الأحد، 23 يناير 2022

أبو حذيفة بن عتبة يوم بدر

أبو حذيفة بن عتبة يوم بدر

     هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، الصحابي المجاهد الشهيد، الذي جمع الله تعالى له بين الشرف والفضل، فكان منهما نموذجٌ مشرِّفٌ نادر هو أبو حذيفة هذا.

     أسلم الرجل مبكراً، ومبكراً جداً.. أسلم قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ليدعوَ فيها، ومن عجائب الهداية أنه أسلم على الرغم من أسرته المشركة التي أسرفت في عداوتها للدعوة الجديدة، كان أبوه عتبة وعمه شيبة من سادة قريش.. لكنهما عاشا مشركين محاربين للإسلام، ومسرفين في العداوة والكيد والأذى، وماتا مشركين بسيوف المؤمنين في معركة بدر.

     إنها قدرة على الارتفاع والسمو تلك التي امتلكها أبو حذيفة، فإذا به يتجاوز الأفق الواطئ الدنيء الذي تعيش فيه أسرته، ويستشرف آفاقاً أخرى أجلَّ وأعظم، وأنبل وأكرم، وأجمل وأروع، هي آفاق الإسلام العظيم الذي جاء يُخرِج الناس من الظلمات إلى النور.

     هذه المقدرة التي امتلكها أبو حذيفة هيأت له الفرصة للإسلام المبكر على الرغم من جميع الصعاب والمعوّقات، فاكتسب موقفاً كريماً لا يَبلى على كرِّ الدهر، هو موقف السابق المُسارع إلى الإيمان.

     وحين هاجر المسلمون إلى الحبشة مرتين نائِينَ بأنفسهم عن الأذى، كان أبو حذيفة واحداً من المهاجرين في المرتين، وهو موقف آخر له، ينظر إليه المرء في إعجاب، ذلك أن بوسع رجل مثله أن يظل في مكة المكرمة بمنأى العذاب والتنكيل، يحميه من ذلك نسبٌ في قريش أثيلٌ عريق، وسيادة لوالده عتبة يعترف بها الجميع، لكنه مع ذلك هاجر مرتين، ذلك أنه دخل في المجموعة المسلمة الأولى واحداً من مجاهديها الصامدين يحملُ مثل الذي تحمل، ويَجْهَدُ مثل الذي تجهد دون حرصٍ على راحة، أو حذر أو مشقة.

     والعجيب أن أبا حذيفة الذي هاجر مرتين إلى الحبشة على الرغم من والده عتبة، هاجرت معه زوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو.. على الرغم من والدها، الذي كان هو الآخر من سادة قريش، وممّن يعادون دعوة الإسلام ويحاربونها.

     لقد اهتدى الزوجان، من حيث ضلّ الأبوان، وأقبلا على الدين الجديد صادقين مهاجرين صابرين من حيث وقف والدهما يحاربانه ويكيدان له.. حتى خُتِمَ لأحدهما بالقتل يوم بدر، وللآخر بالهداية يوم فتح مكة المكرمة.. وإن الهداية والضلال حقاً سِرّان من أسرار الله تعالى يضعهما حيث يشاء.

     وجاءت هجرة ثالثة لأبي حذيفة في هجرته إلى المدينة المنورة، حيث مضى لا يلوي على شيء ليشارك في بناء الدولة الجديدة التي تحمل مشعل النور والحق والخير، وتصوغ فجر الحضارةِ الجديدةِ؛ أكرمِ وأعظمِ وأشرفِ حضارةٍ عرفها الإنسان، حضارةِ الإسلام.

     وفي المدينة المنورة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي حذيفة وبين عبّاد بن بِشر الذي سارع يُقاسِمُه داره ومتاعه.

     وكان المتآخيان الكريمان، الأنصاري والمهاجري، غاية في الشرف والشهامة والأريحية، وقمة في الصدق والإخلاص والصفاء.. ولقد كانت في حياتهما مَشابِهُ كثيرة رائعة نبيلة، وكان ختامها أن تواثقا على الاستشهاد معاً، وشاء الله عز وجل أن يتحقق ذلك بالفعل فإذا بالبطلين المؤمنين يمضيان شهيدين مبرورين في يوم واحد، هو يوم اليمامة كأنهما كانا على ميعاد.. مضيا شهيدين أثخنتهما الجراح، وفَشَتْ فيهما الكُلوم، وتعاورتهما السيوف، واندقّت فيهما الرماح، وهما ثابتان ثبات الجبال الشم، هانئان سعيدان، باسمان مطمئنان، واثقان مستبشران، يرنُوان إلى جنة الخلد حيث أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، تَرِدُ مياه الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقةٍ في سقف العرش.

     ومنذ استقر أبو حذيفة في المدينة المنورة، حتى لقيَ وجه ربه عز وجل يوم اليمامة، كان جندياً مؤمناً صادق الإيمان، ينهض بتبِعاتِ المؤمن المجاهد في سبيل الله أحسن نهوض وأصدقه وأكرمه.. ويتحمل مسؤوليته كاملة في بناء المجتمع الإسلامي الأول، وصياغة الجيل الربّاني الفريد.

     ودار الزمن مسرعاً يحث خطاه، وجاءت معركة بدر، ووقف أبو حذيفة في الصف المسلم، بينما وقف في الجهة الأخرى حيث الصف الكافر أبو عتبة، وعمه شيبة، وأخوه الوليد.

     وكان هؤلاء أول من وقف بين الصفين يطلب المبارزة.. وتصدى لهم ثلاثة من عشيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هم عمه حمزة بن عبد المطلب، وابنا عمه علي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث.. ولم يَطُلِ الأمر.. إذ سُرعان ما مزقت السيوف المؤمنة صدور الكافرين الصادّين عن الحق المحاربين للهدى المحالفين للشيطان.

     موقفٌ صعب جداً، أن يرى أبو حذيفة دماء أبيه وأخيه وعمه تجري معاً في وقتٍ واحد، موقف شاق وثقيل، لأن أبا حذيفة كان يعرف في أبيه حِلْماً وفضلاً، فكان يرجو له أن يهتدي للإسلام، فلما رأى مصرعه على الكفر تألّم ووقف واجماً حزيناً.

     ولَحَظَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الفَطِن النبيل الحكيم، وقدَّر ما دار في نفسه من عواطف فقال له: "يا أبا حذيفة لعلك دخلكَ من أبيك شيء؟"

     فقال أبو حذيفة: "لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنتُ أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً، فكنتُ أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيتُ ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنتُ أرجو له أحزنني ذلك". عندها ترفَّق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له خيراً، ودعا له بخير.

     على أن أبا حذيفة أوقعَهُ الشيطان في زلّةٍ لا تليق به مؤمناً عظيماً، وتلميذاً نجيباً من تلاميذ المدرسة النبوية المطهرة.

     ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "من لقي منكم العباس بن عبد المطلب فلا يَقتُلهُ فإنما خرج مُستَكْرَهاً"، وسمع بذلك أبو حذيفة فإذا به يقول: "أنقتلُ آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ولا نقتلُ العباس؟ والله لئن لقيتُه لأُلْجِمَنَّهُ السيف".

     وبلغت كلمته هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب: "أيُضْرَبُ وجهُ عمِّ رسول الله بالسيف؟".

     وأحسّ عمر العملاق العظيم بفداحةِ كلمة أبي حذيفة فقال للرسول صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله دعني فَلْأَضْرِبْ عنقه بالسيف فوالله لقد نافق"...

     لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى على عمرَ ذلك، وأدرك أنما هي هفوة عابرة غير متعمدة.

     وفاءَ أبو حذيفة إلى رشده بعد زلّته تلك، واستبدّ به القلق على هفوته هاتيك، واعتذر عنها، وظلّ طيلة حياته وهو يقول: واللهِ ما أنا بآمنٍ من تلك الكلمة التي قلتُها يومئذٍ، ولا أزال منها خائفاً إلا أن تُكَفِّرها عني الشهادة.

     لقد كانت في حياة أبي حذيفة مواقف كثيرة مشرِّفة، لكن موقفه في أعقاب زلّته تلك موقفٌ خاصٌّ متميز ليس له في حياته كلها مثيل.

     إن الرجلَ قد شعر بفداحة ما قال، وخطورة ما أزَلّهُ الشيطان إليه، وامتلكه ندم حاد عنيف، جعله يشعر أنه على حافة الهاوية، وأنه قد ينتهي إلى الخسران ما لم يَحْظَ بالشهادة عسى أن تكفِّرَ عنه هفوته تلك.

     ومن يُمعِن النظر في عبادة أبي حذيفة، يكتشف معدنه النبيل، ونفسه الحساسة، وتقواه الصادقة، ومدى ما كان يشعر به من ندم وحسرة وأسف.. "واللهِ ما أنا بآمنٍ من تلك الكلمة التي قلتُها يومئذٍ ولا أزال منها خائفاً إلا أن تُكَفِّرها عني الشهادة"؛ كلمة نبيلة غاية في النُّبْلِ، جليلة غاية في الجلال، جميلة في معناها، سامية في مقصدها، ثقيلة في تكاليفها، ناضرة طاهرة عاطرة. لذا طفِقَ البطلُ يجاهد ويجاهد، مؤمِّلاً أن يُرزَق الشهادة في سبيل الله.. حتى يهدأ ويستريح.

     وأخيراً تحقق له ما أراد، فثوى في أرض اليمامة بعد قرابة عشر سنوات من تلك الزلة، شهيداً صادقاً وفياً، وثوى معه أخوه الأنصاري عَبّاد بن بِشر، وعلى وجه كلٍّ منهما ابتسامة طاهرة متوضّئة.
*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة