مالهم من سيئات[9]

     ويقظة مصر وقيامها للمطالبة بحقها هو إحياء لها وبعث، كبعث المومياوات التي ظلت قروناً في ضمير الزمان ثم ظهرت:

عثـمان قـــم تــــــر آية     الله أحيــــا الموميــــات
خرجت بنين من الثرى     وتحركت منه بنــــــات

     وعبدالعزيز جاويش ينزل مع صاحبيه في الجهاد اللذين سبقاه إلى الوفاة مصطفى كامل ومحمد فريد، كما ينزل الحواري الطاهر من قائده وإمامه:

وبــــات الحواري من صاحبيه     شهيـــدين أسرى إليهم شهيــــد
تســــرب في منـكبي مصـطفى     كأمس وبين ذراعي فريد[10]

     ويستدعي شوقي في رثائه لمحمد فريد أسطورة نسور لقمان السبعة وآخرها لبد، ليخلص من ذلك إلى غلبة الموت للناس وتمكنه منهم وإن طال المدى:

لبد صاده الردى وأظن النســــ     ــر من سهمه على ميعاد [11]

     كما يستفيد من اسم الطبيب اليوناني الشهير بقراط ليختم قصيدته ببيت مؤداه أن الروح إذا غابت فلا أمل يرجى، وطب بقراط عندها كنافخ في الرماد يريد ناراً وهيهات:

وإذا الروح لم تنفس عن الجسـ     ـــم فبقــــراط نــــافخ في رماد

     وقصيدة شوقي في اللورد كتشنر تحفل بالحس التاريخي، فالدنيا دولاب يفني كل شيء، نقض إيوان كسرى وهجم على الأهرام، وفتك بحمراء الأندلس، ولم يبق روما ولا قيصرها، ووادي الطلح في إشبيلية الذي كان يطيب للمعتمد بن عباد أن يكثر الذهاب إليه، ولا نابليون صاحب الأمجاد الحربية الشهيرة:

منـــع اللبـــث وإن طال المـــدى     فلـــك ما لعصــــاه مســــــتقــــر
دائـــر الـدولاب بالنــــاس عــلى     جانبيـــه المرتـقى والمنـحــــــدر
نقــض الإيــوان من آســــــــاسه     وأتى الأهــرام من أم الحجـــــــر
ومحـــا الحمـــــــراء إلا عـمـــداً     نـزعهـــا من عضد الدهر عســر
أيـــن روميــــة ما قيصـــــــرهـا     ما ليــــاليها المرنـــــات الوتــــر
أيـــــن وادي الطـــلح واللائي به     من دمى يسحبن في المسك الحبر
أيــن نــابليــــــــون ما غــــاراته     شنــها الدهر عليه من غير[12]

     ولما خشي شوقي من أن يتهم في ولائه لبلده لإشادته بأحد قادة العدو سارع ينفي عن نفسه التهمة، متخذاً من التاريخ ملاذاً له:

لا تقولـوا شاعر الوادي غـوى     من يغـــــالط نفسه لا يعتـــــبر
موقف التاريخ من فوق الهوى     ومقـــــام الموت من فوق الهذر

     وقصيدة شوقي في ذكرى الخديوي إسماعيل، يستدعي فيها واقعة فتك الرشيد بالبرامكة ليجعل مصابهم كمصاب الخديوي الذي نكب بعد الملك والغنى والجاه:

ومن العجائب أن نفسك أقصـــرت     والـدهـر في إحراجها لم يقصـــــر
ما زال يخــلي منــــك كل محــــلة     حتى دفعـــت إلى المكان الأقـفــــر
نظر الزمـــــان إلى ديــــارك كلها     نظر الرشيد إلى منازل جعفر[13]

     ويطلب شوقي من قاسم أمين أن يقوم من الموت ليخبرنا بما شاهد، وليكون فيما يخبر أفصح من لازار الذي أحياه المسيح عليه السلام:

يا من تفـــرد بالقضــــــاء وعـلمه     إلا قضـــاء الواحـــــد القهــــــــار
ما زلت ترجـــوه وتخشى سهــمه     حتى رمى فأحطــــــت بالأســرار
هلا بعثــــت فكنت أفصح مخبـــر     عما وراء الموت من لازار[14]

     كما يطلب من الناس أن يأتوا بقس بن ساعدة الإيادي ليؤبن الفقيد، وببشار ليقول فيه قصيدة عصماء:

هاتوا ابن ساعدة يؤبن قاسماً     وخـذوا المراثي فيه من بشار
من كل لائقــة لبــــاذخ قدره     عصماء بين قلائـــد الأشعار

     والموت لا يفر منه أحد، وهو يصل إلى كل حي كما وصل إلى لبد آخر نسور لقمان، يقول شوقي في رثاء عبده الحامولي:

غــــاله نافــــذ الجنــاحين مـــاض     لا تفر الـنســــور من أظفــــــــاره
يطرق الفرخ في الغصون ويغشى     لبداً في الطويل من أعـــماره[15]

     ويحسن شوقي الانتفاع من مزمار داود عليه السلام، لأن الفقيد كان مغنياً له سحر كسحر مزمار داود:

كان مزماره فأصبـــح داو     د كئيباً يبكي على مزماره

     والنار التي أحرق بها القائد الفرنسي دمشق تشبه نار روما يوم أحرقها نيرون، فهنا نار وهناك نار، وهنا مجنون فرنسي وهناك مجنون روماني، يقول شوقي في رثاء فوزي الغزي مخاطباً دمشق:

أنسيــــــت نــــــار الباطشين وهـــزة
أيــن نــابليــــــــون ما غــــاراتهعرت الزمـــان كأن رومــــــا تحرق
رعنـــــاء أرســـلها ودس شــــواظها
أيــن نــابليــــــــون ما غــــاراتهفي حجرة التاريخ أرعن أحمق[16]

     وحديد الفرنسيين المهاجمين، يلقى حمية أموية صلبة لا يعروها صدأ:

لقي الحديــــد حميـــة أمويـــة     لا تكتسي صدأ ولا هي تطرق

     والطياران العثمانيان يأويان إلى قبر عجيب يليق بهما، هو السماء بعرضها وطولها، يحييهما فيه الأنبياء:

أي الغـــزاة أولي الشهادة قبــــلكم     عرض السماء ضريحهم والطول
يغــــدو عليـــكم بالتحيـــة أهـلهــا     ويرفـــرف التســـبيح والتهليـــــل
إدريس فوق يميــــنه ريحـــــــانة     ويســـوع فوق يميــنه إكليل[17]

     ويخشى الشاعر على السماء من الطيران الذي يهدد صفاءها ونقاءها بالحروب، فتتكرر فيها قصة قابيل وهابيل، ويراق فيها الدم من بعد كما أريق من قبل:

إني أخاف على السماء من الأذى     في يوم يفســـد في السماء الجيـل
كانت مطهــــرة الأديم نقيــــــــة     لا آدم فيــــــــــــها ولا قــــــابيـل

     والمصيبة في الطيارين كبيرة، تجعل المسجد الأموي بكل جلاله يهوي:

وكأنما نعيــــــت أمية كلها     للمسجد الأموي فهو طلول

     والطياران يدفنان إلى جوار صلاح الدين الأيوبي، حيث الكرم والهدى والبطولة، وهو استدعاء جميل من الشاعر لأن العمل من أجل الإسلام هو الذي يجمع الطيارين الشهيدين إلى صلاح الدين، جهاداً في الحياة ودفناً بعد الموت:

حتى نزلتـــم بقـــعة فيــها الهـــدى
               من قبـــل ثـــــاو والسماح نزيــــل
عظمت وجل ضريح يوسف فوقها
               حتى كــــأن الميـــت فيه رســــول

     وعلي أبو الفتوح تعظم به المصيبة على أهله وتشتد فكأنهم آل الحسين يوم كربلاء، يستبد بهم الحزن لمكان الفقيد الكبير، وكأن الفقيد هو الحسين بكل عظمته:

فكـــــأن آلك من شـــــج     ومتيــــــم ومرمـــــــــل
آل الحســــيـن بكربــــلا     في كربـــة لا تنجــــــلي
فاذهب كما ذهب الحسيـ     ـن إلى الجوار الأفضـل
فكلاهما زين الشبــــــــا     ب بجنـة الله العلي[18]

     وحين يرثي شوقي شهداء العلم والغربة يطالب أبناء مصر أن يرتفعوا فوق المصيبة، ويكونوا شجعاناً صابرين، وأن يجعلوا من يوم الشهداء يوماً للبطولة يترنمون به، فالفداء هو الذي حمل آل البيت على التضحية على مدار التاريخ، وحمل الحواريين على التلذذ بالأذى، ثم إن المصريين القدامى هم الذين احتملوا النوازل السماوية التي صبها الله عز وجل على فرعون أيام موسى عليه السلام، فينبغي لأحفادهم أن يأخذوا منها درساً في الصبر والاحتمال:

إذا جزع الفتيـــان في وقع حـــــــادث
               فمن لجليـــل الأمر أو معضل الحــال
ولولا معـــــان في الفـــــدا لم تعـــانه
               نفـــوس الحـواريين أو مهـــــــج الآل
فغنـــــوا بهـاتيــــك المصارع بينـــكم
               ترنــم أبطــــال بأيــــــام أبطـــــــــال
ألســــتـم بني القــــوم الذين تكبـــــروا
               على الضربات السبع في الأبد الخالي
رددتــم إلى فـرعـــــــــون جداً وربما
               رجعــتم لعم في القبائل أو خــال[19]

     وموت الملك حسين حادث جلل، تقام له المآتم في الأرض وفي السماء، ويقعد له هاشم جد النبي × للعزاء، كما يقعد له آل بيت النبوة الطاهرة، وتبكي عليه الفواطم الطاهرات:

لـك في الأرض والســـــماء مــــآتم
               قــــــام فيها أبو الملائك هـاشـــــــم
قعـــــد الآل للعــــزاء وقـــــــــامت
               باكيات على الحسين الفواطم [20]

     والمناحات على الفقيد كالمناحات على شهداء بدر، لأنه في منزلته وسابقته مثل شهداء بدر في منزلتهم وسابقتهم:

المناحات في ممالك أبنا     ئك بدرية العــزاء قوائم

     ويحسن شوقي استدعاء التاريخ في رثائه لوالدته، إذ يبين أنه استعد لصروف الزمان التي لا تفاجئه بمايكره، لأنه موقن أن الدنيا إذا سرته مرة ساءته أخرى، فحاله معها كحال ضيوف النعمان بن المنذر ملك الحيرة الذي كان له يومان يوم بؤس ويوم نعيم:

زجــرت تصــــاريف الزمــان فـما يقــــــع
               لي الـيـــوم منـــها كان بالأمس لي وهمــــا
وقــــدرت للنعـــــــمان يومـــاً وضــــــــده
               فما اغترت البؤسى ولا غرت النعمى[21]

     ويتذكر الفيلسوف اليوناني سقراط الذي شرب السم طائعاً مختاراً، فيجد نفسه في موقف مماثل لموقفه:

فأترع ونـــــاول يا زمان فإنما     نديمك سقراط الذي ابتلع السما

     وفي ذكرى دنشواي يستدعي شوقي واقعة نيرون في حرق روما، ليجعل جريمة كرومر في دنشواي مثيلة لها:

نيــرون لو أدركت عهد كرومر     لعرفت كيف تنفذ الأحكام[22]

     والمصيبة بابن إمام اليمن الذي غرق في البحر كبيرة تجعل الحسين يقوم ليعزي الحسن، وتجعل سيف بن ذي يزن يشارك في المأتم:

مضى الدهر بابــن إمام اليــــمن     وأودى بزين شبــــاب الزمـــــن
وبــاتت بصنعــــاء تبكي السيـــو     ف عليه وتبــكي القنـــا في عدن
وأعول نجــــد وضج الحجـــــــا     ز ومال الحسـين فعزى الحســن
وغصت منـــــاحاته في الخيـــــا     م وغصــت مــــآتمه في المـدن
ولو أن ميتــــــاً مشى للعــــــــزا     ء مشى في مآتمه ذو يزن[23]

     ويذكِّر شوقي نابليون بموقفه يوم خطب بجنوده عند سفح الهرم قائلاً لهم: إن أربعين قرناً تنظر من هذا المكان، فيلومه على عمله، ويذكره أنه كان ينبغي عليه وهو إزاء هذا المكان التاريخي النادر أن يكون خاشعاً بعيداً عن الزهو والكبرياء، فالأهرام لها مهابة التاريخ وقداسة المحراب:

قــــم إلى الأهرام واخشـــع واطرح
               خيـــــلة الصيــــد وزهو الفـــاتحين
وتمـــــــــــــــهل إنــــما تمـشي إلى
               حرم الدهر ومحـــــراب القـــــرون
هو كالصخــــرة عنـــــد القبــــط أو
               كالحطيــــــم الطهر عند المســلمين
وتســــنم منبـــــراً من حجـــــــــــر
               لم يكـــن قبـــــلك حظ الخـــــاطبين
وادع أجـيـــــالاً تولـــت يســــمعـوا
               لك وابعـــــث في الأوالي حاشــرين
وأعـــــــدها كلمــــات أربعـــــــــــاً
               قد أحاطت بالقرون الأربعين [24]

     ونابليون إذ يستعرض جنوده إزاء الأهرام ويخطب فيهم، إنما يستعرض التاريخ القديم والجنود الحاضرين معاً، فجمع بذلك الأحياء إلى الأموات:

قد عرضت الدهر والجيش معـاً     غايــــة قصر عنها الفاتحــــون
ما علمنـــــا قائـــــداً في موطـن     صفـــح الدهر وصف الدارعين
فترى الأحيـــــــــاء في معترك     وترى الموتى عليـــهم مشرفين
عظــــة قومي بهـــــا أولى وإن     بعــد العهــــد فهل يعتبــــــرون

     ويتمنى شوقي في رثائه لسعد زغلول أن يكون له يوم وفاته، سر يوشع بن نون ليرد شمس الفقيد الغاربة، كما رد يوشع الشمس يوم قتاله لأعدائه:

ليتـــني في الركب لما أفـــــلت     يوشع همت فنادى فثناها[25]

     والقدر الذي أودى بسعد زغلول أودى بالمدن والقرى قبله، وأودى بالعالم الفرنسي باستور ومن معه:

قــــدر بالمدن ألوى والقـرى     ودهى الأجبـال منه ما دهاها
غال بسطوراً وأردى عصبة     لمست جرثومة الموت يداها

     والأعواد التي حملت سعداً، أعواد قديمة تدفن الموتى من لدن آدم عليه السلام، مروراً بخوفو ومينا وانتهاء بكل الناس:

هذه الأعــــــواد من آدم لـــــم     يهد خفــــاها ولم يعــر مطاها
نقــــلت خوفــــو ومالت بمنــا     لم يفت حياً نصيب من خطاها

     وفي رثاء شوقي لعلي بهجت يستدعي أسطورة من أساطير العرب، مفادها أن من سمع نعيق البوم فقلب حذاءه نجا من شرها:

أرقــت وما نسيــــت بنــات بوم     على المطريـــــة اندفعت بكيـــا
بكت وتــــأوهت فوهمت شـــراً     وقـبـــــلي داخــل الوهم الذكيـــا
قـلبــــت لهـــا الحذي وكان مني     ضلالاً أن قلبت لها الحذيا[26]

     والذين يؤمنون بالآثار المزعومة لنعيق البوم، هم أسرى الخرافة التي كانت تشيع لدى العرب، يقول بها سطيح كاهن بني ذئب، وأفعى الجرهمي كاهن اليمن:

أصاب الغيب عند الطير قوم     وصــــار البوم بينهم نبيــــــا
إذا غنـــــاهم وجدوا سطيـحاً     على فمه وأفعــــى الجرهميا

     ويجعل شوقي للمعلم مكانة كبيرة في نفعه إذا صلح وفي خطره إذا فسد فهو كموسى عليه السلام إن رشد، وهو كالسامري إن ضل، وهو توظيف تاريخي ذكي منه:

إذا رشد المعـلم كان موسى     وإن هو ضل كان السامريا

     وهكذا تكثر الرموز والإشارات والاستدعاءات التاريخية في مراثي شوقي وتشيع وتتنوع، فتتصل مرة بعرب الجاهلية وتاريخهم كقس بن ساعدة والكاهن سطيح والكاهن أفعى الجرهمي وذي يزن وعبد شمس وهاشم، وتتصل أخرى بتاريخ المسلمين كالإشارة إلى أهل بدر والحسين وكربلاء وبني أمية وصلاح الدين الأيوبي والمعتمد بن عباد، وتتصل ثالثة بالرموز الفرعونية كالأهرام والنكبات السبع التي عاقب بها الله جل جلاله فرعون ومن معه، وتتصل رابعة بالدين المسيحي فترد الإشارة إلى عيسى عليه السلام ولازار والإنجيل والحواريين، وخامسة بالدين اليهودي فترد الإشارة إلى موسى عليه السلام والسامري ومزامير داود، وتتصل سادسة باليونان وسقراط وبقراط، وسابعة بالرومان وروما وقيصر ونيرون، وربما أوغلت في القدم فاتصلت بآدم عليه السلام وابنه قابيل. وهكذا يظل التاريخ قطباً دائراً في مراثي شوقي يكثر من استدعائه بصور وأشكال شتى ليضفي على الموقف جلالاً أو يستنبط عبرة أو يوظف واقعة ماضية ليقرنها إلى واقعة حاضرة، في سياق يغلب عليه التوفيق والجمال.

     وكل هذه الإشارات والإسقاطات لشوقي توضح سعة ثقافته التاريخية من ناحية، ومن ناحية أخرى توضح مدى قدرته الفنية على توظيف كل هذه الإشارات والإسقاطات توظيفاً فنياً جميلاً في مراثيه. إن التاريخ ساكن في أعمق أعماق شوقي، وهذا الأمر يظهر في مراثيه وفي كل شعره، ولو أن الدارس استقصى صلة شوقي بالتاريخ في شعره لاتسع لديه مجال القول، ولظفر من ذلك بحصيلة واسعة تشكل كتاباً كاملاً. وهذه الصلة تحسب له فيما يحسب من مزايا، ولاشك أنها من أهم أسباب تفوقه الشعري.

-------------------
[1] حياة شوقي، ص 95 – 96.
[2] شوقي شاعر العصر الحديث، ص 54 – 57.
[3] الديوان 1/154.
[4] الديوان 2/344.
[5] الديوان 2/369.
[6] الديوان 2/377.
[7]) الديوان 2/383.
[8] الديوان 2/389.
[9] الديوان 2/395.
[10] الديوان 2/408.
[11] الديوان 2/434.
[12] الديوان 2/441.
[13] الديوان 2/467.
[14] الديوان 2/468.
[15] الديوان 2/472.
[16] الديوان 2/492.
[17] الديوان 2/503.
[18] الديوان 2/508.
[19] الديوان 2/516.
[20] الديوان 2/526.
[21] الديوان 2/532.
[22] الديوان 2/545.
[23] الديوان 2/555.
[24] الديوان 2/564.
[25] الديوان 2/578.
[26] الديوان 2/594.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة