الخميس، 30 يونيو 2022

صاحب النقب

صاحب النقب

     كان جمعٌ من المجاهدين الغزاة يحيطُ بحصنٍ منيعٍ من حصون الروم، وكان الجمعُ على أهبةٍ حسنة، وعدّةٍ طيبة، وكان كذلك على همّةٍ عالية وإيمانٍ مكين، وصدقٍ في البلاء وثباتٍ عند اللقاء.

     لكنّ الحصن استعصى عليهم بالرغم من كل ذلك؛ فقد كان معقلاً أَشِباً حصيناً يشقُّ اقتحامُه على الغزاة، وكان الروم المدافعون عنه فرساناً شجعاناً قد عرفوا الحروب وخبروها، فاجتمع لهم من ذلك دُرْبَةٌ وخبرة، إلى شجاعة وإقدام. من أجل ذلك طالَ الحصارُ دونَ أنْ يُوَفَّقَ المجاهدون إلى اقتحام الحصن الرومي وهزيمةِ مَنْ فيه. ولولا أنّ أولئك الغزاةَ المحاصِرينَ للحصن كانت لهم همّةٌ كبيرة، وعزمٌ صادق، ويقينٌ راسخ، لتَداعَوْا إلى الانسحاب، ورجعوا راضين من الغنيمةِ بالإياب.

     طال الحصار وكثرت اللقاءات بينَ المحاصَرين والمحاصِرين دونَ نتيجةٍ حاسمة، فما استطاع أهلُ الحصن فكَّ الحصار وإرجاعَ الغزاة، وما استطاع المجاهدون أن يقتحموا الأسوارَ المنيعةَ العالية.

     وكان مَسْلَمَةُ بنُ عبد الملك القائد الشجاع الباسل، يمتطي صهوةَ جواده الذي أَلِفَ الحروب، يتفقد جندَه الشجعان، ويتدبَّرُ أمورَهم، ويرعى شؤونَهم ويدفع عنهم الأذى، وكان كذلك يُطِيفُ بالحصنِ من هنا وهناك، ينظر إليه ويتأمله، ويفحص جدرانَه الضخمة، وأسوارَه الباذخة، ونقطَ الحراسةِ والأبواب، لعله يوفَّقُ إلى مكان مناسب يقتحمه منه لينتهيَ هذا الحصار الذي طال، لكنه كان يعودُ من بعد تَطْوافِه دونَ أنْ يحظى بما يؤمّل، فما يجد أمامَه إلا المزيدَ من الصبرِ وتشديدِ طَوْقِ الحصار.

     وربّما كانت نفسُ مسلمةَ تضيقُ في بعضِ الأحايين، ذلك أنه -وهو القائدُ الجسورُ الشجاع الذي خَبِرَ الحروب وعرَفها- وقفَ عاجزاً أمامَ هذه المعقل العنيد، ترى أينسحبُ عنه معترفاُ بعجزِه عن اقتحامه!؟ أيظلُّ هكذا محاصِراً له إلى أمدٍ لا يعلمه إلا الله!؟

     وأرخى الليل سدولَه، وحلّ الظلام، وهدأتِ الحركة عند الرومِ وعند المسلمين، وساد صمتٌ مطبق لا تقطعه إلا أصواتُ الحراس من الفريقين. لكن مسلمةَ نأى عنه النوم فظلّ في خيمتِه مُتْعَباً حيران حتى استأذن عليه بعضٌ من قادته يفكرون معه في أمر الحصن، ويعرضون عليه ما هداهم إليه تفكيرُهم من حلول.

     أشارَ عليه أحدهم بأن يَنْدُبَ من فرسانه مَنْ يبيعُ نفسَه لله بثواب الشهادة والجنة، فإذا اجتمعَ من ذلك عددٌ طيب مَضَوْا صوبَ الحصن ليُحدثوا فيه نَقْباً يدخل منه الجيش، فيكونُ النصرُ المرتقب. وكانت الفكرة جميلةً طيبة.. وكان الاقتراح حميداً فعّالاً وإن كان سوف يكلِّف الكثيرَ من الشهداء، ذلك أن الروم سوف يُصْلون أولئك القادمين لإحداثِ النَقْبِ؛ ناراً حامية!.. لكنْ أَثمَّةَ نصرٌ يأتي دونَ ضحايا ودماء؟

     واجتمع الرجالُ الذين ندبوا أنفسَهم لإحداثِ النقب واقتحامِ السور، وتقدّموا صوبَ الموت، وهانت عليهم أرواحُهم، وهانت عليهم الدنيا كلُّها، فقد وصلوا أسبابَهم باللهِ العليّ القدير.

     وشهدَ الليلُ إصراراً عنيداً منهم، وشهد كذلك ثباتاً كبيراً من الروم. يتقدمُ الغازي صوبَ السور فما يلبث أن يُسْتَشْهَدَ بما ينهالُ عليه من سلاحِ العدو... لكنَّ غازياً آخر يكون قد تقدم خطوةً أبعدَ من خطوة الغازي الأول. ثم يُسْتَشْهَدُ الثاني والثالث والرابع، ويكثر الشهداء لكنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان يهيّئُ الفرصة لِمَنْ بعده ليتقدمَ خطوةً أبعد.

     كان هؤلاء الرجال يتجهّزون صوبَ غايتهم دونَ وجل، وكانوا يتناقصون كلّما تقدموا أكثر، حتى تمكّنوا أخيراً من إحداثِ النَقْبِ المطلوب في السور، وتقدّمَ واحدٌ منهم مسرعاً مبادِراً فألقى بنفسِه في النقب، ثم مضى صَوْبَ الباب يقاتلُ مَنْ عليه، حتى إذا لم يَبْقَ أحدٌ فتحه وهو يهلِّلُ ويكبّر، عندها تقدمَ الجيشُ وهجمَ هجمةً واحدة فإذا بالحصن يقعُ بينَ أيدي المسلمين.

     وأُعْجِبَ مسلمةُ بالرجل المغامر الشجاع، وفرح لبطولته وشجاعته، وآلى على نفسه أن يرفعَ أمرَه إلى الخليفة في دمشق لينالَ منه الحُظْوةَ والقرب، وعزم على أن يكرمَه خير إكرام لتكونَ منه قدوةٌ يتشبّه بها بقيةُ الجند حين يجاهدون، لذا ما كاد ينتهي من أمرِ الحصن حتى طفقَ يبحثُ عن المغامرِ المقدام، صاحبِ النقب.

     وأرسلَ مسلمةُ مَنْ يسأل عنه القادة، فما عرفه أحد!.. وأرسل من يسأل عنه الجنود فما عرفه أحد!.. فأمر مناديَهُ أن يناديَ في الجيش صباح مساء: "أَلَا مَنْ كان منكم صاحبَ النقب فليتقدمْ إلى قائدِ الجند ليصلَه بما يُعْلِي قَدْرَه، وليوصيَ به عندَ أميرِ المؤمنين".

     وتردّدَ النداءُ في المعسكر مرةً بعد مرة، ويوماً بعدَ يوم دونَ أن يستجيبَ أحدٌ له، حتى كأن صاحبَ النقب طيفٌ جاءَ من حيثُ لا يعلمُ الناس، ومضى إلى حيثُ لا يعلمُ الناس.

     وكانت رغبةُ مسلمةَ في التعرف إليه رغبةً مُلِحَّةً حارّة، وكان يتوقُ إلى لُقياه بشوقٍ ولهفة!.. وذاتَ ليلة بعدَ أن انصرفَ القادةُ من خيمته، وأخذَ يتأهب للنوم، استأذن عليه رجلٌ يضعُ على وجهِه اللثام دونَ أن يصرّحَ باسمٍ أو كنية أو لقب، وحينَ مَثُلَ بين يديه قال له:

- أفلا أحدّثك عن صاحبِ النقب!؟

     وبدا الاهتمام على وجه مسلمة، وظهر الجِد والاحتفال، فما أسرعَ أن قال:

- بلى والله حدِّثني عنه.

- قال الرجل: وإنَّ له عليك لثلاثة شروط.

- قال مسلمة: وما شروطه؟

- قال الرجل: أن لا تسألَ عن اسمه، ولا تكشفَ عن وجهه، ولا تأمر له بعطاء!..

     فقَبِل مسلمةُ مسرعاً، ذلك أنّه خالَ أن هذا الرجلَ عابرُ سبيلٍ تطوّعَ للكشفِ عن صاحبِ النقب، لذا سارعَ يقول:

- له ذلك فأخبرني مَنْ صاحبُ النقب؟

- قال الرجل أنا هو!.. قالها في هدوء بالغ، ثم سكت، وساد المكان وجوم مهيب!.

     وعقدت الدهشةُ لسانَ مسلمة، وشَعَرَ بعظمةِ هذا الرجل، ونُبْلِ الموقفِ الذي هو فيه، وسادَ المكانَ سكونٌ جليلٌ رائع ما لبثَ أن قطعَه مسلمة وهو يقول للرجل:

- فما حَمَلَكَ على الكتمان؟

- فقال الرجل: أيها الأمير!.. إنّما صنعتُ ما صنعتُ في النقب تقرّباً إلى الله وزُلْفى إليه، وإنّي أطمع أن ينالَني رضوانُه، فما لكَ تفسدُ عليَّ ثوابَ الله بثوابِك؟ ناشدتُكَ اللهَ إلا ما تركتني. ثمّ مضى وانصرف.

     وظلَّ مسلمةُ مشدوهاً معجباً، مُكْبِراً لهذا الرجل الذي جاء من خلالِ الظلام، وانصرفَ خلالَ الظلام، فهو رجلٌ ينأى عن الشهرة، ويكرهُ أن يشوبَ عملَه شيءٌ من الرياء، إنّه يريد الرضوانَ من اللهِ تعالى فحسب.. وأَكْرِمْ به من رضوان!.. وأَنْعِمْ بطالبِهِ من رجل!..

     ولقد ظلَّ إعجابُ مسلمةَ بهذا الرجل مُستكِنّاً في أعماقِ فؤاده، يدلُّ على ذلك هذا الدعاءُ العظيم الذي كان يقولُه عندَ كل صلاة: "اللهمَّ اجعلْني معَ صاحبِ النقبِ بينَ يدي رحمتك".

رَحِمَكَ اللهُ يا صاحبَ النقب، وأكرمَ منزلتَك، وحَشَرَنا الله تعالى وإياكَ مع السعداءِ الناخبينَ يومَ الدين.

ضياؤكَ مُشْـــــرِقٌ في كلِّ أرضٍ     لأنــكَ غيــرُ محـــدودِ المكـــــانِ
بَغَتْ أمَمُ الـتتـــــارِ فأدركتـــــــها     من الإيمــــــانِ عاقبــــةُ الأمــانِ
وأصبــــحَ عابدُو الأصنامِ قِــدْماً     حُمـــاةَ الحِجْرِ والركنِ اليمـــاني
فــلا تجزعْ فهذا العصــرُ ليـــــلٌ     وأنتَ الفجـــرُ يشـــرِقُ كــــلَّ آنِ
ولا تخشَ العواصفَ فيه وانهضْ     بشـــعلتِكَ المضيئةِ في الزمــــانِ

*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة