الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الأول - 04 - الموقف الديني

الفصل الأول
(الرثاء في شعر شوقي)

4 - الموقف الديني:

     كان شوقي رجلاً عميق الإيمان بالله تعالى، مسلماً معتزاً بالإسلام، أحبه وأشاد به ودافع عنه، لذلك يحتل الإيمان بالله تعالى، والتسليم بأمره، والرضا بقدره، والتنويه بجهود المرثي الدينية، والإيمان بالبعث والنشور والجنة والنار، مكاناً بارزاً في مراثيه.

     وقضية الدين في شعر شوقي، وما يجاوره أحياناً من شعر يأباه الدين، ومن سلوك لشوقي كان فيه مجافياً للدين مرتكباً للمعاصي، قضية ثار حولها جدل قديم، جعل الناس يتساءلون عن صحة تدين شوقي وصدقه في إسلامياته وتتباين آراؤهم وتتعدد، ويبدو لي أن الأمر أقرب للفهم وأيسر للتعليل إذا تذكرنا أن مقارفة الإنسان للمعصية، مع شعوره بخطأ ما يفعل لا تنفي عنه الإيمان وإن كانت تسجل عليه إثماً وحراماً.

     وشوقي من هذا النوع من الناس. كان مؤمناً عميق الإيمان، عمقت إيمانه ثقافته الواسعة، وكثرة اطلاعه على التاريخ، والدماء المسلمة غير العربية التي تجري في عروقه، وصلته بالأسرة العلوية في مصر، والأسرة العثمانية في تركيا، وهي صلة تتداخل فيها مصالح السياسة، بأواصر القرابة، بالوحدة الدينية، فضلاً عن اطلاعه على كثير من خفايا السياسة التي جعلته يبصر الوجه الصليبي للغرب ضد المسلمين وهو ما جعل شعوره الديني أكثر يقظة وانتباهاً وإحاطة.

     أما معصيته فكانت معصية سلوك لا اعتقاد، وضعف لا سوء، ونزوة يدفعه إليها ثراء وجاه وحياة مواتية، وهي معصية لا تسكن عقله ولا قلبه اللذين ظلا عامرين بأعمق الإيمان، الأمر الذي ظهر في شعره كثيراً واحتل مساحة واسعة منه، حتى حظيت بدراسات كاملة، أبرزها ((الدين والأخلاق في شعر شوقي)) للأستاذ علي النجدي ناصف، و ((أحمد شوقي، شعره الإسلامي)) للدكتور ماهر حسن فهمي، و ((الإسلام في شعر شوقي)) للدكتور أحمد محمد الحوفي، و((التدين والمجون في شعر شوقي)) للدكتور عائض الردادي.

     يقول الأستاذ أحمد محفوظ الذي كان من أعرف الناس بشوقي عنه مصوراً هذا الجانب فيه: ((في الحق أني لم أصادف رجلاً مثل شوقي في قوة إيمانه وراسخ عقيدته، كان لا يصوم ولا يصلي لاعتلال صحته، وأبى أن يحج مع عباس الثاني لإرهاق أعصابه، على يسر الرحلة وسهولتها، ولكنه كان عميق الإيمان عمقاً تغلغل في جميع كيانه. كان لا يذكر اسم الله مجرداً قط، بل كان يتبعه بلفظي سبحانه وتعالى، ولم يذكر اسم النبي مجرداً ألبتة، بل كان يصلي ويسلم عليه دائماً، وما مررت معه في طريق وصادفنا جنازة محمولة إلا وقف تعظيماً لها رافعاً سبابته متشهداً على الميت، وأذكر أن نجله حسين كان صغيراً، فتحدث حديثاً دينياً فيه غرارة الصبا وكان يمزح، فحملت الحديث إلى شوقي أمام ابنه، وأنا لا أعني إلا الفكاهة لأن الحديث لم يكن فيه خروج صارخ على الدين، ولكنه رغم هذا غضب غضباً شديداً وعنف ابنه تعنيفاً موجعاً على حبه الشديد له، ولا أشك أبداً أن كل قصائد شوقي الدينية إنما صدرت عن عقيدة وحب عظيمين، ولم تكن القصائد التي كانت تنشر في المولد النبوي أو في ذكرى الهجرة المعظمة قصائد أملتها المناسبات كما كان يفعل كثير من الشعراء غيره، إنما كان الدافع إليها فرح شوقي بهذه الذكريات العطرة وكان ينتظرها مشوقاً ليفرغ نفسه في هذا الحب المقفى ... وحدثني مرة وكنت أراكبه عربته بعد أن نظر إلي طويلاً، قال: إن فلاناً وفلاناً وغيرهما طالما ناصبوا الإسلام العداء، وكانوا ألسنة ولهم أقلامهم، وصحف في بلد عربي شقيق ينشرون فيها غمزاً في الإسلام وتشكيكاً فيه ويشيدون بالمسيحية، فانبريت أنا لهم بهذه القصائد الدينية التي أنشرها في تمجيد الإسلام، والإشادة به وإثبات قدسيته وجلاله، فكان هذا ردي عليهم وحربي، دفاعاً عن الإسلام))[1].

     وعندي أن هذه الشهادة، شهادة صحيحة وقوية، وديوان شوقي في الرثاء وفي غير الرثاء ينطق بصحتها، وليس عليها من مأخذ إلا ما قد توحي به عبارة صاحبها الأستاذ أحمد محفوظ من أن تهاون شوقي في الصوم والصلاة والحج يمكن تبريره باعتلال صحته.

     ولذلك يمكن القول: إن شوقي صادق في إسلامياته، وإن ما أخذ عليه من ضعف وتقصير في بعض سلوكه لا يقدح في صدقها، كما يمكن القول: إن مراثيه تعبر تعبيراً قوياً عن صحة موقفه الديني وعمقه وأصالته.

     في رثائه لعبد الحليم العلايلي يعزي أهل دمياط الذين خسروا الفقيد، بأن الموت غالب للجميع، وأن الباقي هو الله وحده، وأن عليهم الرضا بالقضاء لأنهم أهل إيمان وتقوى، يصلون كباراً وصغاراً ونساء، ويحرصون على صلاة الفجر حرصاً شديداً:

بني دميــــاط ما شيء ببــــاق     سوى الفرد الذي احتكر البقاء
تعــــالى الله لا يبــــــقى سواه     إذا وردت بريتــــه الفنـــــــاء
وأنتــــم أهل إيمـــــان وتقوى     فهل تلقــــون بالعتب القضــاء
ملأتم من بيـوت الله أرضـــــاً     ومن داعي البكور لها سمـــاء
ولا تستقبـــــلون الفجــــر إلا     على قدم الصـــلاة إذا أضـــاء
وترتقبـون مطلعه صغـــــاراً     وتستبــقون غرته نســـــاء[2]

     والأبيات تفيض بالإيمان الذي يعين على الصبر، وتفيض بتعظيم الله وتمجيده وتفيض بالإشارات المتصلة بالدين من بقاء وفناء، وإيمان وتقوى، وصلوات ومساجد.

     وفي رثائه لعمر المختار وهو من درر مراثيه، يجعل المسلمين في كل مكان يبكون الفقيد الكبير، لأن المصاب ليس مصاباً ليبياً فقط، بل هو مصاب المسلمين في كل مكان:

والمسلمون على اختلاف ديـارهم     لا يملكون مع المصاب عزاء[3]

     وقصيدته في رثاء محمد علي أحد زعماء المسلمين في الهند، تفيض بالمعاني الدينية، فبيت المقدس حيث دفن الفقيد هو للمسلمين لا أحد يستطيع منازعتهم عليه، ورسولهم الكريم ×، صلى على جنباته واستقبل الرحمات في أرجائه:

من ذا ينــــازعنا مقــــالد بابــــــه     وجـــلال ســـدته وطهر فنــــــائه
ومحــــمد صـــلى على جنـبــــاته     واستقبل السمحات في أرجائه[4]

     والفقيد المدفون في القدس الشريف جدير بكل تكريم فهو من سيوف الله في نصرته للإسلام، وهو من سيوف الهند في الحدة والقوة، وهو من الجلال بحيث إن الرسول الكريم × فتح له مناخ براقه وإسرائه ومعراجه:

يـا قدس هيئ من رياضك ربوة     لنزيــل تربــــك واحتفـل بلقـائه
هو من سيــــوف الله جل جلاله     أو من سيوف الهند عند قضائه
فتـــح النبي له منـــــــاخ براقه     ومعـارج التشـريف من إسرائه

     والفقيد بطل له مواقف مشهودة في نصرة الإسلام:

بطل، حقوق الشرق من أحماله     وقضيـــة الإسلام من أعبــــائه

     ولذلك سيظل النيل يذكر جهاده، والأتراك يشهدون بصدق بلائه:

النيل يذكر في الحوادث صوته     والترك لا ينســون صدق بلائه

     ويطلب الشاعر من الفقيد أن ينام في جوار الله، فما به من غربة وهو مدفون في ظل بيت، هو من أبنائه الذين أخلصوا له:

نم في جوار الله مابك غربة     في ظل بيـت أنت من أبنائه

     وفي قصيدته في كارنافون وهو الذي كشف عن الفرعون توت عنخ آمون، ينكر الشاعر ما يدعيه بعضهم من موت المكتشف بلعنة الفراعنة، ويقرر أن الروح سر من أسرار الرحمن:

لا تسمعن لعصبــــة الأرواح ما     قــــالوا ببـــــاطل علمهم وكذابه
الروح للرحمــــن جـــــل جلاله     هي من ضنائن علمه وغيابه[5]

     والكشف عن توت عنخ آمون، ليس عودة له إلى الحياة، بل العودة هي يوم الحساب:

ما آب جبـــار القرون وإنما     يوم الحساب يكون يوم إيابه

     وحين رثى حسين شيرين أشاد بدينه واستقامته، وجعله وهو يعد للدفن، مثل زين العابدين في التقوى:

أرأيت زين العــــــابدين مجهزاً     نقلوه نقل الورد من محرابه[6]

     والفقيد ينتمي إلى أسرة عريقة في التدين، ولذلك فهو طيب وابن طيبين، ولذلك هو مؤمن مترفع عن كل ما يشين، وهو دائماً بين المسجد يصلي فيه والقرآن الكريم يتلوه:

الطيـــب ابن الطيبـــين وربمـا     نضح الفتى فأبان عن أحســابه
والمؤمن المعصوم في أخـلاقه     من كل شــــائنة وفي آدابــــــه
أبداً يراه الله في غـــلس الدجى     في صحن مسجده وحول كتابه

     والفقيد وفي لوطنه الذي عاش فيه، وفي للمسلمين الذين ينتمي إليهم:

ويفي كديــــدنه بحق بلاده     ويفي بعهد المسلمين كدابه

     ويطلب شوقي من إسماعيل شقيق الفقيد ألا يجزع للحادث، وأن يفيء إلى تقواه يتمسك بها، ويذكره أن كل علاقة إلى انفصام:

تقـواك إسماعيل كل علاقــــة     سيبتها الدهر العضوض بنابه

    وفي قصيدته في رياض باشا، يطلب منه في تصوير رائع، وخوف بين من الموت، أن يحدثه عن الموت، وساعة الوفاة وما إلى ذلك، وبعد أن يستفسر منه عن مصير الروح، يجزم بقدرة الله تعالى وعظمته، ويجزم بالبعث والنشور:

وهل تقع النفـــوس على أمان     كما وقعت على الحرم القطاة
وتخـــــلد أم كزعم القوم تبلى     كما تبــــلى العظام أو الرفات
تعــــالى الله قابضهـــــــا إليه     وناعشها كما انتعـــش النبات
وجــــازيها النعيم حمى أميناً     وعيشاً لا تكــــــدره أذاة[7]

     وفي رثائه لجدته تمزار، يستنزل رحمة الله تعالى على قبرها، ويصفها بأنها كانت في أعوامها التسعين مثالاً للإحسان والفضل والبر حتى كأنها أم للمؤمنات:

صـــلاة الله يا تمزار تجزي     ثراك عن التــلاوة والصلاة
وعن تسعين عاماً كنت فيها     مثــال المحسنات الفضليات
بررت المؤمنـــات فقال كل     لعلك أنت أم المؤمنـات[8]

     ويجعل شوقي أسر جدته في اليونان وهي بنت عشر سنوات خيراً لها، لأن هذا الأسر كان سبباً في إسلامها:

عننــت لهم بمورة بنت عشر     وسيف الموت في هام الكماة
فكنت لهم وللرحمن صيــــداً     وواسطة لعقـــد المســــلمات
تبعت محمداً من بعــد عيسى     لخيــــرك في سنيك الأوليات

     وفي رثائه لعبد العزيز جاويش، يشيد بجهوده في خدمة المسلمين، وجمع كلمتهم، والدفاع عن الإسلام في دياره، ودعوة الجاحدين إليه، ويلوم من يتساءلون عن سبب عناية المرثي بالترك والهنود وقريب المسلمين وبعيدهم:

يقــــولون ما لأبي نـاصــــــــــر
            وللتـــــرك ما شــــــأنه والهنـود
وفيـــم تحـــــمل هم القـريــــــب
            من المســــلمين وهــــم البعيــــد
فقـــــلت وما ضركم أن يقـــــوم
            من المســـــلمين إمام رشيـــــــد
أتســـتكثـــــرون لهــم واحـــــداً
            ولي القـــــديم نصير الجديــــــد
ســعى ليــــؤلف بين القـــــلوب
            فــــلم يعد هدي الكتاب المجيـــد
يشـــــد عرا الديـــــــن في داره
            ويدعو إلى الله أهل الجحود[9]

     وينهي شوقي قصيدته الطويلة في الخديوي إسماعيل، بأبيات يقرر فيها أن الموت نهاية كل حي، وأن تلك سنة الله في عباده، وأن النفس عائدة إليه، وأن وعد الله تعالى وأنبيائه الكرام صادق:

إنمـا الموت منــــــتهى كل حي     لم يصب مالك من الملك خــلدا
سنــــة الله في العبــــــــاد وأمر     نــاطق عن بقــــــــائه لن يردا
وإلى الله ترجع النفــــــس يوماً     صدق الله والنبيون وعـدا[10]

     وفي قصيدته في تولستوي، يدافع عن الأديب الروسي الكبير، ويجعله مؤمناً يطوف على الفقراء بالحنان والمواساة كما كان يفعل عيسى عليه السلام، ويجعل ذلك لبَّ الدين، أما الناقمون عليه فهم معنيون بالقشور:

تطوف كعيسى بالحنان وبالرضا     عليــــهم وتغــشى دورهم وتزور
ويأسى عليــــــك الدين إذ لك لبه     وللخادمين النـــاقمين قشور[11]

     وحين يجمع شوقي بين تولستوي والمعري، يقرر أن الذي طواهما هو الله القادر على كل شيء، وهو الذي ينشر بعد الطي:

طوانا الذي يطوي السموات في غد     وينشــــر بعد الطي وهو قديـــــــــر

     وقصيدة شوقي في الطيارين العثمانيين فتحي ونوري وهي من أجمل مراثيه، تعبق بالعاطفة والمعاني الدينية، فالفقيدان طياران عثمانيان، خسارتهما خسارة للمسلمين، لأن الدولة العثمانية يومذاك كانت تتولى زعامة المسلمين الدينية والسياسية، وخليفة المسلمين في إستانبول رمز للمسلمين جميعاً، ولشوقي ارتباط وثيق بالإسلام وبالأتراك وبالدولة العثمانية.

     يقدم لنا شوقي الطيارين العثمانيين في صورة تعبق بالرموز والأجواء الدينية، فقبرهما هو السماء بطولها وبعرضها، وهو ما لم يحظ به غاز قبلهما، وهذا القبر العجيب يحوطه التسبيح والتهليل ويقف عليه النبيان الكريمان إدريس وعيسى عليهما السلام، في عالم مطهر نقي:

أي الغــزاة أولي الشهادة قبــــلكم     عرض السماء ضريحهم والطول
يغـــــدو عليه بالتحيـــــــــة أهلها     ويرفــــرف التسبيــــــح والتهليل
إدريس فوق يميـــــــنه ريحــــانة     ويســــــوع فوق يمينه إكليـــــــل
في عـــــالم سكانه أنفـــــــــاسهم     طيب وهمس حديثهم إنجيل[12]

     ووقع الكارثة بالفقيدين كبير لخسارة المسلمين بهما، فالحزن في كل مكان، والمسجد الأموي هدته الكارثة، وصفوف المسلمين تصلي على الفقيدين ونعش الواحد منهما عال في الأرض والسماء، ولا غرابة في ذلك ففيه شهيد، كفن بالكتاب وغسل بمدامع جبريل عليه السلام:

هلعت دمشق وأقبــــلت في أهـــلها     ملهـــوفة لم تـــــدر كيف تقــــــول
مشــــت الشجون بها وعم غياطها     في كل سهـــل أنـــــة ومنـــــــاحة
بيــــن الجـداول والعيــون ذبــــول     وبكــــل حـــزن رنــــة وعويـــــل
في كلّ سهــــــل أنّة ومنـــــــــاحة     وبكل حــــــزن رنة وعويـــــــــل
وكأنما نعيــــــت أميـــــــة كـلهـــا     للمسجـــــد الأموي فهو طلــــــول
خضعت لكم فيه الصفوف وأزلفت     لكم الصــــــلاة وقــــــرب الترتيل
من كل نعش كالثـريـــــــــــا مجده     في الأرض عال والسماء أصيـــل
فيه شهيــــــد بالكتـــــاب مكـفــــن     بمدامع الروح الأميـــــــن غسيــل

     والفقيدان دفنا إلى جوار صلاح الدين الأيوبي، البطل المجاهد المسلم، فمدفنه ومدفنهم بقعة مباركة كأن فيها عبقاً من روح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

حتى نزلتـــــم بقـــعة فيها الهـــدى     من قبل ثـــــاو والســـــــماح نزيل
عظمت وجل ضريح يوسف فوقها     حتى كــــأن الميـــت فيه رســـول

     ويرى شوقي أن من واجبه أن يعزي إستامبول حاضرة الخلافة العثمانية التي خسرت هذين الطيارين المسلمين، فيكلف شعره أن يقوم بالمهمة وأن يطلب من الخليفة الصبر الجميل على الكارثة فتلك أخلاق العظام:

شعـــري إذا جبت البحور ثلاثة     وحـــواك ظل في فروق ظليــل
وتداولتــــــك عصــــابة عربية     بين المــــآذن والقـــــلاع نزول
وبلغت من باب الخـــــلافة سدة     لستورها التمســــــــيح والتقبيل
قـــل للإمـــــــــــام محمد ولآله     صبر العظام على العظيم جميل
صبراً فأجر المسـلمين وأجركم     عنــد الإله وإنـــــــه لجزيــــــل

     ويختم شوقي قصيدته بدعوة الخليفة إلى إطلاق سراح عزيز المصري القائد الحربي الشجاع ويناشده أن يفعل ذلك بالله جل وعلا، وبالإسلام، وبمآسي المسلمين الدامية:

بالله بالإســــلام بالجرح الذي     ما انفك في جنب الهلال يسيل
إلا حللت عن السجين وثـــاقه     إن الوثـــاق على الأسود ثقيل
فاذكر أمير المؤمنيــــن بلاءه     واستبقه إن السيـــــــوف قليل

     وفي رثائه للقائد العثماني أدهم باشا، يصور شوقي عظيم ما فعله الفقيد لصالح الإسلام حيث حاز له نصراً مؤزراً، بعد أن ظن الناس بمستقبل الإسلام كل الظنون، وتوقعوا انحلال دولته واقتسامها بين الظافرين:

ليالي بـــــات الدين في غيــــــــر قبضة
               وزلـــــــزل في إيمــــانه كل مســــــــلم
وقــــــال أناس آخر العهـــــد بالمــــــلا
               وهمت ظنـــــــون بالتراث المقســــــــم
فــــأطلع للإســـــلام والملك كوكبـــــــاً
               من النصر في داج من الليل مظلم[13]

     والمصاب بالفقيد مصاب جلل، يجعل الشاعر يتساءل هل لبس الصفا السواد حداداً عليه، وهل غص الشاربون بماء زمزم، وهل مضى الركبان ينعون القائد العسكري العظيم الذي كان مشابهاً لخالد بن الوليد إلى المحرمين في الحج ورماة الجمار:

ألا أيها السـاعون هل لبس الصفا     سواداً وهل غص الورود بزمزم
وهل أقبل الركبـــان ينعون خالداً     إلى كل رام بالجمار ومحــــــرم

     ويطلب من إستامبول أن تضحك وتبكي في آن واحد كما تفعل أم الشهيد لأنها بين الفرحة بشهادته والحزن بفقده:

فروق اضحكي وابكي فخاراً ولوعة     وقومي إلى نعش الفقيــــد المعــــظم
كــأم شهيــــــد قد أتــــــاها نعيــــــه     فخفـــــت له بين البكـــــا والتبســــم

     ولما رثى شوقي مصطفى كامل، وكان زعيماً واسع الشعبية يجمع بين الوطنية والدين، جعله خادماً للإسلام له أجر المجاهد خلوداً ورضواناً:

يا خــــــــــادم الإسلام أجر مجاهد     في الله من خلد ومن رضوان[14]

     والمصيبة بالفقيد مصيبة للمسلمين جميعاً، لأنه كان يعمل لدينهم وخليفتهم لذلك روع الحرمان الشريفان وسرى الأسى في زوارهما، وسكة حديد الحجاز الشهيرة نكست أعلامها وقضبانها حزناً عليه لما كان له عليها من فضل في دعم مشروعها، بذله ابتغاء الله ورسوله ونصرة لخليفة المسلمين:

لما نعيت إلى الحجاز مشى الأسى     في الزائـــــرين وروع الحرمـــان
السكة الكبـــــرى حيال ربـــــاهما     مــــنكوسة الأعلام والقضبـــــــان
لم تــــــألها عند الشـــــــدائد خدمة     في الله والمختـــــــار والسلطــــان

     ونعش الفقيد يختال عجباً بحامله، كأنه نعش الحسين بن علي سليل النبوة الكريمة، وما ضم هذا النعش من مكارم جدير بأن يترك أمانة عند الله تحفظ وتصان:

وكأنه نعش الحسين بكربـــــلا     يختال بين بكا وبين حنـــــــان
في ذمة الله الكريـــــــــم وبره     ما ضم من عرف ومن إحسان

     ولو أن للقرآن الكريم بقية لم تأت بعد، لذكر الفقيد فيها لما له من منزلة دينية عالية:

أو كان للذكر الحكيــــم بقية     لم تأت بعد رثيت في القرآن

     والفقيد لما له من طهارة ونقاء، ملك يهاب الملكان سؤاله:

أقسمت أنك في التراب طهارة     ملك يهــــــاب سؤاله الملكــان

     وفي رثائه لإسماعيل أباظة يطلب منه أن ينزل في رحاب الله تعالى حيث الكرم والرحمة، وحيث عفوه تعالى، الذي يقبل التوبة ويقيل العثرة، ويمتدح الفقيد بأن دنياه على غناها واتساعها، لم تلهه عن دينه:

إلى الله إســـــماعيل وانزل بساحة     أظل الندى أقطـــــارها والنواحيــا
ترى الرحمة الكبرى وراء سمائها     تـــلف التقى في سيبها والمعاصيـا
لدى ملك لا يمنـــــع الظل لائــــذاً     ولا الصفح تواباً ولا العفو راجيــا
وأقســـــم كنت المرء لم ينس دينه     ولم تلهه دنيـــاؤه وهي ماهيا[15]

     وهكذا كان الإيمان بالله تعالى، والاعتزاز بالإسلام، ونصرة المسلمين، وما يتصل بذلك من رموز وإشارات وبطولات وحالات ديدن شوقي، يظهر حيث تدعو الحاجة ليشهد بقوة إيمانه، وعميق اعتزازه بالإسلام، وانتمائه للأمة المسلمة، وإعلائه من شأن الأخوة الإسلامية.

     من أجل ذلك يكثر شوقي من الإشارة إلى عظمة الله جل جلاله وبقائه وهلاك الناس، واستقامة المرثي خلقاً وإيماناً وبراً وصلاة، والإشادة بدور الفقيد الديني إن كانت له في ذلك ريادة تجعله منشغلاً بهموم المسلمين.

     ومن أجل ذلك أيضاً نجده عميق الإيمان بخلود الروح، وبعث الناس ونشورهم، وعودتهم إلى رحاب العلي القدير يوم الحساب، معتزاً بخلافة المسلمين التي هي رمز مجدهم الديني والسياسي والعسكري، فرحاً إذا انتصروا محزوناً إذا انهزموا، مفتخراً بالمرثي إذا كان له جهد ديني مميز، داعياً إلى أن يكفن بالكتاب، مستعملاً مقدسات المسلمين في شعره لإظهار الحزن، كالحرمين الشريفين وزمزم والصفا ومنى والجمرات.

     إن شخصية شوقي المسلمة المؤمنة معلم بارز من معالم رثائه، لا يخطئ الدارس أن يراه حيث دعت الحاجة إليه.

     ويحمد لشوقي الذي رأيناه عميق الإيمان بالله واليوم الآخر، معتزاً اعتزازاً شديداً بالإسلام ونبيه الكريم ×، طالما دافع عنه وغنى له وأشاد به، أن موقفه هذا لم يقده إلى عصبية مذمومة فغلبت عليه روح التسامح انسجاماً مع توجيهات الإسلام المتسامحة من جانب، وانسجاماً مع طبيعته الشخصية المتسامحة من جانب آخر. لذلك نجده يحذر من التعصب المذموم، ويدعو للوفاق بين المسلمين والأقباط إثر اغتيال الورداني لبطرس غالي، ويرثي عدداً من النصارى، بل ويمجد عدداً من أعلام النصارى الغربيين من قديم وحديث.

     حين احتفل المجمع العلمي في إنجلترا عام 1916م بذكرى شكسبير، نظم شوقي فيه قصيدة، مجده فيها تمجيداً كبيراً وأثنى على شعره، وجعل شرف إنجلترا به عالياً:

ما أنجبت مثل شكسبير حـاضرة     ولا نمت من كريم الطيـــر غناء
نالت به وحده إنجـــــــلترا شرفاً     ما لم تنــل بالنجوم الكثر جوزاء
لم تكشـف النفس لولاه ولا بليت     لها ســــرائر لا تحصى وأهـواء
شعر من النســــق الأعلى يؤيده     من جانب الله إلهام وإيحاء[16]

     ورثى شوقي يعقوب صروف، وهو مسيحي لبناني متمصر استوطن مصر وأنشأ مع فارس نمر – وهو الآخر مسيحي لبناني متمصر – مجلة المقتطف، بقصيدة تدل على صلة مودة بين الشاعر والمرثي، مطلعها:

سمـــــاؤك يا دنيا خداع ســـــــراب     وأرضك عمران وشيك خراب[17]

     وقد أشاد فيها بالمرثي وأثنى عليه وعلى أعماله، وتوجع له وسلم عليه تسليماً حاراً:

سلام على شيخ الشيـــــوخ ورحمــــة     تحــــدر من أعطــاف كل سحـــــــاب
ورفــــاف ريحان يروح ويغتــــــــدي     على طيبـــــات في الخلال رطـــــاب
وذكرى وإن لم ننس عهــــدك ســـاعة     وشـــــوق وإن لم نفتــــــكر بإيـــــاب
وويح السوافي هل عرضن على البلى     جبينـــــك أم ستـــــــــــرنه بحجــــاب
وهـل صُــــنَّ ماء كــــــان فيه كأنــــه     حيــــــاء بتول في الصــــــــلاة كعاب

     ولشوقي قصيدة فريدة في ذكرى كارنافون، وهو صاحب البعثة الأثرية التي كشفت مقبرة توت عنخ آمون عام 1932م، وكان لهذا الكشف يومها دوي كبير، مجد كارنافون وأشاد بجهوده، وصور كيف مات بلسعة بعوضة في الصعيد، أصاب خرطومها وجهه العزيز:

صادت بقارعة الصعيــد بعوضة     في الجو صائد بــــــازه وعقــابه
وأصاب خرطوم الذبــابة صفحة     خلقت لسيف الهند أو لذبابه[18]

     وصور شوقي في إعجاب واضح بكارنافون، عمله في كشف المقبرة بصبر متصل لم يتوقف حتى ظفر بالمقبرة وصاحبها، إذ فض ختم الزمان، وحبا إلى قدس التاريخ، وأعاد الزمان إلى الوراء فوجدنا أنفسنا مع فرعون بين طعامه وشرابه وكنوزه:

الجـــــــائب الصخر العتيد بحاجر
               دب الزمـــان وشب في أســــرابه
لو زايل الموتى محــــــاجرهم بـه
               وتلفتـــوا لتحيـــــــروا كضبــــابه
لم يــــأله صبراً ولم يـــــن همـــة
               حتى انثنى بكنــــوزه ورغــــــابه
أفضى إلى ختــــم الزمان ففضــه
               وحبـــا إلى التاريخ في محــــرابه
وطوى القرون القهقرى حتى أتى
               فرعون بين طعــــــامه وشــرابه

     وحين رثى شوقي رياض باشا أشاد به وعدد أعماله وأثنى عليه، ومما عني به من أعماله، موقفه المحمود من الفتنة التي كادت تستعر بمصر إثر اغتيال الورداني لبطرس غالي، بين المسلمين والأقباط، وذلك في المؤتمر الذي أقيم في عين شمس، وما كان لهذا الموقف من أثر في إطفاء الفتنة المستعرة، وذلك لوقار الفقيد وقوة شخصيته وحلمه الذي طامن زهو الشباب واندفاعهم:

طلعت على النـــــدي بعين شــمس
               فوافتــــها بشمســــين الغــــــــــداة
على ما كان ينــــــدو القـــــوم فيها
               توافى الجـــــمع وائتمر الســـــراة
تملــــكهم وقـــــارك في خشــــوع
               كما نظــــمت مقيميــــها الصـــلاة
رأيت وجــــوه قومك كيف جــــلت
               وكيف ترعرعت مصر الفتــــــــاة
أجيـــــل الرأي بين يديـــــــك حتى
               تبيـــــنت الرزانة والحصــــــــــاة
وأنــــت على أعنتــــــــهم قديـــــر
               وهم بـــك في الذي تقضي حفــــاة
إذا أبــــدى الشبـــاب هوى وزهواً
               أشـــــار إليـــه حلمك والأنــــــــاة
تفجـــــر حكــــــمة التســــعين فيه
               فــــآذان الشبيــــبة صاديـــــــــات
تقــــول متى أرى الجيران عـادوا
               وضـــــم على الإخاء لهم شتـــات
وأين أولو النهى منـــــــا ومنــــهم
               عسى يأسون ما جرح الغلاة[19]

     ولشوقي قصيدة طويلة في مصرع اللورد كتشنر وهي قصيدة مستغربة أشاد فيها باللورد وبقومه الإنجليز، ويظهر أن الشاعر أحس بغرابة ما فعل، فالتمس العذر لنفسه بأنه إنما يلتمس العبرة، من موت رجل له أهميته، فضلاً عن أن التاريخ فوق الأهواء، وجلال الموت فوق الهذر والهذيان:

لا تقــــولوا شاعر الوادي غوى     من يغــــالط نفســــه لا يعتــــبر
موقف التــاريخ من فوق الهوى     ومقــــام الموت من فوق الهــذر
ليس من مات بخــــــــاف عنكم     أو قليل الفعل فيكم والأثر[20]

     ولشوقي قصيدة في فكتور هيجو أشاد فيها ببيانه الخالد، الباقي على مر الزمان، وجعله أجل من عيد ذكراه:

ما جـــل فيهم عيدك المــــأثور
               إلا وأنت أجــــــل يافكتــــــور
ذكروك بالمئــــة السنين وإنها
               عمر لمثــلك في النجوم قصير
ستدوم مادام البيان وما ارتقت
               للعالمين مدارك وشعور[21]

     وله في تولستوي قصيدة جيدة، تشيع فيها روح مسيحية مناسبة للمرثي، وحكمة وفلسفة يجمعه فيها إلى المعري، ونظرة تشاؤم توحي بغلبة الشر والظلم. يقول شوقي مصوراً بكاء العلم والفقراء والضعفاء والفلاحين على الفقيد:

تولستـــوي تجري آية العلم دمعــها
               وشعب ضعيف الركن زال نصيره
عليــــك ويبــــكي بــــائس وفقيـــر
               وما كل يوم للضعيــــف نصيــــــر
وشعب ضعيف الركن زال نصيره
               وما كل يــــوم للضعيــــف نصيــر
وينــــدب فلاحون أنت منـــــارهم
               وأنت ســـراج غيبوه منيـــر[22]

     ويجعله شوقي إنساناً مؤمناً، كتبه كالأناجيل، ثم يجمعه مع المعري، حيث يخبره بأن ماشكا منه من قديم لا يزال فاشياً بين الناس ظلماً وبغياً وزوراً:

قم انظر وأنت المـــالئ الناس حكمة
               أأجــــدى نظيــــم أم أفـــــاد نثيـــــر
أنـــــاس كما تدري ودنيا بحــــــالها
               ودهــــر رخي تــــــارة وعســــــيـر
وحرص على الدنيا وميل مع الهوى
               وغش وإفــــــك في الحيـــــاة وزور

     ولما مات جورجي زيدان قال فيه شوقي قصيدة، استغل فيها كون المرثي مسيحياً ليحذر من الفرقة باسم الدين، ومن الغلو الذي يخفى معه الرشد:

لا تجعــــلوا الدين بـــــاب الشر بيــــنكم
               ولا محــــل مـبـــــــــــــــــــاهـاة وإدلال
ما الدين إلا تــــــراث النـــــاس قبــــلكم
               كل امرئ لأبيـــــــه تــــــــابع تـــــــــال
ليس الغـــــــلو أمينـــــــــــاً في مشورته
               مناهج الرشد قد تخفى على الغالي[23]

     ويتخذ شوقي من رثائه لبطرس غالي مناسبة حميدة للدعوة إلى الوئام بين المسلمين والأقباط، وإشاعة التسامح الديني، يقول شوقي لغالي: لقد كانت حياتك داعية سلام بين النصارى والمسلمين، وموتك اليوم فرصة مواتية لمن يقف فوق قبرك يدعو للوفاق، لذا أنت نافع في حياتك وموتك:

قد عشت تحدث للنصــارى ألفة     وتجــــد بين المســــلمين وئـاما
واليوم فوق مشيـــــد قبرك ميتاً     وجد الموفق للمقال مقاما[24]

     ثم يقرر أن المسلمين والقبط أمة واحدة، كل فئة تحترم الأخرى وتوقر لها دينها:

أعهـــــدتنا والقبـــط إلا أمة     للأرض واحدة تروم مراما
نعلي تعـاليم المسيح لأجلهم     ويوقرون لأجـــلنا الإسلاما

     على أن توقير المسلمين للمسيح عليه السلام هو استجابة لأوامر دينهم، وليس مجاملة لأحد، وهو أمر ما كان له أن يغيب عن شوقي.

     ويخلص شوقي بعد ذلك إلى فكرة التعايش بين الأديان، لأن الله جل وعلا لم يوحد الناس في عقائدهم:

الدين للديـــــان جل جلاله     لو شاء ربك وحد الأقواما

     ثم ينتهي إلى خطاب المسلمين والأقباط داعياً إياهم لنبذ الأوهام واتباع الحقائق، فمصر للفريقين منذ القدم تتجاور فيها جماجمهم وعظامهم، ويستحلفهم بحرمة الموتى أن يعيشوا كما يملي عليهم واجب الجوار:

يا قوم بان الرشد فاقصوا ما جرى     وخذوا الحقيقة وانبـــذوا الأوهاما
هــذي ربوعــــكم وتلك ربوعنـــا     متجـــاورين جمــاجماً وعظـــاما
فبحـــــرمة الموتى وواجب حقـهم     عيشوا كما يقضي الجـوار كراما

     وفي قصيدة أخرى يعود شوقي إلى رثاء بطرس غالي، ويتخذ من هذا الرثاء مناسبة يدعو فيها للوئام بين الأقباط والمسلمين، ويهيب بالأقباط أن يجعلوا من الفقيد يسوعاً آخر يفدي بنفسه الناس، وهو الأمر الذي تقوم عليه عقيدتهم:

بني القبط إخوان الدهور رويدكم     هبوه يسوعاً في البرية ثانيا[25]

     ويعزيهم بأن الموت غالب، ولو لم يقتل بطرس بيد الورداني لمات فجأة أو بالمرض:

ووالله لو لم يطلق النار مطلق    عليه لأدوى فجــــأة أو تداويا
قضاء ومقدار وآجـــال أنفس     إذا هي حانت لم تؤخر ثوانيا

     ويطلب من الأقباط أن ينهضوا مع المسلمين إلى طي الخلاف والشقاق:

تعالوا عسى نطوي الجفاء وعهده
وننبــــذ أسبــــاب الشقــاق نواحيا

     ويشهد لهم أن فيهم أهل فضل، ويذكرهم أن في المسلمين من هو كذلك، ثم يدعوهم إلى حفظ عهودهم مع المسلمين، ويهيب بهم ألا يثنيهم عن ذلك مقتل غالي، فالقتل قديم في الناس:

وما زال منـــــكم أهل ود ورحمة
               وفي المسـلمين الخير مازال باقيا
فلا يثـنكم عن ذمة قتــــل بطرس
               فقدماً عرفنا القتل في الناس فاشيا

     ولشوقي قصيدة في الشاعر الموسيقي الإيطالي فردي، يشيد فيها بعبقريته الفنية في الشعر والموسيقى، ويعزي آل الفقيد، ويحرص على التأكيد على خلود أوبرا عايدة التي لحنها، مطلعها:

فتى العقــــل والنغمة العالية     مضى ومحاسنه باقية[26]

     ولشوقي قصيدة طويلة في نابليون، يثني فيها على القائد الفرنسي، ويحاول سبر أعماق التاريخ لاستخلاص دروسه وعبره، ويلومه مرة، ويلتمس له العذر مرة، ويتحدث عن تقلب الدهر وصروف الأيام، ويبث فيها حكمته، مطلعها:

قف على كنــــز ببــــاريس دفين
               من فريد في المعالي وثمين[27]

     وهكذا كان لشوقي من سعة الأفق وصحة الفهم، ماجعله ينأى عن العصبية المذمومة، ويرتاد آفاق التسامح، ويعجب بالعبقرية والنبوغ اللذين يلقاهما المرء لدى المسلم ولدى غير المسلم، بل إنه ليسعى في خطوة ذات بعد وطني وسياسي إلى التحذير من الفرقة باسم الدين، وإلى اجتماع الكلمة بين المسلمين والأقباط وهو ما رأيناه في رثائه لبطرس غالي.

-------------------------
[1] حياة شوقي، ص 84 – 85 .
[2] الديوان 2/341 .
[3] الديوان 2/344.
[4] الديوان 2/364.
[5] الديوان 2/377.
[6] الديوان 2/383.
[7] الديوان 2/386.
[8] الديوان 2/398.
[9] الديوان 2/408
[10] الديوان 2/412.
[11] الديوان 2/463.
[12] الديوان 2/503.
[13] الديوان 2/550.
[14] الديوان 2/574.
[15] الديوان 2/588.
[16] الديوان 2/350.
[17] الديوان 2/373.
[18] الديوان 2/377.
[19] الديوان 2/386.
[20] الديوان 2/441.
[21] الديوان 2/461.
[22] الديوان 2/463.
[23] الديوان 2/512.
[24] الديوان 2/543.
[25] الديوان 2/591.
[26] الديوان 2/592.
[27] الديوان 2/564.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة