الأربعاء، 13 يوليو 2022

تواضع النبي ﷺ

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

تواضع النبي ﷺ

     جاء عدي بن حاتم الطائي إلى المدينة المنورة وهو لم يسلم بعد، وحضر مجلس الرسول ﷺ وحوله أصحابه بعد انصرافهم من إحدى الغزوات يلبسون الدروع السوابغ، فراعته هيبة الصحابة واحترامهم لنبيهم الكريم عليه الصلاة والسلام، وبينما هو كذلك جاءت امرأة فقيرة من إماء المدينة إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وقالت له: يا رسول الله!.. أريد أن أُسِرَّ لك شيئاً، فقال لها: انظري في أي سكك المدينة أخلو لكِ، ثم نهض معها ووقف طويلاً يستمع إليها ثم عاد، فلما رأى عديٌّ هذا تملكته روعة هذه النزعة الإنسانية فأسلم.

     إن عديّاً لم يكن رجلاً عادياً من الناس، فهو ابن حاتم الطائي ذي الصيت المعروف، والشهرة المدوية، وقد كان زعيماً لقومه، وهرب حين حاقت بهم الهزيمة إلى الشام، ثم عاد بعد ذلك. وهو إلى جانب هذا رجل ذو دين فلم يكن وثنياً كما كان أكثر العرب، بل كان رجلاً نصرانياً عنده علم ومعرفة، إضافة إلى مركز سياسي وقبلي مرموق.

     ومع هذا يتوقف عديٌّ متعجباً مبهوراً مأخوذاً باحترام الصحابة الشديد للرسول ﷺ. لا ريب أن منظرهم كان يبعث على الهيبة الشديدة، فهم لعودتهم القريبة من الجهاد يلبسون دروعهم السابغات، وهم حول نبيهم الكريم ﷺ كأُسْد الشرى يفدونه بالأرواح والمُهج، لكن هذا الموقف المهيب، كان ينطوي على نزعة إنسانية عميقة، في غاية الرحمة والبساطة والتواضع.

     من أجل ذلك لم تتردد الأَمَة المسكينة الفقيرة في قدومها للرسول ﷺ لتُسِرَّ إليه شيئاً خاصاً بها. لقد اقتحمت أسوار الهيبة الصادقة العميقة بنوازع الرحمة التي تعرفها أصلاً في هذا الدين، وخُلقاً كريماً في نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، لذلك لم ترجع إذ شاهدت الرجال ودروعهم السوابغ، ولم ترجع للموقف المهيب الذي شهده عديٌّ، بل اقتحمت ذلك كله، فقد ارتقى الإسلام بإنسانيتها، وعلّمها أن لها حقاً، وعلّمها أن بوسعها الوصول إلى أعظم رجل في الإسلام، بل في الدنيا كلها، وهو رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام.

     ينبغي ألا تفوتنا الدلالة الضخمة في حادثة هذه المرأة المسكينة، على عمق شعورها بإنسانيتها وكرامتها، وحقوقها المحفوظة، ومسؤولية الحاكم إزاء ذلك كله.

     إن ذلك بدون ريب بعض عطاء الموجة التحررية الكبرى التي بثها الإسلام في نفوس الناس، ورفعهم إلى آفاقها المنيفة، الكريمة الشماء، فاستشعروا بها عظم مكانتهم والمنزلة التي يستحقون، أما ما فعله رسول الله ﷺ مع هذه المخلوقة المسكينة فهو الأمر العادي المتوقع الذي يليق به، والذي ينسجم مع إعداد الله تعالى له ليكون القدوة الخالدة إلى يوم الدين.

     إنه النزوع إلى تكريم الإنسان، والارتفاع به إلى أعلى الذرى، وشد بصره دائماً نحو مكانته حتى لا يفرط فيها، فإنما تضيع الحقوق من التفريط بها، ولولا العبيد ما كان السادة، ولولا الأذلاء الجبناء ما كان الطغاة والمتجبرون، والطغاة لا يولدون طغاة، إنما يصنعهم ضعف النعاج.

     ولمّا كان الإسلام يريد العلو لأبنائه والكرامة لهم؛ أوقد في نفوسهم مشاعر الأحرار والرجال، لأن تكاليفه لا يمكن أن تنهض بها الظهور التي اعتادت على الانحناء بين أيدي الفاجرين والظالمين، وإنما تنهض بها الوجوه الكريمة التي ما اعتادت أن تعرف السجود والركوع إلّا بين يدي خالقها، أما ما سوى ذلك فبشر مخلوق من تراب، وصائر إلى تراب.

     لما فتح رسول الله ﷺ مكة المكرمة بعد جهاد قرابة ربع قرن، ووقف موقف المنتصر ممن حاربه وكذب عليه وظلمه، تذكر دعوته ومبادئها التي يقف بها اليوم غالباً ظافراً كما وقف بها من قبل مستخفياً مطارداً، وأعلن هذه المبادئ التي طالما نادى بها من قبل انتصاره النهائي، فوقف على باب الكعبة وقريش ذات الكبرياء والعنجهية، والفوارق الاجتماعية الظالمة تسمعه إذ يقول: "يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خُلِق من تراب"، ثم تلا قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13). وبهذا الإعلان الضخم الكبير، استقرت كرامة الإنسان، وعُرفت منزلته، وأُعلِنت حقوقه، وتأصلت فكرة تكريمه وتقديمه، ورعايته واحترامه، أصلاً ضخماً راشداً من أصول هذا الدين.

*****

الثلاثاء، 12 يوليو 2022

عدل النبي ﷺ.. عدالة الإسلام

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

عدل النبي ﷺ.. عدالة الإسلام

     سرقت امرأة من بني مخزوم في عهد النبي ﷺ وجيء بها إليه لتُعَاقَب، فأهمَّ ذلك قريشاً وقالوا: من يشفع لنا عند رسول الله ﷺ في إسقاط الحد عنها؟ ثم تذكروا أن أسامة بن زيد حبيبٌ إلى قلب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فكلموه في أن يشفع لها عنده، فكلمه بذلك، فغضب الرسول الكريم ﷺ غضباً شديداً، وقال لأسامة: أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! ثم قام في الناس خطيباً فقال: "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، (متفق عليه)، ثم قُطِعت يد المرأة المخزومية.

     إنه خبر مشهور هذا الذي قدمتُه، ولعلنا جميعاً نعرف حكايته منذ زمن غير قصير، لكنه يستحق وقفة فيها الأناة لاستجلاء بعض أبعاده ومراميه، والدلالات والمعاني التي اعتدنا أن نتوقف لديها في حديثنا هذا.

     إنه ما يغيب عنا بادئ ذي بدء إحساس قريش بخطورة ما فعلت المخزومية، فلقد سرقت، وللسرقة حدٌّ واضح، ولا بد إذن أن ينالها العقاب، والرسول الكريم ﷺ سيطبق عليه الحد الشرعي أياً كانت. هذا المعنى الذي استشعرته قريش يدل على إدراكٍ منها بطبيعة المجتمع الجديد الذي أقامه الرسول الكريم ﷺ، وأن العدالة فيه آخذة مجراها، مطبَّقة على جميع أفراده سواءً بسواء، ولذلك تهيّبت الأمر، وتحركت فيها بعض رواسب الجاهلية، فأخذت تسعى لتنجو المرأة المذنبة من العقاب.

     ونحن نعرف أن بني مخزوم كانوا في الجاهلية ريحانة قريش، وكانوا أهل الحرب فيها، وحسبك أن تعلم أن خالد بن الوليد ينتمي إليها، لذلك كان لمخزوم شرفٌ باذخ وسمعةٌ كبيرة، وهذا هو الذي دفع قريشاً إلى ما حاولت القيام به بشأن المرأة المخزومية السارقة.

     وإنه من الإنصاف أن نقرر بأن قريشاً وإن حاولت ما حاولت مدفوعةً ببعض بقايا النعرة الجاهلية فيها، إلا أنها كانت تعرف الجريمة وعقابها، وكانت تعرف حرص الرسول الكريم ﷺ على تطبيق الحد، لكنَّ آمالها ظلت تخادعها، حتى جاءت إلى أسامة بن زيد ليكلم رسول الله ﷺ في الأمر.

     وتكلم أسامة في الأمر، وكان ذلك غلطاً منه، لكنه غلطٌ كان لنا نافعاً مفيداً لأنه أدّى إلى غضبة الرسول الكريم ﷺ، تلك التي جعلته يقول لأسامة ما يقول، ثم يقف خطيباً ليقرر قاعدة ضخمة من قواعد العدالة والمساواة في الإسلام.

     لقد بيّن لأسامة خطورة فعله إذ يحاول إيقاف حدٍّ من حدود الله عن أن يُنفَّذ، وبدا عليه الغضب الشديد، وقال لأسامة: أتشفع في حدٍّ من حدود الله!؟ ثم وقف خطيباً ليقول كلمته المشرقة، التي تنضح بالصدق والإخلاص، ومعاني العدل والتساوي، والحرص على تطبيق حدود الله على الجميع.

     بيَّن رسول الله ﷺ للمسلمين خطورة ما حاولت قريش أن تفعله لأنه ينتهك أمر الله تعالى، ومثل هذا الانتهاك كفيلٌ بإحداث الدمار والهلاك، وهذا قد حدث من قبل حين كانت الحدود تطبق على بعض الناس دون بعضهم الآخر، ثم ختم كلمته بهذه العبارة العظيمة التي تدل على شدة اتباعه ﷺ لأمر الله تعالى، والتزامه بحدوده، وتحرّيه الحق والعمل على إنفاذه فقال: "وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

     ولقد كان كافياً أن يضرب رسول الله ﷺ المثل بأي إنسان ليصل إلى ما يريد إقراره في ضمائر المسلمين وأخلادهم، لكنه اختار فاطمة الزهراء رضي الله عنها ليضرب بها المثل. وفي هذا الاختيار دقة وروعة، وجمال وعظمة، ودلالة على عزم شديد، وهمة قوية بالغة، ذلك أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها هي بنته ﷺ، وهي ابنته الوحيدة التي عاش له منها أحفاد، وهي صغرى بناته الطاهرات، ولكن على الرغم من ذلك كلّه، وعلى الرغم مما تضفيه هذه الصلة بين الوالد والبنت من حنانٍ ورحمة، ورقةٍ ومحبة، وودٍّ ووفاء على العلاقة بينهما، اختار رسول الله ﷺ أن يضرب بها المثل على الرغم من كل ذلك، لتكون فيه النقلة أبعد، والارتفاع أكبر، والبون شاسعاً رحيباً بين ما أراده القرشيون أن يحدث، وبين ما قام بإنفاذه الرسول الكريم ﷺ.

     إن هذه الحادثة الفريدة بملابساتها المختلفة، وتفصيلاتها المثيرة، تضع أيدينا على أحد أسرار عظمة هذا الإسلام، وانتصاره وتمكنه من القلوب.

     إن له أنظمة وشرائع لا يتيح لأحد أن يتجاوزها قط، وهو لا يعرف المحاباة والمجاملة في الحق قط، لأن النزعة الإنسانية التي وضعها الله تعالى فيه وأرساها في أعماقه؛ تقتضي العدالة، وتستلزم المساواة، وتضع الجميع على قدم واحدة أمام شريعة الله تعالى دون تفاضل أو تمايز.

*****

حكمة رسول الله ﷺ.. ودلالات غزوة حمراء الأسد

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

حكمة رسول الله ﷺ .. ودلالات غزوة حمراء الأسد

     كان رسول الله ﷺ المثل الأعلى في كل الفضائل والمكرمات، وكان القدوة الكاملة في كل شيء، فقد أعدّه الله عز وجل، ليكون الأسوة التي يحتذيها المسلمون حتى يرث الأرض ومَنْ عليها، من أجل ذلك تجد عظَمته ﷺ في الحرب والسلم، والعبادة والقيادة، والحل والترحال، والمطعم والملبس، وشؤون الأسرة جميعاً، وتدبير أمور الدنيا، والقيام بأمور الدين.

     وإذا كنت تجد بعض الأنبياء الكرام لم يمارسوا بعض جوانب الحياة، كالمسيح عليه الصلاة والسلام، الذي لم يحارب ولم يتزوج مثلاً، مما يجعلهم قدوة كريمة لكنها غير كاملة، فإن الرسول الكريم محمداً ﷺ قد مارس جوانب الحياة جميعاً مما يجعله القدوة الكريمة الكاملة في كل شيء.

     وربما احتار المرء وهو يريد أن يختار جانباً من جوانب عظمته ﷺ قدوة كاملة مثلى، نظراً لسعة جوانبها، وكثرة شواهدها، وعظمة مواقفها، لكنه في النهاية سيعود بمحصول وفير أياً كان الجانب الذي يختاره.

     وسنتوقف هاهنا قليلاً عند جانب من جوانب عظمته، وهو جانب زعامته للمسلمين قائداً ورجلَ دولة. فقد أثبت ﷺ في هذا الميدان، كما في غيره من الميادين، تفوقه الكامل الذي يجعله قدوة كاملة، ليس لها نظير قط، حيث ظهرت قدرته على التصرف السريع، وحل المشكلات الخطيرة الطارئة، ونجاحه الرائع في حل المعضلات بحزم وتدبير وإحكام، وتخطيط ذكي بعيد. إن ذلك يظهر في مواقف كثيرة جداً، منها موقفه في أعقاب غزوة أُحُد.

     لقد خسر المسلمون معركة أُحُد، وترتب على ذلك عدد من الأمور الخطيرة جداً وهي:

1. طمعت القبائل العربية بالمسلمين.
2. ضعفت روح المسلمين المعنوية.
3. سقطت هيبتهم العسكرية التي ارتفعت يوم بدر.
4. تنفس اليهود والمنافقون الصعداء، وأخذوا يتربّصون الشر بالمسلمين.

5. قام احتمال بأن تعود قريش إلى المدينة المنورة لتستثمر نصرها الجزئي الذي أحرزته في أُحُد، وتستأصل المسلمين نهائياً باعتبار الفرصة قد سنحت لها.

     فلننظر الآن كيف فعل رسول الله ﷺ لتدارك الأمر وإنقاذ الموقف. إنه ما كاد يصل إلى المدينة المنورة، حتى أمر المسلمين الذين كانوا معه يوم أُحُد أن يخرجوا في اليوم التالي لمعركة أُحُد مباشرة، لملاحقة قريش، على الرغم مما بالمسلمين من إعياء وجراحات. وخرج الرسول الكريم ﷺ بالمسلمين، متتبعاً آثار المشركين الذين ما كادوا يسمعون بهذا التحرك غير المتوقع، حتى خافوا، إذ إنّهم قدّروا أن المسلمين قد جاؤوا للثأر منهم، والانتقام لما جرى بالأمس عند أُحُد، وأنه قد لحق بهم من تخلَّف يوم المعركة عنهم. لذلك هربوا مسرعين، بعد أن كانوا يفكّرون بالرجوع إلى المدينة المنورة لاستئصال المسلمين. وهذه الغزوة هي غزوة حمراء الأسد التي لم يقع فيها حرب، لكن هذه العملية الجريئة، غسلت آثار هزيمة أُحُد كلها، وبشكل حاسم وسريع جداً.

     وترتب على غزوة حمراء الأسد، أن ارتفعت الروح المعنوية عند المسلمين، وزال طمع القبائل بهم، وعادت هيبتهم العسكرية ترتفع، وعدل المشركون عن فكرة العودة إلى المدينة المنورة لاستئصال المسلمين، بل سارعوا للهرب، وعاد الرعب يسيطر على المنافقين واليهود في المدينة المنورة، وانكمشوا على أنفسهم خائفين.

     ولقد تحققت هذه المكاسب الكبيرة، من خلال عملية حكيمة واحدة، قام بها المصطفى ﷺ وبدا فيها بوضوح أنه قائد سياسي ورجل دولة ليس له مثيل قط.

     إن الهزيمة النفسية هي أخطر ما تصاب به الأمم والجماعات، والهزيمة العسكرية أهون منها بكثير، لذلك يحاول الأعداء الأذكياء إحلال الهزيمة النفسية بخصومهم بعد الهزيمة العسكرية، لأن النهوض من الهزيمة العسكرية مهما فدحت أمر ممكن جداً حين توجد الإرادة الفاعلة، أما الهزيمة النفسيّة فإنها تشل قوى المصابين بها، بجبال من الوهم، وتقعد بطاقاتهم بكوابح من الرعب، وتقتل روح التحرك فيهم بكثرة الخوف والتوجس والظنون والحسابات. فإذا بهم خُشُب مسنّدة، يحسبون كل صيحة عليهم.

     وما من ريب في أن غزوة حمراء الأسد، سدّت كل مدخل يمكن أن تتسلل منه احتمالات الهزيمة النفسية، فحمت المسلمين بذلك من التدهور إلى قاعها المدمر، ثم نقلتهم نقلة أخرى، جعلتهم في موقف القوي، ذي العزم الأبي، والروح الحية المتدفقة، إذ خرجوا يطاردون خصمهم ويضطرونه إلى الفرار، وهو بالأمس قد أوقع بهم الهزيمة.

     إن حمراء الأسد غنية بالدلالات والعبر، وهي تدل على عظمة الرسول الكريم ﷺ زعيماً سياسياً، وقائد دولة وجيش، وإنه يجدر بكل من يتوقف عند أُحُد ألا يهمل الحديث عنها قط؛ لأن في ذكرها إكمالَ العرض التاريخي، وإتمامَ استجلاء عبره ودروسه.

*****

المجتمع الإسلامي الأول

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

المجتمع الإسلامي الأول

     كان المجتمع الإسلامي الأول الذي صاغه رسول الله ﷺ؛ مجتمعاً شديد التفوق، سامق الذرى، لم تتم صياغته بين يوم وآخر، ولا في خلال سنة وأخرى، بل تم عبر أيام طويلة دامت قرابة ربع قرن من الزمن، ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرمة كانت الدعوة الإسلامية خلالها على محك الشدة والمحنة والبلاء، وعشرة أعوام أخرى في المدينة المنورة كانت الدعوة فيها قد دخلت عهد الدولة، وكانت في جهاد لا يفتر، وحركة وكفاح، وتحديات شديدة الخطورة.

     وعلى مدى هذا الزمن الذي امتد حوالي ربع قرن، كانت عملية صياغة المجتمع المسلم المتفوق تتم من خلال العناء والمتاعب، والصعاب والتضحيات، والتمحيص المتوالي، والشدائد التي كان بعضها يأخذ برقاب بعض، والمعارك العسكرية، والمعارك النفسية. من خلال ذلك كانت تتم التزكية النفسية، والتمحُّض للحق، والنجاة من أدران النفس وأهوائها، والصدق التام مع الله عز وجل. ولا ريب أن ذلك المجتمع كان مجتمعاً متفوقاً على جميع المجتمعات البشرية في القديم والحديث. ترى أين كان يكمن هذا التفوق؟

     إن هذا التفوق كان تفوقاً روحياً بالدرجة الأولى، يأتي بعده التفوق الاجتماعي والأخلاقي، وهو كله ثمرة للعقيدة، ولم يكن تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً أو مادياً، فقد كان أعداء الإسلام أكثر عدداً وأقوى عدة، وأوفر مالاً وموارد، وهذه الظاهرة صحّت على أيام ما بَعْدَ الرسول الكريم ﷺ كما صحّت على أيامه. ففي زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك، كان التفوق الروحي للمسلمين، وكان التفوق المادي لأعدائهم.

     وبهذا التفوق الروحي الساحق الذي أحرزه الإسلام على الجاهلية، اجتاح موكبه جزيرة العرب كلها، فدمّر جاهليتها، ثم طفق يجتاح أكبر جاهليتين يومذاك في العالم، ويتجاوزهما إلى اجتياح جاهليات أخرى، حتى ركز ألويته على مشارف الصين شرقاً وجبال الأندلس غرباً، ولولا هذا التفوق الروحي الساحق، ما وقعت تلك الخارقة العجيبة، خارقة ذلك الاجتياح التي لم يعرف لها نظير لا في القديم ولا في الحديث، ولا حتى في الاكتساحات العسكرية المشهورة كزحف الإسكندر، وزحف التتار، والزحف الهتلري، وغير ذلك من الزحوف المشهورة، ذلك أن الفتح الإسلامي لم يكن عملاً عسكرياً فحسب، بل كان اكتساح عقيدة وثقافة، ومدنية وحضارة، كان اكتساحاً في القيم والمثل، والموازين والمقاييس، والعادات والأنظمة. وهذا هو السر في خلوده وبقائه، بينما انحسرت الموجات غير الإسلامية وتآكلت، بل ربما أدى بها الأمر في النهاية إلى الانضواء تحت مظلة حضارات وعقائد غلبتها مادياً، كما حدث للتتار الذين هزموا المسلمين، لكن عقيدة الإسلام ما لبثت أن غلبتهم فإذا بهم يسلمون.

     لقد كان ذلك الاجتياح الإسلامي الذي اكتسح الأمم الأخرى، مظهراً من مظاهر التفوق الروحي الساحق للمسلمين ونتيجة له. وإذا كان انتصار المسلمين ينهض دليلاً يشهد بفكرة التفوق الروحي ونتائجه؛ فإن انهزام المسلمين ينهض هو الآخر دليلاً على صحة الفكرة نفسها، ذلك أن المسلمين هُزموا في معارك كثيرة كانوا فيها أقوى من العدو، عدداً وعدة، لأنهم كانوا مهزومين في داخل نفوسهم، فكانوا في حالة من الضعف الروحي بدل التفوق.

     كان التفوق الروحي للمسلمين تفوقاً إنسانياً كاملاً، بمعنى أن خصائص الإنسان المسلم التي يمتاز بها عن كل مخلوق آخر، أرقى وأعظم من خصائص الإنسان غير المسلم، لذلك كان هذا التفوق، ميلاد إنسان جديد يختلف عمّا ألفته البشرية وعرفته في أحقابها المختلفة، إذ كان من التميز والاستقلال، والتفرد والأصالة، والترفع عن الدنايا والسفاسف والصغائر، واستشراف آفاق النبل والنفع والحق والصدق وما إلى ذلك من مكرمات بحيث ليس له نظير أو شبيه، فكان أن صبغ هذا الإنسانُ الجديد، كل البلاد التي غمرها زحفه الميمون بصبغته، وترك عليها ميسمه الخاص، وطابعه الذاتي، وعلامته المسجلة التي لا يخطئ أن يراها كل من عرف تصور هذا الدين ونظرته العامة للكون والحياة والإنسان.

     وبسبب تفوقه الروحي الضخم؛ اقتلع المسلم في زحفه المبارك حضارات عريقة جداً في البلدان التي اقتحمها، حضارة الفراعنة والأقباط في مصر، والآشوريين والبابليين والساسانيين في العراق، والفينيقيين والسريان والروم في الشام، لأنه أعمق جذوراً في الفطرة البشرية، وأصدق في إقامة مجتمع العدل، وإقرار الحق والمساواة، ولأنه كان إلى جانب ذلك، تحمله تلك النماذج البشرية العملاقة التي لا مثيل لها قط، والتي امتلكت ذلك التفوق الروحي الساحق.

     ولكنْ؛ هل نريد من ذلك أن نقلل من شأن الإعداد المادي وننتقص منه؟ لا، يأبى علينا ذلك ديننا الذي يقول لنا آمراً "وَأَعِدُّوا"، والذي يريد منا أن نكون المتفوقين، على جميع الناس في كل الميادين. ولكننا نريد أن نؤكد أننا نحن -المسلمين- مفتاح تفوقنا في كل شيء هو التفوق الروحي، فحين تتحرر الروح وتسمو، وتكون في إطار الصحة والإيجابية كما يريدها الإسلام، تأتي جميع مناحي التفوق الأخرى تبعاً لذلك من عمران واقتصاد وانتصار. وإذن فلتكن هذه بداية طريقنا، ونحن أمة تصحو وتحاول أن تتلمس معالم الطريق، حتى لا تظل تضرب في التيه، وتعدو وراء السراب والأوهام.

*****

بداية الدعوة إلى الإسلام

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

بداية الدعوة إلى الإسلام

     ذات يوم من أيام القرن السابع الميلادي، وقف رجل تجاوز الأربعين بقليل، يحذر قومه وينذرهم، على قمة جبل صغير أجرد، في قرية منعزلة، منقطعة عن الدول الغالبة المتحضّرة يومذاك، بعيدة عن الإحاطة بأخبار السياسة العالمية، فضلاً عن التأثير في مجتمعاتها ومجرى الأمور فيها، ولم يكن الرجل مجهولاً في قومه، بل كان يتمتع بسمعة ممتازة، وسيرة عاطرة، لذلك ما إنْ سمعه الناس يومذاك يهتف بالذي يهتف به، بما يدل على احتمالات الخطر الوشيك والغزو المعادي الذي اقتربت طلائع المغيرين فيه، حتى سارعوا خفافاً إليه، يستطلعون منه الحقيقة، وقد ساورتهم المخاوف والظنون.

     وبالفعل وقف الرجل الكريم ذو السيرة العطرة، والسمعة الممتازة، والخُلق الشريف يحذر قومه وينذرهم، ويبصّرهم بخطر ضخم كبير، لكنَّ هذا الخطر لم يكن أنَّ ثمة خيلاً وراء الوادي توشك أن تحيط بهم، ولا أنَّ جيشاً كبيراً يكاد يقتحم ديارهم ويستأصل شأفتهم، كان الأمر أخطر من ذلك وأفتك، إنهم في ضلال كبير، وإنهم في الكفر غارقون، وإن الرجل الأمين الذي وقف يهتف بهم محذِّراً، قد أرسله رب العالمين ليخرج قومه من الظلمات إلى النور، وقد مضت على إرساله ثلاث سنوات، كان الرجل الأمين محمد بن عبد الله ﷺ خلالها يدعو سراً إلى الإسلام الذي بُعِث به، لكنه الآن قد أُمِرَ أن يصدع بالدعوة علانية، وها هو قد فعل، وها هي صيحته تتردد أصداؤها على جبل الصفا بمكة المكرمة.

     ومنذ ذلك اليوم السعيد الذي كان في بداية العقد الثاني من القرن السابع الميلادي، لم تمُتْ تلك الصيحة الإسلامية التي بدأ عهدها العلني بموقف الرسول الكريم ﷺ ذلك، فقد طفقت تنمو حتى تكاملت تماماً بعد عشر سنوات من الزمان، ظل فيها أمر الإسلام في نماء، حتى تُوِّجَ بالدولة التي قامت في المدينة المنورة عقب الهجرة الشريفة، وكانت تلك الدولة النموذج الأول للدولة التي تقوم على الفكرة فحسب، وقد قام عليها الرسول الكريم ﷺ قائداً وحاكماً وإماماً، مدى عشرة أعوام، هي عمره الشريف بالمدينة المنورة، لحِق في نهايته بالرفيق الأعلى، بعد أن أتمّ الله عز وجل على المسلمين النعمة، وأكمل لهم الدين، ورضي لهم الإسلام ديناً، وبعد أن أدّى الرسول الكريم ﷺ الأمانة، وبلّغ الرسالة، ووضع الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

     ودارت الأيام، وتعاقبت السنون والقرون، وحقق المسلمون انتصارات هائلة أحلى من العسل، وهُزِموا هزائم هائلة أمرَّ من الحنظل، لو هُزِمَ غيرهم بمثلها أو مثل بعضها لصاروا أثراً بعد عين، وخبراً يرويه السمّار للعظة والتسلية والذكرى. لكنّ الصيحة الإسلامية الزهراء، تلك التي بدأها الرسول الكريم ﷺ يومذاك، لم تزل تمارس دورها في الهداية والإسعاد والإنقاذ على الرغم من كل الظروف المختلفة التي كانت تحل بالمسلمين بين نصر وهزيمة، وامتداد وانحسار، ولا تزال حتى ساعتنا هذه، وحتى يرث الله الأرض ومَنْ عليها تؤدي دورها الجليل ذاك.

     أما دور هذه الصيحة المسلمة فهو بيّنٌ جليٌّ، وأما معانيها ودلالاتها وأبعادها ومضامينها، فهي من الكثرة والغنى والتنوّع بحيث ظلّت البشرية -وستظل- تجد فيها في كل حين، خيراً عميماً، ونوراً ساطعاً، وهداية لا ساحل لبحرها الواسع العميق.

     لقد كانت هذه الصيحة وما تزال، إهابةً بالفطرة أن تتحرك فتجعل الإنسان يعبد الله وحده، وتطالبه نفسه السامية ألا يقتنع بغير رضوان الله تعالى، ويدفعه طموح المؤمن إلى أن تكون الجنة غاية غاياته، ويقتضي شرفه وكرامته أن يجاهد في هذا السبيل، ويبذل ما عنده من مواهب ومكاسب، وعقل ومال، وذكاء وإمكانات، من أجل هدفه الكبير ذاك.

     لقد كان من معاني هذه الصيحة -ولا يزال- أن على الإنسان أن يتحرر من كل أنواع العبوديات، ولن يتم له ذلك إلا بإخلاص العبودية لله عز وجل، ففيها وحدها النجاة من التعبد للضلال والهوى، والجبال والأنهار، والأشجار والأوثان، والأنصاب والأزلام، ماديةً كانت أم معنوية، ومن كل ما يطمعه فيخطف بصره، أو يرهبه فيخيفه، أو ينتقص من منزلته مخلوقاً أكرمه الله وزكّاه.

     لقد كان من معاني تلك الصيحة -وما يزال- أن مَثَلَ أي إنسان كمثل أي إنسان آخر؛ ما كان ثمة التزام لمنهج الله تعالى في الأرض، طاعة لأمره، واجتناباً لنهيه، وفي هذا من الإكرام للإنسان ما يسمو به ويعلو، فيشعر بكرامته واستعلائه، فرأسه الشريف، وجبهته الشمّاء، وقد اعتادتا على السجود لرب العزة فحسب، ليس لهما أن يعرفا مهانة الانحناء بين يدي أي مخلوق، كائناً من كان، فوقوفهما تعبّداً بين يدي الخالق؛ نجّاهما من الوقوف المهين، والذل المخزي، والطمع والهلع، والملق والرياء، بين يدي المخلوق.

     وما أروع ذلك!.. وما أحسنه وما أنفسه!.. من إكرامٍ لهذا المخلوق، لم يتحقق قط إلا في ظلال تلك الصيحة الإسلامية الزهراء على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

*****

ولادة الرسول.. ولادة أمة وحضارة

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

ولادة الرسول.. ولادة أمة وحضارة

     كانت ولادته ﷺ في أواخر القرن السادس الميلادي، وكانت بعثته الشريفة في أوائل القرن السابع. بُعِثَ محمد بن عبد الله ﷺ في مكة المكرمة، فأَرْسَلَ بإذن ربّه وأَمْرِه صيحةً خالدةً زهراء، كلها هدى ونور، صيحة معطرة بالطيب، مضمّخة بالشذا، هتف بها على جبل الصفا بمكة المكرمة، فإذا بها تشرّق وتغرّب، وتدوّي بها الدنيا، تناقلتها الجبال، وهتفت بها السهول، وحملتها الصحراء على رمالها، والبحار والمحيطات على أثباجها.

     لقد كانت "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" خلاصة الدعوة الجديدة، وشعار الصيحة الزهراء التي أُعلِنت أول ما أُعلِنت على جبل الصفا بمكة المكرمة، وهذا الشعار قليل الكلمات، شديد الإيجاز، معدود الحروف، لكنه كان يحمل في ثناياه وأبعاده ومراميه، عالماً عجيباً خصيباً، متنوعاً غنياً، من الحقائق والمبادئ، والأفكار والمفاهيم، والمُثُل والقيم، كلها تُعلي من شأن الفرد، وكلها ترفع من مكانته، ذلك أنها تنظر إليه على أنه خليفة الله تعالى على أرضه، وتحقق له درب السعادتين، سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وترسم له الطريق الواضحة البيّنة لذلك، أبين من الشمس في رابعة النهار، معالمها واضحة، وخصائصها جلية، وسماتها ناصعة.

     لقد كان من معاني تلك الصيحة الزهراء وما زال، أن الإنسان هو أثمن عناصر الوجود، وأنفسها على الإطلاق دون استثناء، وهذا الإنسان الذي يحتل من عناية السماء والأنبياء؛ هذه المنزلة العظيمة الرائعة.. ليس ذرةً في الكون تائهة، ولا فلتةً في الحياة عابرة، ولا مجرَّد صُدْفَةٍ ليس لها مكانها المحدد ودورها المرسوم، ولا صَدَفَةً تافهةً على شاطئ الحياة، لا قيمة لها ولا مقدار، سواءً من حيث المنبت والمنشأ، وسواءً من حيث المهمة والغاية، وسواءً من حيث المآل والمصير.

     ففي التصوّر الإسلامي أنه ليس هناك شيء قط في هذا الكون الضخم الواسع؛ اسمه الصُّدفة، بل كل شيء بقدر وميزان، وعناية وتدبير، وضبط وإحكام، وأن الحياة ليست لهواً ولا عبثاً، بل ثمة تكليف ومسؤولية، ورسالة وبلاغ، ومهمة وأمانة، وثمة من بعدُ جزاء وحساب، ثم مآلٌ أخير في جنة أو نار.

     ولقد كان مما فعلته تلك الصيحة وما تزال، هو إحداث نُقْلَةٍ ضخمة في حياة الناس، سدّدت إلى الشرور بأنواعها هزيمة مريرة، فما من ريب في أن أسس الحياة الجاهلية، وأعمدة الجور والبغي والعدوان، ودعائم الإثم والخطيئة والغرور، ودنيا المفاسد والشرور، لم تتزلزل بشيء قط، كما تزلزلت بتلكم الصيحة الخالدة الزهراء التي هتف بها الرسول الكريم ﷺ، وهو وحيد منفرد، مجرد من القوى المادية، ينذر قومه على جبل الصفا بمكة المكرمة.

     لقد أحلّت هذه الصيحة الخالدة الغرّاء، بصنوف الشرور جميعاً هزيمة منكرة، وضربتها ضربة موجعة أصابت كبد إبليس، فظل ينزف دماً، وصديد كلوم عميقة غائرة وما يزال.

     لقد كان من معاني تلكم الصيحة الطاهرة الربانية، العظيمة الخالدة أن الحياة ليست أَجَمَةً برية موحشة، ولا غابة ليس لها قانون ونظام، ولا ساحة مهملة، يصطرع فيها الناس ويقتتلون، ويعدو فيها القوي على الضعيف، والكبير على الصغير، والقادر على العاجز، تُرِكَتْ هكذا من بعد أن خُلِقَتْ، بل حديقة منسّقة، كل شيء فيها بعناية وترتيب، وغرستها عناية الله عز وجل، وقدرته الطليقة من كل قيد، وتعهّدت تهذيبها وإصلاحها بالفطر الكريمة الخيّرة، والرسالات الهادية النيّرة، وجعلت الإنسان ريحانتها الطاهرة النفيسة، وكرّمته غاية التكريم.

     ورحمة الله عز وجل، أعظم وأكرم وأوسع من أن تترك هذه الريحانة، تذبل وتصوّح، وتدوسها الأقدام، وتعدو عليها الوحوش، وتخطفها الطيور، وتهوي بها الريح في مكان سحيق، وتستبد به الحيرة والضلال. لذلك كانت العناية الإلهية تتعهد هذه الريحانة، وتمدها بالعون، وتقدم لها الغوث والرحمة والهداية، وتأخذ بها إلى سواء السبيل، فتأتي رسالات السماء، يتنزّل بها الوحي الأمين، لتقودها إلى درب سعادتيها في الدنيا والآخرة.

     لقد كان من عطاء تلكم الصيحة الزهراء، الوضيئة المتألقة، التي هتف بها على جبل الصفا بمكة المكرمة، محمد بن عبد الله ﷺ، وهداياها الكثيرة الكبيرة أنْ بدأت إرهاصات حضارة عملاقة ضخمة، يبنيها المسلمون، هي أكرم وأنبل وأشرف من حيث الغايات، ومن حيث الوسائل، ومن حيث الخصائص والسمات، وعلى مستوى المبادئ النظرية، وعلى مستوى التطبيق العملي، من كل حضارة أخرى شهدها الإنسان، منذ كان كونٌ، ومنذ كانت حياة.

     ولم يمر وقت طويل عقب تلكم الصيحة ال   ربانية، الوضيئة الزهراء، حتى كانت الحضارة الإسلامية، عَبْرَ أربع خلافات مسلمة كريمة: الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، تثبت وجودها الفعال في دمشق وبغداد، وقرطبة والقاهرة، والمغرب والأندلس، والهند والقسطنطينية، وغيرها من حواضر الإسلام المجيدة.

*****

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (5)

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (5)

     في قرية صغيرة منعزلة، تقع في وادٍ غير ذي زرع، بعيدة عن مراكز الثقل السياسي والاقتصادي العالمي، ماؤها نزر قليل، وأراضيها سلسلة من الجبال المتداخلة الصمّاء، والوديان الصخرية الجرداء، لا يكاد يُرى فيها طائر ولا شجرة، تمر أحداث العالم بمعزل عنها، ويتصارع الأقوياء والأغنياء والمسيطرون، دون أن يشعروا بها، فضلاً عن أن يهتموا بها، وفضلاً عن أن يحسبوا لها حساباً.. وُلِدَ طفلٌ يتيم.

     لا بد أن كثيرين سواه ولدوا في يومه وعامه هنا وهناك. ونشأ هذا الطفل في قريته، وشبَّ هادئاً أميلَ للصمت والعزلة، وعاش فقيراً يسعى لكسب قوته، حتى عمل راعياً للغنم التي يملكها الآخرون من أجل ذلك.

     وحين بلغ الأربعين من عمره، غيّر موقفه من المجتمع الذي يعيش فيه، فطفق يخاطبه يريد إصلاحه، بل وإصلاح الناس جميعاً، والبشرية كلها. وسار في طريقه والصعوبات تلاقيه من كل مكان، والعدو كثير، والناصر قليل، ولكنه نجح أعظم النجاح، وما مات حتى دان مجتمعه له، ودانت له أمة عرفت بالتمرد الشموس، والكبرياء التي ليس لها حد، وواصل مَنْ خَلَفَهُ من بعدِه مسيرته، حتى امتدت دعوته إلى أطراف الدنيا جميعها.

     لا ريب أن ذلك موضع عجب لا ينتهي، ودهشة لا حد لها، لكنه بالرغم من ذلك العجب وتلك الدهشة حقيقة واقعة، ولولا أنَّ هذه الحقيقة نعيشها كل حين لأباها الناس أشد الإباء، ورفضوها أشد الرفض، وقالوا: إن ما تتحدثون عنه وهم من الأوهام، وخيالات لا رصيد لها من الواقع.

     أما القرية فهي مكة المكرمة، وأما اليتيم فهو محمد بن عبد الله ﷺ الذي أكرمه الله عز وجل أيّما إكرام، فبعثه لمّا بلغ من عمره الأربعين ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وليصلح بالإسلام الذي بعث به، الناس جميعاً، ولا عشيرته وأهله الأدنين فحسب.

     لا غرابة إذن أن يكون هذا الميلاد المبارك، لذلك الولد اليتيم، في الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام (53) قبل الهجرة، الموافق للعاشر من شهر آب عام (570) للميلاد، بداية عهد جديد في تاريخ العرب وتاريخ الإنسان.

     فما كاد يمضي على ذلك الميلاد المبارك بضع وستون عاماً من عمر الزمان، حتى انطلقت مواكب الصحابة الكرام، تلاميذ ذلك المولود العظيم عليه الصلاة والسلام، خارجةً من جزيرة العرب، تهدر كالسيل، وتضيء كالنور، لتنشر دين الله تعالى في كل مكان من العالم، وترفع راية التوحيد، وتدعو الناس إلى الإيمان والحق، والعدل والفضيلة، وتقيم المجتمع الصالح، وترسي شامخ بنيانه.

     وكان ذلك الميلاد مقدمةَ جيوش الإسلام الكبرى، الزاحفة كما يزحف الليل إلى كل بقعة، لتصرع عروش الظلمة والطغاة والمتألِّهين، ولتقود مواكب الدعاة إلى الله على كل أرض، وفي كل شعب، وكان مقدمةً لمواكب العلماء التي بنت مراكز الثقافة والمعرفة والحضارة في كل مكان، ما بين الأندلس والصين، وعلّمت العقل البشري كيف ينتصر على الخرافة والجهل، والأوهام والضلالات، والشرك والوثنية، وأطلقت عقاله من إسار الجمود والتقليد، وحمت انطلاقته من أن يضيع في التيه، ويسعى فيما لا يقدر عليه ولا يقع في طوقه وإمكانه، وأرشدته كيف يعبد الله على بصيرة وهدى ونور، وأذاعت في الناس دعوة الإسلام، وقيمه الرفيعة، ومثله العظيمة، ومبادئه الخالدة المباركة.

     حدث عظيم، قاد مسيرة الحضارة الإنسانية والتقدم، والعلم والابتكار والتجديد، ووضع الدعامة الأولى لانتصار الإنسان المسلم على الجاهلية وقيمها المتخلّفة، وموازينها الضالة، وأخلاقها المنحرفة، وأخذ بيد الإنسانية كلّها إلى ما كانت تتطلع إليه من نور بعد أن أشقاها الظلام، وخير بعد أن كثرت عليها الشرور، وهداية بعد أن تعبت وهي تخبط في الضلال، وأمان بعد أن أرهقتها الفتن، وحرية طال العهد بها بعد أن تسلط الظلم والقسوة والطغيان، ومساواة راشدة كريمة، بعد أن مزّقتها إلى طبقاتٍ التمايزُ المجحف، والتفريق الظلوم.

     ولولا أن مَنَّ الله عز وجل بمحمد بن عبد الله ﷺ لعاشت الإنسانية حتى اليوم في ظلام دامس، وحيرة بالغة، وتيه وضياع، وقلق لا ينتهي، ولظلت ترسف في قيود الوثنية والجهل، والفوضى والتأخر، والهمجية والوحشية، والشقاء المريع.

     ولولا ذلكم المَنُّ الرباني الكريم؛ لما أشرق النور النبوي الأكمل والأخير على الأرض، ولما سارت مواكب العلم والتقدم والمعرفة والهداية تشق طريقها إلى كل بقعة في الأرض، ولما قامت حواضر المعرفة والمدنية التي أسدت للناس أحسن الأيادي، في شتى ديار العالم الإسلامي، من المحيط إلى المحيط.

     يا أيتها الذكرى الكبيرة الغالية.. سلامٌ عليك بما صنعت للإنسانية والإنسان..

     سلامٌ عليك بما قدمت للعالم والشعوب..

     سلامٌ عليك بما كان لك من خالد العطاء الذي لا يبلى، والخير الذي لا ينقطع..

     سلامٌ عليك في الأولين، وسلامٌ عليك في الآخرين، ولك الخلود والقبول والمجد والثناء في الأرض والسماء.

*****

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (4)

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (4)

     لقد كانت ولادة رسول الله ﷺ في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، مفتتح حياة جديدة كريمة للعرب في جزيرتهم، وللناس حيث كانوا، فما كاد النبي الكريم ﷺ يبلغ أربعين عاماً من عمره المبارك، حتى أرسله الله عز وجل بالدين الأخير، دين الإسلام لهداية البشرية كلها، وإخراجها من الظلمات إلى النور. وبدأت عملية الهداية العالمية بأمة العرب، فكانت أعظم وأول نموذج لها، مثّلها أشرف وأتمّ تمثيل.

     وإذن؛ فإن لنا أن نقول: لقد ولدت بمولده الشريف عليه أفضل الصلاة والسلام، أمة كانت تتفرق في الصحراء وشعاب الوديان، تتصارع بطونها على عين ماء، أو منبت كلأ، أو ناقة سُرقت، أو بئر معطلة، أو طلل هزيل. نهاية الجود عندها ذبح شاة أو بعير للضيف، وذروة البلاغة بيت من الشعر يرفع قبيلةً أو يحط أخرى، وقمة الفرح أن يظهر فيها شاب نجيب، أو ينبغ فيها شاعر، أو تُرزق مولوداً ذكراً، وغاية الشجاعة أن تغزو قبيلةٌ من القبائل قبيلةً أخرى، فتفوز عليها، وتقتل رجالها، وتسبي نساءها وصغارها، وتغنم أنعامها.

     أما عبادتها فكانت عجباً من العجب، لقد عبدت من دون الله تعالى حجارة صنعتها أصناماً بأيديها، ثم عكفت عليها، تحسبها قادرة على جلب نفع، أو دفع ضر، وكان الناس من أبنائها إذا كانوا في سفر؛ بحثوا عن أربع حجارة، اختاروا أحسنها صنماً لعبادته، وجعلوا الثلاثة الأخرى أثافيَّ لطبخ الطعام، وإذا لم يجدوا من الحجارة ما يريدون، جمعوا بعض الرمل على شكل كثيب صغير، ثم حلبوا عليه شيئاً من لبن نياقهم ليتماسك بعض الشيء، فإذا تم لهم من ذلك ما أرادوا طفقوا يطوفون به.

     ومن حيث الدولة، لم يكن لهم أي مظهر من مظاهرها، فلا قانون ولا نظام، ولا جيش ولا حدود، ولا مؤسسات ولا حكومة، ولا أي شيء من ذلك، وكانت القبيلة كلَّ شيء في حياتهم. حقاً كانت لهم أوضاع مستقرة لها شكل الدولة إلى حد بعيد لدى المناذرة والغساسنة وفي اليمن، لكنَّ ذلك كله سقط صريع الولاء والتبعية للآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر، فاليمن كان يحكمها الفرس حكماً مباشراً بعد أخرجوا منها الأحباش، والغساسنة كانوا تابعين للروم، وإن كان حكَّامهم عرباً، والحال في المناذرة كالغساسنة في تبعيتهم للفرس.

     هذه الأمة الشقية البائسة، المنكوبة الضالة، منَّ الله عز وجل عليها بالرسول الكريم محمد بن عبد الله ﷺ فإذا بها تتبدل تبدلاً سريعاً وعميقاً وواسعاً، فإذا بها أمّة واحدة متماسكة، لها كتابٌ واحد هو القرآن الكريم، وقِبلةٌ واحدة هي الكعبة المشرفة، وقدوةٌ واحدة هو الرسول الكريم ﷺ، ودينٌ واحد هو الإسلام، وهدفٌ واحد هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، طلباً لرضوان الله تعالى، فصارت بذلك الأمة الراشدة، الوصيّة على الناس، الغالبة المنصورة، الباسطة لواءها على الأمم الأخرى، لا ظلماً ولا تسلّطاً ولا سرقةً لخيراتها، بل للهداية وللهداية فقط.

     وانطلقت كتائب هذه الأمة التي أكرمها الله عز وجل بالإسلام، وحدد لها انتماؤها لهذا الدين؛ ذلك الدور الريادي الضخم، القيادي الكبير، تجوب الدنيا وتنشر كلمة الحق، وتحطم صروح الجاهلية، فإذا بها بعد عهدٍ ليس بالطويل في حياة الأمم والشعوب، تملك رقعة شاسعة من الأرض، تطبّق في هذه الأرض كلها، حكم العدل والمساواة، وتهيئ للناس حتى من غير المؤمنين بعقيدتها، فرصة العيش الحر الآمن الكريم، وإذا بها دولة القوة والمجد، وإذا بها صولة العزة والظفر، وإذا بواحد من حكامها ينظر إلى سحائب غادية، فينظر لها باطمئنان الواثق، وعزة المالك الظافر، وامتنان الشاكر المؤمن: أمطري حيث شئت فإن خراجك لي!..

     أليس لنا إذن أن نلمس في مولده الشريف ﷺ مولد حياة جديدة لأمة العرب، نقلتهم نقلة شاسعة واسعة من حياة ضيقة جاهلة محدودة؛ إلى حياة واسعة نيّرة خصيبة، ومن اهتمامات تافهة كئيبة كابية؛ إلى اهتمامات في غاية الضخامة والقوة والرفعة، ثريّة بأكبر الأهداف على الإطلاق.

     وهل ثمة في الكون كله، هدف أعظم من هداية الناس، وقيادتهم للحق والنور، وتبصيرهم بطريق سعادتهم في الدنيا والآخرة، والسهر على شعلة الإيمان لتظل حية متوهجة يأوي إليها الناس، ويفيء إليها من أشقاهم ليل الضلال والفساد!؟

     إن هذا الهدف الجليل.. إنما اقتنعت به أمة العرب، ونهضت به، وحملت مسؤوليته الكبرى، يوم آمنت بهذا الدين العظيم، ومنحته صادق ولائها، وحملت رسالته للعالمين، فصارت بحق خير أمة أخرجت للناس؛ بعد أن تتلمذت على أكرم خلق الله وأعظمهم، المولود في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة والسلام.

*****

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (3)

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (3)

     إذا ذكرت الشهور، كان لشهر ربيع الأول منزلة حبيبة خاصة في قلب كل مسلم، إنه شهر العطاء بلا حدود، والخير بدون قيود، وها هي آثار عطاياه وهداياه ماثلة حتى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

     وهذي أواصر قرباه لا ينكرها إلا جاحد أو مكابر أو جاهل، وتلكم وشائج نسبه تشرق وتسمو وتزهو، لا يعتريها لبسٌ أو غموض، وكيف لا يكون كذلك، وهو الشهر المبارك العظيم الذي ولد فيه الرسول الكريم ﷺ ليحمل بعد حين من الدهر شعلة الهداية السماوية للناس، بعد أن عصفت بهم الجهالات والضلالات، وباتوا في ليل من الشقاء والفساد طويلٍ بهيم.

     وإذا قيست الأزمنة بما تقدم من الخير النافع المبارك، لا بما يدور الفلك خلالها من دورات، فإن شهر ربيع الأول تفتّح عن خير عميم، شمل الدنيا كلها، والبشرية جمعاء ولا غرابة، فقد كانت رسالته للناس كل الناس، في الأرض كل الأرض، وصدق الله العظيم في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

     ولم يمضِ على الثاني عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل سنة 570 للميلاد أربعون عاماً، حتى بدأت سلسلة جديدة من البركة النافعة، والهدي الكريم، وارتفاع راية الحق، وتدفق أشعة النار، فلقد تنزّل جبريل الأمين عليه السلام، في ليلة رمضانية نورانية مباركة، على رسول الله ﷺ في غار حراء، ليبلغه رسالة السماء الأخيرة، رسالة الإسلام التي أتمَّها الله عز وجل، وأكملها وارتضاها ديناً أخيراً للناس، هو وحده سبيل سعادتهم الوحيد في دنياهم وأخراهم، ونهض المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، بالأمانة خير نهوض، فجاهد في إبلاغها بكل جهده حتى أتاه اليقين، فانتقل إلى خالقه عز وجل، بعد أن ترك الناس على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

     وإنه لمن الخير المبارك أن تتفتح قلوبنا لهذه الذكرى الكريمة، تمر بنا هذه الأيّام، فلا يكون شعورنا بها شعور الجماد تمر به دورات الزمان، ولكن شعور الإنسان الذكي البصير، ذي القلب الحي الواعي، يلتمس العظة والعبرة والدروس، ويستفيد مما يمر به، ويحدد على ضوء الرسالة الكريمة التي جاء بها صاحب الذكرى ﷺ ملامح شخصيته كفرد، ومعالم أمته كجماعة، جاعلاً من الإسلام نظام حياته، ومن القرآن الكريم دستوره وقانونه، ومن النبي الكريم محمد ﷺ قدوته وإمامه وأسوته. وبذلك يستفيد من الحوادث، ويتفاعل مع التاريخ، وينتفع من مرور الذكرى الطهور.

     إن الإحساس الإيجابي الصادق بهذه الذكرى الغالية، هو إحساس بسيرة صاحبها عليه الصلاة والسلام، وهو إحساس بنبل الغاية، وسمو الهدف، وعظمة الطريق، وضخامة المسؤولية، وبأن الغايات الكبار تحتاج إلى رجال كبار.

     وهو إحساس بالعظمة الخارقة في عقيدة الإسلام ونظام الإسلام، وكل ما في الإسلام من أخلاق وموازين، وقيم ومُثل، وضوابط وتوجيهات، وهو أيضاً إحساس بهذه المدرسة التي كانت الوحيدة في العالم، عندما قدَّمت آلاف النماذج العملية لما تريد، فرسول الله ﷺ لم يكتفِ بتقديم نظريات للعالم، لا تجد مَنْ يحملها، أو يحولها إلى سلوك يومي، بل قدَّم نماذج عملية لكل نظرية، ولكل خُلُق، فكان الإسلام سلوكاً وعملاً، وكان استعلاءً على جواذب الأرض ونوازعها، وكان تفوقاً ضخماً مطلقاً على كل ما سواه، إلى جانب كونه نظريات ومبادئ تقوم على سلامة العقيدة في نقائها وتوحيدها، وسمو التشريع في عدالته وواقعيته، وشموله وغناه.

     وأمتنا اليوم، التي تود أن تنهض بعد عثار، وتصحو بعد كبوة، وتتقدم بعد تخلف، وتنطلق انطلاقة الظفر والظهور والغلبة، في جميع الميادين، يحسن بها لتصح مسيرتها ويستقيم أمرها، أن تتحسس مواقعها الفكرية، وأن تمتحن طاقاتها، وأن تقوّم قناعاتها، وأن تصوغ مواقفها، وأن تحدد غاياتها ووسائلها، على ضوء الرسالة المباركة الطاهرة التي جاء بها صاحب الذكرى عليه أفضل الصلاة والسلام، وعليها كذلك أن تمتحن صدق وجدّية ولائها لقائدها وإمامها، وقدوتها وأسوتها، الذي كان لها في ذلك كله النموذج المتكامل في كل شيء، ذلك أنه ما ترك ميداناً من ميادين الحياة الخيّرة إلا ولجه وضرب فيه أحسن المثل.

     إن رسولنا الكريم ﷺ هو الذي أضاء ليل الظلام الداجي يوم كان العالم يتخبط في متاهات الضلال والحيرة، ويئن من وطأة الظلم والظالمين، يوم كان هذا العالم نهباً مقسّماً لأولئك الذين استطاعوا ببغيهم وعدوانهم وتحت شتى العناوين؛ أن يستعبدوا مَنْ دونهم من البشر، وأن يفرضوا عليهم سلطانهم بلا هوادة ولا رحمة ولا أي تقدير لكرامة الإنسان.

     لقد أضاء ذلك الليل، وجلا تلك الظلمات، وأزال هاتيك المظالم، وأطلق الإنسان من إساره، ليكون عبداً لله تعالى وحده، وبهذه العبودية يكون حراً من كل عبودية أخرى لأي إنسان كائناً من كان، وبذلك فقط تكون كرامة الإنسان.

*****

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (2)

الفصل الأول: مولد الرسول ﷺ وعظيم خلقه.. تأملات في بعض المعاني

في ذكرى مولد الرسول ﷺ (2)

     يحمل إلينا ربيع الأول في كل عام، ذكرى حبيبة غالية على قلب كل مسلم، هي ذكرى الميلاد النبوي الشريف، التي تعبق بشذاها العاطر الأيام، وتشدو بجمالها وجلالها الأجيال والأعوام، والتي تظل كوكباً دُرِّيّاً في مسيرة الزمان، ونقطة تحول كبير، ونقلة ضخمة في تاريخ الحضارة والإنسان. ذكرى كريمة غالية، ما أكثر ما وقف عندها القُصّاص والكُتّاب، والأدباء والفصحاء، والشعراء والمؤرخون!.. يستنبطون منها العبر، ويستخرجون منها الدروس، مأخوذين بعظمتها وغناها، وسعتها وتفوّقها، ثم لا يَبْلى الحديث، ولا تتوقف الأقلام، ولا تنضب القرائح، ويظل الكلام جديداً وأثيراً وغالياً، وتظل النفوس تهفو إليه، وهي دائماً تطلب المزيد. ويظل الموضوع قادراً على أن يفتّق أبواباً من الحديث لا نهاية لها، ويظل قادراً على العطاء الدائم وكأنه المنجم البكر والغابة العذراء.

     ونحن نقف اليوم، وقفة المعتبر بأحداث التاريخ، المعتز بعظمة ومجد الإسلام، وجلال وشموخ أمة الإسلام، المفتخر بالانتماء إلى سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ نبياً ورسولاً، وقائداً وزعيماً، وقدوة وأسوة، المتمسك بالدين العظيم الذي جاء به، والقرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى عليه.

     وتنثال على المرء العبر والذكريات، وتتسع به طرق الحديث وتتشعب، ويجد نفسه أمام بحر زاخر إزاء العظمة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فيتوقف بعض الشيء فيما يذكر من ذلك.

     أيذكر يوم الميلاد وما ترتب عليه من نتائج!؟

     أيذكر النشأة الطاهرة المبرّأة قبل البعثة بكل ما فيها من تفوق وسمو، وتألق وشموخ، وعظمة وكمال!؟

     أيذكر البعثة الطاهرة بما صحبها من جهاد كريم صادق، وتضحية وبطولة، وإخلاص منقطع النظير، ومن نزول القرآن الكريم دستوراً كاملاً ومنهج حياة، ومن هدمٍ لصروح الشرك والطاغوت، وطي لأعلام الجاهلية التي أشقت الناس، ومن حرب للفساد والضلال لا هوادة فيها!؟

     أيذكر ما أعقب انتشار الدعوة، وكفاح الرسول الكريم ﷺ وصحبه الأوفياء الكرام من أجل إبلاغها للناس كافة!؟

     أيذكر الهجرة الشريفة وانتصارات الإسلام الأولى في بدر وغير بدر من خالد الانتصارات!؟

     أيذكر الإسلام العظيم الذي أعزّ الإنسانية، ورفع كرامة الإنسان، وأقام لها أكرم وأكمل مجتمع بشري أمثل، وحرر المستضعفين والأرقّاء والمساكين، وأشعرهم بقيمتهم الإنسانية كاملةً غيرَ منقوصة، وحقق العدالة والمساواة والتآخي، ونشر الإسلام والتعاون والفضائل، والحرية والعزة والأمان، وما شئت من كريم الفضائل والأخلاق، فإذا بفجر السعادة الإنسانية، تشرق على الدنيا أنواره، وتنمو فيها وروده وأزهاره، وتضوع عاطرةً مُمَسَّكَةً آثاره!؟

     أيذكر الدين العظيم الكريم، الذي ربّى أبطالاً وأجيالاً، وشاد ممالك ودولاً، ونشر ألويته في الشرق والغرب، فتُلي القرآن الكريم في الصين، وارتفع الأذان في فرنسا والأندلس، وأقام أعظم الحضارات، وأرسى أشرف المبادئ والأنظمة والقوانين!؟

     أيذكر كيف هزَّ دينه العظيم الدنيا جميعاً، فقدّم موازين للتفاضل والتمايز أدق وأصح وأكمل، وضوابط للأخلاق أسلم وأعظم وأشمل، ونظرة للوجود رحيبة واسعة، وتصوراً للكون والإنسان والحياة أغنى وأسمى وأطهر، وطفق يجتاح معاقل السوء والشر في العالم، حرباً على الطغيان والظلمة، والجور والإرهاب، والفقر والتخلف، والجهل والفوضى، والتأخر والجمود!؟

     لقد كان المولد النبوي الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، مقدمة لهذا كله ولكثير سواه، في غاية الخصب والعظمة والتفوق، كان مقدمةً لانتصارات رائعة ظافرة في عالم الضمير وعالم الواقع، في عالم الفرد وعالم الجماعة، في عالم الأسرة وعالم الدولة، في عالم الحاكم والمحكوم، والحضارة والقانون، والتصورات والموازين، والأهداف والغايات، والوسائل والطرق، والقيم والمثل، انتصاراتٍ في كل هذه العوالم وفي غيرها، وعلى كل الأصعدة والمستويات، انتصاراتٍ حققت للإنسانية ما كانت تصبو إليه من أمانٍ وآمال، وافتتحت لها عهداً جديداً هو أكرم عهودها على الإطلاق.

     وفي تاريخ الإنسانية الطويل، كم وُلِد من أكاسرة وقياصرة، وقادة وحكّام، وأصحاب دعوات ومبادئ، ولكن لم تشهد البشرية كلها ميلاداً أجلّ، ولا أعزّ، ولا أكرم، ولا أنبل، ولا أمجد من ميلاد محمد بن عبد الله ﷺ!..

     فلقد قاد رسولنا الكريم العظيم مسيرة الحياة، وقافلة الحضارة، إلى حيث الهدى والنور، والصدق والعدل، والتوحيد والإيمان، وكان الرائد الهادي المبارك، لمواكب البشرية الطويلة الزاحفة في تيه الحياة، تنشد النور، وتطلب العدل، وتريد السلام، وتسعى لحياة حرّة كريمة، هانئة آمنة، فحقق لها المصطفى عليه الصلاة والسلام ذلك كله، وقادها في درب السعادتين؛ سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة.

     ولئن كان الرسول الكريم ﷺ قد أفضى إلى ربّه عز وجل، فإن الإسلام العظيم الذي بُعث به، قادر باستمرار على تحقيق هاتين السعادتين للناس، ما استمسكوا به بحق وصدق، ومنحوه ولاءهم الجاد الكامل.

*****

الأكثر مشاهدة