الأحد، 26 سبتمبر 2021

كتاب الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ - الفصل الثاني - 03 - حافظ والموت


الفصل الثاني
(الرثاء في شعر حافظ) 

03- حافظ والموت:

     بكى حافظ نفسه قبل أن يبكيه الناس بعده، لقد كان لطبيعته الحزينة وبؤسه الحقيقي والوهمي، وخوفه من الموت ينظر إلى نفسه وهو ينظر إلى من يرثيه، ولا يرى نفسه إلا بائساً محزوناً يرتقب مصيره سريعاً.

     ففي القصيدة التي قالها في ذكرى الإمام محمد عبده عام 1922م، والتي ضمنها رثاء للأستاذ حفني ناصف، نجده يبكي نفسه قبل أن يبكي الفقيدين فيستهل قصيدته على هذا النحو المحزن:

آذنــــت شمـــس حيــــاتي بمغيـــب
               ودنـــــا المنهــــل يا نفس فطيــــبي
إن من ســـــــار إليــــــه سيـــرنـــا
               ورد الراحة من بعـــــــد اللغــــوب
قـــــد مضى حفــــني وهذا يومنـــا
               يتــــــدانى فاستثـــــــيبي وأنيــــبي
وارقـبـــــــــــيه كل يـــــــوم إنمـــا
               نحــن في قبضــــة علام الغيــــوب
اذكــــري المــــوت لدى الـنـوم ولا
               تغفـــــلي ذكــــرتـه عنـــد الهبــوب
واذكري الوحشـــة في القبــــر فـلا
               مؤنـس فيــــه سوى تقــوى القـلوب
قــدمي الخيـــــر احتسابــاً فكـــــفى
               بعـــض ما قدمت من تلك الذنـــوب
راعني فقـــــد شبـــــــابي وأنـــــــا
               لا أراع اليــــــوم من فقد مشيــــبي
حــن جنبــــــاي إلى برد الثـــــرى
               حيـــــث أنسى من عــدو وحبـــيب
مضجــــع لا يشتـــــكي صــــاحبه
               شــــــدة الدهر ولا شــــد الخطوب
لا ولا يســــــــئمه ذاك الــــــــــذي
               يسئـــم الأحيـــاء من عيش رتيـــب
قــد وقفنـــــــا ستـــة نبـــــكي على
               عـــــالم المشـــرق في يوم عصيب
وقف الخمســـة قبــــــــــلي فمضوا
               هكــــذا قبــــلي وإني عن قريـــــب
وردوا الحوض تبــــــاعاً فمضـــوا
               باتفـــــاق في منايـــــاهم عجيـــــب
أنـــا مذ بـــــــانوا وولى عهـــــدهم
               حاضر اللوعة موصول النحيب[1]

     إن المرء حيال هذه القطعة من القصيدة لا يملك إلا أن يحزن حزناً غامراً، فكيف كان حزن قائلها؟ لا ريب أنه كان حزناً عميقاً مريراً سكن قلب الشاعر حتى جعله يبدأ رثاء الفقيدين برثاء نفسه، وجعله يرى الموت قبالة عينيه كل يوم، بل جعله يشتاق إلى برد الثرى، وجعله يجد في هذا الثرى مضجعاً لا يقاسي فيه خطوب الدهر، ولعل مما زاد حزن الشاعر تلك الواقعة العحيبة التي مات فيها الستة الذين رثوا الإمام محمد عبده على التوالي، بحسب تسلسلهم في إلقاء كلماتهم على قبره، من الأول إلى السادس، فلما مات الخامس شعر أنه لم يبق إلا السادس وهو حافظ، فأخذ يرقب الموت باستمرار.

     وفي رثائه لجرجي زيدان، نجد الحزن يعقد لسانه، ونجده يرثي نفسه، ويبكي أحزانه قبل أن يرثي زيدان، يقول:

دعاني رفـــــاقي والقـوافي مريضة
               وقد عقدت هوج الخطــــوب لساني
فجئــــت وبي ما يعــلم الله من أسى
               ومن كمـــــد قـــد شــــفني وبـراني
مللـــت وقـــــوفي بيـــنكم متلهفــــاً
               على راحــــل فـارقته فشجـــــــاني
كفــــــاني ما لقيت من لوعة الأسى
               وما نــــابني يوم الإمام كفــــــــاني
تفـــرق أصحـــابي وأهلي وأخرت
               يد الله يومي فانتــــــــــظرت أواني
وما لي صديـــــق إن عثرت أقالني
               وما لي قريب إن قضيت بكاني[2]

     إن الشاعر في هذه الأبيات التي يستهل بها قصيدته، محزون جداً، عقدت لسانه الخطوب، وبراه الأسى، وتفرق أحبابه وأهله وبقي هو ينتظر يومه، بل إن الأمر ليزيد عنده مرارة، حيث يصرح – خلافاً للحقيقة – أنه ليس لديه صديق في الدنيا يعينه إذا عثر، ولا قريب يرثيه إذا مات، فكأنه بذلك يبكي نفسه مقدماً.

     وفي رثائه تولستوي رنة أسى تنبئ عن قلب مكلوم، فهو يصف نفسه بأنه ضعيف لا ناصر له، وهو ما جعله يرثي تولستوي الذي كان نصيراً للضعفاء فيقول له:

فقـــد كنت عونـــاً للضعيـــف وإنني
               ضعيف وما لي في الحياة نصير[3]

     وفي القصيدة التي قالها في رثاء عبدالحميد رمزي على لسان إبراهيم والده، نجده يخاطب الميت قائلاً:

لا تخــف من وحشة القبــــر ولا
               تبتئس إني مواف عن قريب[4]

     وفي هذا البيت الذي تقمص فيه الشاعر شخصية الأب، عبر عن نفسه، وأظهر إحساسه بدنو الأجل قريباً.

     وفي رثائه لصديقه أحمد البابلي يلمح شبح الموت الذي دب في أترابه، يقترب منه، فيقول:

بـــدأ الممـــات يـــدب في أتــرابي
               وبدأت أعرف وحشة الأحباب[5]

     وفي رثائه لأحمد حشمت باشا وهو من قصائده الأخيرة التي قالها عام 1926م أي قبل وفاته بست سنوات، نجد في القصيدة لوعة حزن صادق، ونجد إشادة بأعمال الفقيد، ونجده يبدي ضيقه بالحياة لفقد أصحابه ومن يعينه منهم خاصة، على مواجهة أعباء الحياة وفي مقدمتهم حشمت باشا، وأنه لا جاه له يحميه ولا مدد عنده يعينه، ولذلك ود لو أنه كان هو الميت الذي ينعى بدل الفقيد الذي كان يحسن إليه ويدفع عنه:

قد ضقت ذرعاً بالحيــــاة ومن     يفقــــد أحبــــته يضـــق ذرعا
وغــدوت في بـلـــد تكنـــــفني     فيـــه الشــرور ولا أرى دفعـا
كم من صديــــق لي يحـاسنني     وكـأن تحــت ثيــــــــابه أفـعى
يســعى فيخـــفي ليـــن ملمسـه     عني مســــــارب حيــة تسـعى
كم حـــاولت هـدمي معـــاولهم     وأبى الإلــــه فـزادني رفعـــــا
أصبحت فـــرداً لا ينـــاصرني     غيـــر البيــان وأصبحوا جمعا
ومنـــــاهم أن يحطموا بيــــدي     قـلـــــماً أثـــــار عليهم النقـــعا
ولـرب حـــــر عابـــه نفـــــــر     لا يصلحـــــون لنعــله شسعــا
من ذا يواسيـــــني ويكـلـــؤني     في هـــذه الدنيـــــا ومن يرعى
لا جــــــــاه يحميـــني ولا مدد     عني يــرد الكيـــد والقـذعـــــا
بـك كنت أدفــــع كل عـــــادية     وأجيــــب في الجـلى إذا أدعى
وأقيـــل عثـــرة كل مبتئـــــس     وأفي الحقــوق وأنجح المسعى
حتى نعى النــــــاعي أبا حسن     فوددت لو كنت الذي ينعى[6]

     ومن الواضح جداً في هذه القصيدة حزنه المرير على نفسه ممن يظهرون له المحبة وهم يسعون في الكيد له ويودون تحطيم مجده، خاصة أنه واحد وهم جمع، ومما يزيد مرارته أنه لا يراهم يصلحون حذاء له فضلاً أن يكونوا أنداداً، ومما يزيد فيها أيضاً شعوره بالوحشة والخذلان وفقدان الناصر والمعين، لذلك تمنى بعد كل هذه المشاعر المحزونة والإحساس الحاد بالإحباط، لو أنه كان هو الذي ينعى بدلاً من الفقيد المرثي.

     وفي القصيدة التي ألقاها في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1929م، نجده يبكي شبابه ويتحدث عن قرب رحيله، مع أن المناسبة كانت بعيدة عن ذلك، فقد كانت مناسبة تكريم:

ولى الشبــــاب وجــــازتني فتــــــــوته
               وهـــدم الســــقم بعــد الســـقم أركـــاني
وقـــد وقفــــــت على الستيـــن أســـألها
               أســـوفت أم أعــدت حــــــر أكـفـــــاني
شـــــاهدت مصـــرع أحبـابي فبشــرني
               بضجـــــعة عنــدها روحي وريحــــاني
كم من قريــــب نـــأى عني فــأوجعــني
               وكم عزيـــــز مضى قبــــلي فأبكــــاني
من كان يســـــأل عن قـــومي فـإنهـــــم
               ولــــوا سراعـــاً وخــــلوا ذلــك الواني
إني ملـــــلت وقــــــوفي كل آونـــــــــة
               أبــــكي وأنظـــم أحزانـــاً بــــأحــــزان
إذا تصفـــــحت ديـــــواني لتقـــــــرأني
               وجدت شعر المراثي نصف ديواني[7]

     ولا يخفى ما في هذه القصيدة من حزن ممض، فالشباب قد ولى، والسقم قد هد أركان الشاعر الذي يسائل الستين عن موعد منيته، ومصرع أحبابه ينبئه بضجعة قريبة يعدها بشرى وروحاً وريحاناً، وكأن المنايا صارت هي الأماني كما قال من قبل أبو الطيب.

     وفي رثاء حافظ لعلي أبي الفتوح نجد حزناً مريراً ينتاب الشاعر فهو يتحدث عن فقدانه لأحبته وحزنه بعدهم وبكائه بكاء الثاكلات، فكأنه يرثي نفسه:

درج الأحبــــــــــــــة بعــدما     تركــــوا الأسى والحــزن لي
لم يحــــــــل لي من بعـــدهم     عيـــــــش ولم أتعـــــــــــــلل
لي كل عــــــــــام وقـفـــــــة     حــــــرى عــــلى متـــــرحل
أبكي بـكــــــــاء الثــــــــاكلا     ت وأصطلي ما أصطلي[8]

     وهكذا ظل شبح الموت يطل على حافظ ليذكره بمنيته حين كان يرثي من حوله، فبكى نفسه حياً قبل أن يبكيه الآخرون ميتاً، فكأن جميع مخاوف حافظ الصحية، وشعوره – بالحق والباطل- بالظلم والبؤس والفقر، وتذكره مرارة اليتم وهو صغير، وإخفاق المسعى وهو فتى وشاب، كأن ذلك كان يستيقظ في نفسه حين يرثي الآخرين، ويلح عليه إلحاحاً شديداً في بعض الأحيان بحيث يجعله يرثي نفسه وهو حي يرزق، ويبكيها خلال بكائه من يرثيهم.

     وليس في هذا الأمر لوم على حافظ، فقد كان فيه منسجماً مع نفسه، متسقاً مع طبيعته، وكان في موقفه هذا صادقاً وواضحاً، يكشف لنا عن مكنون نفسه دون تعمل أو اصطناع، وإذا كانت مراثيه في الآخرين قد انتزعت الإعجاب بصدقها وحرارتها، فإن مراثيه في نفسه أجدر بأن تنتزع الإعجاب، وتقع موقع التأثير المحزن. لقد أجاد حافظ في فن الرثاء، سواء ما كان منه رثاء للآخرين، أو ما كان رثاء لنفسه، يقول الدكتور شوقي ضيف: ((وربما كان خير موضوع قديم أجاد فيه فن الرثاء، ومرجع ذلك إلى أنه كان يتفق ونفسه القلقة الشاكية))[9]. وإذا كانت هذه النفس القلقة الشاكية قد أجادت في رثاء الآخرين، فإنها من باب أولى قد أجادت في رثاء نفسها، الأمر الذي وجدناه فيما مر بنا من نماذج بكى فيها حافظ نفسه. بعض أوهام الإنسان مفيدة، وهي تلك التي لا تصطدم بحقائق الدين، ولا تجور على دنيا الإنسان، ومن هذه الأوهام المفيدة طموح الإنسان غير المقدور عليه لأنه يدفع به إلى العمل والتفاؤل، وأوهام حافظ أنه بائس فقير مظلوم كانت نافعة له ولنا، لأنها من أسباب تفوقه في الرثاء.

----------------
[1] ديوان حافظ إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 3، 1987م، ص 517.
[2] الديوان، ص 497.
[3] الديوان، ص 478.
[4] الديوان، ص 514.
[5] الديوان، ص 560.
[6] الديوان، ص 580.
[7] الديوان، ص 133.
[8] الديوان، ص 490.
[9] الأدب العربي المعاصر في مصر، دار المعارف، القاهرة، ط 6، 1976م، ص 53.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة