الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الثالث - 05 - الموقف الديني


الفصل الثالث
(الرثاء في شعر البارودي) 

05- الموقف الديني:


     يظل البارودي في مراثيه يرنو إلى السماء والدار الآخرة، يستعين بالإيمان على تحمل المصيبة، وطلب الثواب، والأمل بأن يكون المرثي في رحمة الله عز وجل ومغفرته وجنته. ولذلك تشيع الروح المؤمنة في مراثي البارودي فلا تكاد تخطئها في واحدة منها.

     يقول البارودي في رثائه لصديقه عبدالله فكري: 

ثــوى برهـة في الأرض حتى إذا قضى
               لـبـــــانتـه منـــها دعتـــــــه ســــــــماؤه
وما كــــان إلا كوكـبـــــاً حـل بالثــــرى
               لوقــــت فـلــــما تم شـــــال ضيـــــــاؤه
نضــــــا عنـه أثــــواب الفنـاء ورفرفت
               إلى الـفــــــــلك الأعــلى به مضـــــواؤه
فأصبــــح في لــج من الـنـــور سابحـــاً
               سـواحــــله مجهــــولة وفضــــــــــــاؤه
فـــإن يـك ولى فهـــــو بــــاق بأفقـــــــه
               كنجــــم يشـــــوق النــــاظرين بهـــــاؤه
ولولا اعتقـــــادي أنه في حظيــــــــــرة
               من القدس لاستولى على الجفن ماؤه[1]

     والتأمل في هذه الأبيات يدل على الإيمان العميق الذي كان يعمر قلب الشاعر، فالمرثي يبقى مدة في الأرض ثم يرتفع عنها بوفاته إلى الملأ الأعلى، وينضو عنه أثواب الفناء، ويلحق بعالم الخلود، حيث يسبح في بحر من النور هائل، والشاعر يرى أن الفقيد صار إلى الجنة، وهو ما يخفف من حزنه عليه.

     وفي قصيدته الأخرى التي قالها في رثاء عبدالله فكري وحسين المرصفي، وهي قصيدة يظهر فيها الحزن الشديد على صديقيه وعلى نفسه بسبب غربته وبسبب مرضه، نجده ينكر من الناس أشياء لم يكن يتوقعها، ويجد في اعتزالهم فائدة، ذلك أن هذا الاعتزال كان عوناً له على التقوى والبعد عن الغيبة:

قـد لعــــمري عرفت دهري فأنـــكر
               ت أموراً ما كـــن لي في حســـــاب
وتجنبــــت صحبـــة النـــــاس حتى
               كـــان عونـــاً على التقـاة اجتنــــابي
لا أبـــالي بمــا يقــــــال وإن كـنـــــ
               ــــت مليئــــــاً بـــــرد كل جــــواب
قـد كفـــــاني بعدي عن النـــاس أني
               في أمـــان من غيبـــــة المغتــــــاب
فـليقـــــل حاســــدي علي كما شــــا
               ء فسمعي عن الخنا في احتجاب[2]

     أما قصيدته في زوجته وهي درة مراثيه، فإنها تفيض بالإيمان واليقين والنظر إلى ما عند الله عز وجل، والتسليم بالقضاء والقدر، والدعاء بالعون والمغفرة وترقب يوم المعاد.

     لذلك حين ود الشاعر أن يصنع مع الدهر مثل ما صنعه الحارث بن عباد مع أعدائه تذكر أن ذلك مستحيل، فلجأ إلى التسليم والخضوع لمشيئة القدر:

لو كان هذا الدهر يقبــل فديـــة     بالنفــس عنك لكنت أول فــادي
أو كان يرهب صولة من فاتـك     لفعــلت فعــل الحارث بن عباد
لكـنـــها الأقدار ليس بنــــــاجع     فيها سوى التسليم والإخلاد[3]

     والموت حق، ولابد للجميع منه، حيث يلقى الإنسان ربه جل جلاله في زمن محدد لا يتقدم ولا يتأخر:

كل امرئ يومـــاً ملاق ربه     والناس في الدنيا على ميعاد

     وكل امرئ ينسى المعاد ويغفل عن رصد المنون له وهي آتية إليه لا محالة، إنما يقود نفسه إلى التعاسة:

تعس امرؤ نسي المعاد وما درى     أن المنـــــون إليه بالمرصـــــــاد

     ويطلب البارودي من نفسه أن تلتمس هداية الله وعونه لتستطيع احتمال المصاب، وأن تطلب المغفرة للفقيدة من الله المجيب الرحيم:

فاستهد يا محمود ربك والتمس     منه المعــــونة فهو نعم الهادي
واسأله مغفرة لمن حل الثــرى     بالأمس فهو مجيب كل منـادي

     وإيمان الشاعر بالبعث والنشور حيث يأمل أن يجتمع مع زوجته يخفف من أحزانه، ولولا ذلك لقتلته الحسرة:

قد كدت أقضي حسرة لو لم أكن     متوقعــــاً لقياك يوم معـــــــادي

     وفي رثائه لابنه علي، يقرر البارودي أن الذي حمله على الصبر، رضاه بأمر الله حيث حكم على الجميع بالموت، ورجاؤه بلقاء ولده يوم الحشر:

وما كـنـــــت لولا قســـــــمة الله في الورى
               لأصبــــر لكنـــــا إلى غــــــاية نســـــــري
لقد خفـــــف البــــــلوى وإن هي أشرفــــت
               على النفس ما أرجوه من موعد الحشر[4]

     والإيمان بالقضاء والقدر يجعل الشاعر يصبر ويسلم فلا يذهب به الحزن ولا الندم، كما يقول في رثائه لوالدته:

فلولا اعتقادي بالقضاء وحكمه     لقطـعت نفسي لهفة وتندما[5]

     وينادي الشاعر والدته ليخبرها أنه يود أن يفتديها بنفسه لو كان القدر يسمح بذلك، ويدعو لها أن تشرب من الكوثر كأس كرامة ورضوان، ويودعها على أمل اللقاء بها يوم الحشر:

فيـــا ربـة القبـــر الكريم بما حوى     وقتـــك الردى نفسي وأين وقـــلما
وهـل يستطيــــع المرء فدية راحل     تخــرمه المقدار فيمن تخـــــــرما
سقتــــك يد الرضوان كأس كرامة     من الكوثر الفياض معسـولة اللمى
ولا زال ريحــان التحية نــــاضراً     عليــك وهفـــاف الرضـــا متنسما
عليـــك ســــلام لا لـقـــاءة بعـــده     إلى الحشر إذ يلقى الأخير المقدما

     وفي رثائه لعلي رفاعة الطهطاوي، يدعوله ولأبيه برحمة الله تعالى، ويبعث إليه بسلام حار تحمله الملائكة إليه في الجنة:

فيـا رحمة الله استهلي عليـــهما     بسجــــلين للرضوان ينــهملان
وعمي قبـــور العـالمين كرامة     لقبــــرين بالبطحـــــاء يلتقيـان
عليـــك ســـــلام الله مني تحية     يوافيك في خلد بها الملكان[6]

     وحين أخذ يعدد مزايا أخته لما رثاها، ذكر من هذه المزايا مالها من دين وعفاف وحياء، وهو ما جعلها تتميز على من حولها:

أخت وما الأخوات كن كمثلها     في دينها وعفافها وحيائها[7]

     وهكذا يظل البارودي في مراثيه مؤمناً عميقاً، مستسلماً للقدر، مؤملاً المغفرة للميت واللقاء به في الدار الآخرة، مدركاً لطبيعة الحياة وأحكام الموت الدائرة فيها على الجميع. والدين عنده مزية تجعله يشيد بأخته لاستمساكها به، وعون له على دنياه تجعله ينصرف إلى تنقية نفسه وتزكيتها، والبعد بها عن خلق دنيء يحرمه الدين مثل الغيبة كما ظهر لنا في رثائه لعبدالله فكري.

     والدين عنده قوة على مواجهة الشدائد والصبر على مفارقة الأحباب، وهو ما يجعله يلتمس هداية الله وعونه لنفسه كما يلتمس مغفرته ورحمته للفقيد. وهكذا كان الدين في مراثي البارودي أمارة على نفس مؤمنة إيماناً عميقاً لا تكلف فيه ولا تعمل، وسبباً للصبر، ودعاء للميت الراحل، وصبراً وقوة للحي الباقي، وهذه كلها معان إيجابية حميدة، تدل على حسن فهم للدين وتنسجم مع شخصية البارودي القوية العزيزة.

---------------
[1] الديوان 1/81.
[2] الديوان 1/104.
[3] الديوان 1/237.
[4] الديوان 2/111.
[5] الديوان 3/394.
[6] الديوان 4/99.
[7] د. سامي بدراوي: أوراق البارودي، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1981م، ص 70.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة